الموضوع: فتاة الريف
عرض مشاركة واحدة
قديم 05-04-2016, 12:13 PM   رقم المشاركة : 8
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


فتاة الريف


- وأين تسكن يا عم عاطف ..
وبعد أن أخبره الرجل عن مكانه سكنه وعرف موقع بيته ذهب كلاً منهما في طريقه .. ولم يكن " زهير " يعلم أن ذلك الرجل هو والد " زينة " وأن ابنته التي يبحث عنها هي نفسها الفتاة التي تجلس بجانبه في السيارة .. ولكن القدر لم يئن بعد ليجمع بين الأب وابنته .. ولم تأتي ساعة الحزن الأخيرة كي توقف سيل الدموع وتحد من الآهات والأحزان ..
وصل " زهير " و " زينة " إلى الدار وهما في حالة شديدة من الإرهاق والتعب وكان والد
زهير يقف أمام البوابة الداخلية حين سمع بقدوم ولده من حارس الدار .. ويقف بجواره صديقتي " زينة " بلهفة واضحة لرؤيتها والاطمئنان عليها بعد أن عاشتا ليلاً طويلاً كله قلقٍ وخوف على حياتها .. ولكن اللقاء بعد طول انتظار وبعد رؤيتهما على أتم صحة وعافية جعلت الجميع يضحك ويغني ويرقص بفرحٍ ومرح وسط زغاريد " أم باسل " المرأة العجوز التي تعمل بالدار منذ أكثر من عشرين سنة ..
وضم " العم هاشم " ولده بحبٍ وحنان وقال بصوتٍ غائر :
- كنت أخشى أن لا أراك ثانيةً .. ولكن الله سلم .. نعم .. عناية الله فوق كل شيء يا ولدي الحبيب ..
رد عليه ولده وهو يقبَّل جبينه بنفس الحب وعمق المشاعر وقال :
- هذا بفضل دعائك يا والدي الحبيب .. لقد قضيت ليلة كنت أحسبها آخر ليلة في عمري .. وقد زاد خوفي وقلقي وجود زينة معي فقد خشيت أن يلحقها أذىً خاصة أن الأمطار كانت غزيرة ولم تتوقف طوال الليل وهذا ما زاد يأسي في العودة بها إلى الدار .. ولكن .. الله سلم
وكانت كلمة " غادة " قد ملئت المكان جواً من الضحك والمرح حين قالت :
- هون عليك يا دكتور زهير .. فالمطر أحياناً يكون سبباً لأشياء أخرى تجلب السعادة للمرء .. أليس كذلك يا زينة ..؟؟ ( ثم قالت بعد أن طبعت قبلة على خد زينة والجميع يحدق بها ) حسناً .. لماذا تحدقون بي هكذا ..؟ يبدو أنه من الأفضل لي أن أذهب لصنع القهوة قبل أن يتم التهامي وذهابي إلى العالم الآخر بلا تذكرة سفر ..
كان صباحاً جميلاً .. اجتمع فيه الجميع بسعادة عارمة استطاعت أن تمحو خوف وقلق ليلة كاملة .. وحلق الجميع بأجنحة الحب ليطير كلاً منهم على طريقته الخاصة نحو نورٍ وضياء لا يراه سوى من عاش الحب ودرس قواعده بصدق ليصبحوا معاً على طريق العطاء بلا حدود .. وحب لا يعرف القيود .
والتقى الحبيبان .. وذاب الثلج المحيط بالنافذة حين اصطدمت به أنفاسهما
الحارة والمتلهفة للقاء ..


يبدو أن شتاء هذا العام سيكون بارد جداً ويختلف عن شتاء السنوات الماضية .. فقد أصبحت الثلوج تغطي الجبال والأشجار والبيوت والسيارات .. حتى أصبحت مدينة " زحلة " كعروس رائعة الجمال ترتدي فستان عرسها الأبيض وتغطي بطرحتها البيضاء أرجاء وجهها الهادئ الخجول ..
مضى أربعة أيام بعد تلك الليلة الممطرة التي جمعت بين " زهير " و " زينة " ليقضيان معاً أجمل اللحظات وأسعدها .. ويقترب كلاً منهما من الآخر ليصبح للحب بينهما حديث .. وللشوق في قلبيهما مرسى ..
في هذا الصباح تستعد " زينة " لمقابلة الدكتور " زهير " فهو سيزورها بعد غياب أربعة أيام بأكملها وستسمع صوته الحنون حين يلقي عليها أجمل الكلمات وأعذبها ..
والتقى الحبيبان .. وذاب الثلج المحيط بالنافذة حين اصطدمت به أنفاسهما الحارة والمتلهفة للقاء .. ووقف " زهير " بجانبها خلف النافذة ليضع يداه على وجهها البارد ليصل إليها دفء حنانه من خلال القفازات التي تغطي يداه من شدة البرد .. وقال لها بهمس الحبيب
وهو في قمة حنانه وعطاءه:
- كيف تقفين أمام النافذة في هذا البرد القارص .. ألا تخشين أن تصابين بالزكام يا حبيبتي ..؟
أمسكت " زينة " بيده لتقبلها بشوق وحنين وهي تقول :
- كان عليك أن تخشى علي من حرارة الشوق وليس من برودة الثلج من حولي .. إني أتلهف شوقاً إليك يا حبيبي فلماذا تأخرت في قدومك إلي وأنت تعلم أنني لا أطيق العيش بدونك..؟
- إذن .. أنتِ تعاتبيني ..!! أليس كذلك ..؟
- وهل هناك أجمل من العتاب بين الأحباب ..؟؟
أمسك " زهير " بيديها وأجلسها على الكرسي القريبة من النافذة بعد أن أغلقها بإحكام وجلس بجوارها .. ولفهما الصمت للحظات وهو ينظر إليها ويتأمل جمال وجهها .. وقال بعد طول صمت :
- حسناً .. لكِ أن تعاتبيني كما تشائين ولكن ليس قبل أن أخبرك سبب غيابي عنك.. ( ثم نظر إلى وجهها بحنان واضح وقال ) إن وجهك يزداد جمالاً حين يأتي الشتاء ..
شعرت " زينة " بالخجل يملأ وجهها وهي تسمع منه تلك الكلمات الرائعة وقالت وهي تضع نظارتها الشمسية فوق رأسها لتظهر عيناها وكأنها تذكره بالشيء الذي يحاول تجاهله في كل مرة .. وهي أنها فتاةٍ ضريرة .. فاقدة البصر لا يكتمل جمالها أبداً مع تلك العينين :
- لا تغير الموضوع واخبرني عن سبب غيابك في الأيام الماضية ..؟؟
- لقد كنت مريض .. ولزمت الفراش حتى صباح هذا اليوم ..
قالت له وهي تمسح على شعره بلهفة :
- لماذا لم تخبرني بأنك مريض ..؟ لماذا تخفي عني أمراً كهذا يا زهير ..؟ كان علي أن أفهم .. أنا السبب في مرضك فلولا خروجك في تلك الليلة تحت المطر من أجلي لما تعرضت لسـوء
لسوءٍ أبداً ..
ابتسم " زهير " وهو يحاول أن يغير الموضوع بشيءٍ آخر حين قال :
- لدي خبرٌ سار من أجلك ومن أجلي أيضاً ..
- خبر سار .. ومن أجلي أنا ..!!
- نعم من أجلك ومن أجلي قبلك .. سأتحدث اليوم مع والدي بخصوص زواجي منك .. لا أظنه سيرفض فهو يكن لك الكثير من الحب وحين يعلم بأني أحبك أنا أيضاً مؤكد أنه سيبارك لي زواجي منك خاصةً أنه دائماً يلح علي أن أتزوج ليرى أحفاده من ولده الوحيد ..
وقفت " زينة " وسارت بخطوات قليلة حتى وصلت إلى " البيانو " وجلست على المقعد الموضوع أمامه وتركت يداها تلامس مفاتيح البيانو بهدوء وكأنها تفكر بصمت ثم قالت :
- أرجوك أن تفكر بالأمر بحكمة وروية أكثر يا زهير .. زواجك مني سيسبب لك الكثير من المشاكل فأنت شاب طموح وصاحب مركزٍ مرموق في المجتمع وأي فتاة تملك المالك والجمال تتمنى الارتباط بك والزواج منك .. أما أنا فزواجك مني سيجعلك في إحراجٍ دائم أمام الناس وهذا مالا أرضاه لك ..
تقدم نحوها ليقترب منها ويضع يداه على كتفيها وهمس في أذنها قائلاً :
- كل هذه الأمور لا تهمني ولن تبعدك عني .. أنا أحبك يا زينة .. أحبك ولن أرضى بفتاةٍ غيرك تحتل قلبي حتى لو بقيت العمر كله بلا حب وبلا زواج .. لن تكوني أنت سبب تعاستي .. ولن أسمح لك بتعذيب قلبي وهو يرقد بسلامٍ بين يديك ..
ثم أخذ " زهير " كرسي وقربه منه ليجلس بقربها وهي ماتزال تلتزم الصمت وعيناها تذرفان الدموع الحارقة والموجوعة كلما مرت عليها ذكرى حياتها السابقة وكيف تستطيع أن ترتبط برجلٍ لا يعرف عنها سوى أنها فتاةٍ يتيمة وفقيرة تعيش بلا ذكرى مؤلمة وبلا حكاية مخيفة وكانت دموعها هي السلاح الوحيد الذي تتسلح به أمامه كي يصرف فكرة الزواج منها للأبد وحين رأى دموعها تتساقط فوق خدها أدار وجهها إليه ليرى عينيها المليئة بالأحزان والدموع
وقال لها وهو يمسح بإصبعه ما تبقى من دموع فوق خدها :
- أنتِ تبكين لأنك تبادليني الشعور وتخافين من مواجهة قلبك .. نعم .. أنتِ تحبينني كما أحبك وتتمنين قربي كما أتمنى قربك ولكنك تخشين كلام الناس .. أليس كذلك..؟ إذن أنتِ لا تصدقينني .. لا تثقين بي وبوعودي .. أنتِ تحاولين الابتعاد عني لأني رجلٌ ضعيف ولا أستطيع مواجهة الناس وأنتِ تقفين بجانبي .. هذا هو رأيك في الرجل الذي أحبك من كل قلبه وسيضل يحبك للأبد ..
أمسكت بيده وراحت تقبلها بحرارة وشوق وألقت برأسها على كتفه وقالت :
- لا أرجوك .. أنت لست كذلك .. أنت فارس وشجاع وأكثر ما يجذبني إليك هو ثقتك بنفسك .. أرجوك أن تتحمل كل هفواتي وجنوني .. أنا بدونك لا أملك سوى الدموع والأوجاع صدقني أنا لم أشعر بالأمل والسعادة إلا حين أكون معك ويدك تحتويني وتقربني إليك ..
أصبح الدكتور " زهير " في حيرةٍ من أمره فهو لا يستطيع فهم حقيقة مشاعر " زينة " ولا يعرف كيف يصل إلى مراده دون أن يعكر صفوهما أي أمرٍ آخر ..
إنه لا يقدر أن يخرجها من صومعة أحزانها وأفكارها الواهية التي تعيش داخلها منذ سنينٍ مضت .. بل إنه لا يعرف ما تخفيه عنه كي يتمكن من تخطي أي عائق يحول بينه وبين الوصول إليها .. وأحس بشيءٍ ما يدور في رأسها وتغيب عنه للحظات كي تفكر به .. وأهاله منظر وجهها وهي تهتز بعنفٍ مع ما تفكر به .. وأيقن أنها تعيش الماضي المؤلم .. ولكن أي ماضي ..؟؟ أهو الماضي الذي يعرفه وهو أنها فقدت والدها ووالدتها منذ الصغر وعاشت هنا بعد أن قدم لها والده المساعدة لإنقاذها من الموت ..؟؟ أ/ أنه ماضٍ مجهول لم تبوح به لأحد .. ولم يقرأ أسراره شخص آخر كما يقرأه هو الآن في عينيها الدامعتين .. ولكن لابد من مواجهته والوقوف أمامه بكل صمود كي تغتسل منه وتستطيع أن تكمل مشوار حياتها بلا أحزان وبلا هموم ..
وضع وجهها بين راحة يديه ثم سألها وقال :
- لماذا أنتِ حزينة ..؟ أراك وحيدة دائماً تفكرين بشيءٍ يزيد من حزنك وألمك .. أنتِ
تخفين أمراً في نفسك ولا تريدين أن يتطلع عليه أحد .. هذا ما أخبرتني به صديقتك غادة فهي تقول أنك دائمة الحزن والتفكير والصمت أيضاً .. ألن تخبريني بما يكدر صفو حياتك ويجعلك تلتزمين الصمت حتى في أوقات الفرح ..؟؟
وقفت " زينة " وأسندت يدها على البيانو تفكر مرةً أخرى بمفردها .. تخاف أن يعجز لسانها عن الكلام وتخاف أكثر من ردة فعل " زهير " حين تخبره بحقيقة رفضها الارتباط به .. ولكنها قررت أن تتحدث ولو بجزءٍ من معاناتها ومن مشاعرها المخيفة في جوفها وقالت بعد لحظاتٍ من الصمت المميت وهي مازالت تتكئ على البيانو :
- منذ أن قدمت إلى هذا المكان وأنا أشعر بأنني أعيش في كوكبٍ آخر غير كوكبي وغير عالمي .. لذا أقسمت على نفسي أن ألتزم الصمت وأمتنع عن الكلام في أي أمرٍ يخصني .. حتى ظن الجميع ممن حولي أني أكره التحدث إليهم وأتهرب منهم .. والحقيقة أنني أعجز عن مواجهة نفسي أمامهم .. وأخاف أن يعلم بسري كل من حولي واصبح تسليةً لهم في أوقات فراغهم ..
عادت " زينة " للصمت قليلاً وكأنها تبتلع ريقها الجاف وهي تتحدث لأول مرة عن ماضيها وحين سمعت صوت " زهير " يطلبها أن تكمل حديثها قالت :
- فقدت بصري وهو أهون علي حين فقدت أهلي وعشيرتي .. تركتني والدتي وصرف أبي وجهه عني لذنبٍ يم يكن من صنع يداي ولم يحدث لي ما حدث رغبةً مني .. عشر سنوات مضت وأنا أعيش في هذه الدار يتيمة .. جعلوني يتيمة رغم أن والداي على قيد الحياة .. وكل يوم يمضي أمني نفسي وأقول لها غداً .. غداً سأعود إلى عائلتي وقريتي الجميلة .. غداً سيغفر لي أبي وتضمني أمي إلى صدرها .. ولكن الغد يأتي ويأتي بعده غدٍ جديد ولا شيء يؤكد ظني وأملي فقدت كل شيء .. لم يعد لي رغبة في الحياة .. لا أريد أن أعيش يتيمة فالموت أرحم لقلبي المعذب ولنفسي التائهة .. وتسألني لمَ أنا حزينة ..؟؟ كيف تريدني أن أضحك وأفرح والغربة تزلزل كياني كل يوم وكل لحظة ..؟؟ كيف تريدني أن أمارس الحياة مثل أي فتاة لا تملك سوى
القهر والحزن والألم ..؟؟ كيف ..؟!!
وبدأت في بكاءٍ مريرٍ سحيق وكأنها تغتسل من أحزانها وتتطهر من آلامها .. وقام " زهير " وأمسك بيدها وقال وهو ينظر إليها بكل ما لديه من حنان وكأنه يدرك أنها تشعر به قبل أن تراه .. وقال :
- لا تيئسي يا حبيبتي .. فأنتِ مازلت صغيرة والحياة أمامك تفتح لك ذراعيها عليك أن تودعي أحزانك وتبحثين عن حياةٍ أفضل .. وأظنك تملكين السلاح الأفضل لذلك ( يشد على يديها ويقول ) أنت تملكين أنامل ذهبية تجعل منك شخصيةً مهمة ومشهورة ..
تحرر يدها من قبضته برفق وتقول :







رد مع اقتباس