الموضوع: عروس النيل
عرض مشاركة واحدة
قديم 05-04-2016, 08:42 AM   رقم المشاركة : 3
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


عروس النيل


كانت تحدث نفسها وتناجيها وهي تقول :
- ترى ما مدى حبي له ..؟ وما مدى حبه لي ..؟ يا إلهي ما أصعب هذه اللحظات فالزمن يمضي بي إلى هاويةٍ ساحقة لا أستطيع العيش فيها كما لا أقدر على الهروب منها .. وانقطع حديثها مع نفسها عندما أمسك " أحمد " بيدها وهو يقترب منها حتى أصبحت أنفاسه تخالط أنفاسها ويحرقها لهيب أنفاسه وهو يقول :
- ما بك يا حبيبتي ..؟ أراك ساهمة .. سارحة .. هل مرّ على ذاكرتك شيءٌ ما..؟
- لا .. أنا آسفة يا أحمد .. آسفةٌ جداً .. لا أستطيع أن أذكر شيء .. كل ما أذكره هو أنني استيقظت في هذا البيت الفسيح ووجدت نفسي أجلس بين جدرانه .. حتى اسمي لا أذكره .. فذاك بائع اللبن يناديني بـ " ليلى " ..
وأنت وأولئك الذين قلت عنهم أنهم أهلي ينادوني " ليلى " .. ألكل يدعوني بهذا الاسم حتى أنني صدقت بالفعل أنني " ليلى " .. وأنت تقول بأنك زوجي .. وكل شيء حولي يثبت أننا زوجان هذه الصورة .. وتلك التحفة المنقوش عليها أول حرف من اسمي واسمك ..
يا إلهي .. يكاد الصداع يفتك برأسي .. ويدمرني ..
ثم قالت وهي تمسك بيديه وتشد عليهما بقوة :
- أرجوك ساعدني .. ساعدني أن أكون " ليلى " بالفعل .. ساعدني أن أتخلص من هذا الصداع المميت .. لم أعد احتمل .. لم أعد احتمل .. ثم راحت في بكاءٍ سحيق ودموعٍ غزيرة لا تنتهي .. وضمها إلى صدره بحنان وهو يعلم أنه لا يمكنه فعل شيءٍ غير ذلك ..

** ** ** ** ** **
رغم عتابها المتكرر ..
ورغم إنتظارها المرير إلا أنه لم يجعل لإحساسها ومشاعرها أي حساب ..

لم تكن " ليلى " تبادله الحب في كلامه .. ولا في تصرفاته فهي لا تزال تشعر بالغربة خاصةً منه .. أما هو فقد ازداد حبه لها .. وعاد إلى طهارته وعنفوانه بعد أن فقدها أياماً من عمريهما .. كان الندم قد أخذ منه كل مأخذ .. وكلما تذكر ما فعله بها وكيف أنه أقام علاقةً لا قيمة لها مع صديقتها "منى " .. شعر بنار الندم تشعل ضميره ولهيب الحسرة تصهر فؤاده ..
كان " أحمد " يجلس وحيداً في غرفته .. بعد أن أوصد الباب عليه حتى لا يقطع أحداً خلوته مع نفسه .. كان الظلام يملأ الغرفة وصوت الموسيقى الهادئة تنفض ما على قلبه من غبار .. وذكريات مؤسفة بالنسبة له ..
مرت على ذاكرته صورة تلك الفتاة اللعوب عندما رآها لأول مرة في بيته وهي تتجاذب الحديث مع زوجته الحميمة التي تبث إليها شكواها وهمومها بلا تردد..كان ترددها على البيت يزداد يوماً بعد يوم..وفي كل مرة تزداد نظراتهـا إليه
بخبثٍ ودهاء .. إنه يذكر ذلك اليوم حين سمع صوت جرس الباب يرن .. وذهب ليفتحه ويرى من الطارق .. كان الوقت قبل الغروب بقليل .. في الوقت الذي كانت زوجته تتسوق فيه مع والدتها وأختها ..
كان حضوراً مفاجأً بالنسبة له فهو يدرك أن حضور صديقة زوجته في الوقت الذي تعرف أنها غير موجودة حضوراً مريباً وغير عادي .. وله مآرب خفية يخافها ويتحاشى حدوثها ..
كانت تقف وجسمها يميل قليلاً .. وهي تتوكأ بكوعها في عرض الباب ثم قالت بغنج ودلال :
- هل تسمح لي بالدخول ..؟
- نعم .. ولكن .. أقصد أن ليلى ليست هنا .. ستعود بعد ساعة ..
كان الارتباك ظاهراً عليه وواضحاً في كلامه .. وسمح لها مضطراً بالدخول بعد أن عجز في صدها وإبعادها .. ودلفت إلى داخل البيت بكل جرأة رغم علمها بعدم وجود صديقتها ..
وتبادلا الحوار .. وطال الحديث بينهما .. حتى استطاعت أن تستميل قلبه وعقله مع مرور الوقت وهو ينساب إليها في خضوعٍ وعدم تفكير ..
ومضت الأيام على علاقتهما معاً وهما يلتقيان سراً ويتبادلان حباً وهمياً لا أساس له ولا جذور .. وغرق معها في يمٍ من الوحل والدنس .. حتى حدث بينهما ما كان يخافه ويتهرب منه .. ووضعته بمكرها أمام الأمر الواقع الذي جعله يقع فريسة سهلة بين يديها وتزوج " أحمد " من صديقة زوجته الحميمة حتى لا تفضح أمره أمام حبيبته وزوجته " ليلى " ..
لم يكن " أحمد " يحب " منى " الحب الصادق ولم تكن هي أيضاَ تحبه كما تدعي ولكنها الغيرة ا لعمياء من صديقتها التي تفوقها جمالاً .. ووقاراً وجاذبية..
وفعلت ما فعلته انتقاماً من الحظ الذي يساير صديقتها ويعطيها ما تريد وتحب بينما يقف الحظ بالمرصاد أمامها وأمام رغباتها الجنونية ..
مضت على خيانة الأستاذ لزوجته سنة ونصف السنة والأحلام والكوابيس تتردد عليه كلما نام بقربها .. فهو يعلم أنه خائن أمام نفسه ..
كان الخوف حاجزاً بينهما .. أما " ليلى " فقد كانت حزينة لقلقه وعدم راحته . وهي التي لا تعلم سر ذلك .. فالخيانة لا تورث صاحبها سوى الشقاء والعذاب .. وعدم الراحة خاصةً لإنسان مثل " أحمد " الذي يحب زوجته كل الحب ويملك لها في قلبه المكان الكبير .. أما هي .. فهي ترى زوجها من زاوية واحدة .. الزاوية الناصعة البياض .. المليئة بالثقة .. والحب وتبادل الأشواق .. لم يمر عليها يوماً واحداً أحست فيه بالشك في أقرب الناس إليها ولو للحظة واحدة أبداً .. حتى وهي ترى تلهفه الدائم لحضور صديقتها إلى البيت .. حتى وهو يغيب عنها لساعات طويلة دون اتصال منه .. كانت تخلق له الأعذار في وقت غيابه بلا تردد .. فحبها له وثقتها به لا تدع مجالاً للشك والريبة في قلبها ..
كيف تشك فيه وهو الذي اختارها من بين مئات الفتيات ..؟ كيف تشك فيه وهو يقدم لها حباً لا مثيل له ..؟
لا .. وألف لا .. فالقلب الذي يحب لا يخون .. ولا ينسى من أحب .. إذن هي غيمة سوداء لابد لها أن تنجلي وينقشع سوادها بالأمل .. رغم عتابها المتكرر .. ورغم انتظارها المرير إلا أنه لم يجعل لإحساسها ومشاعرها أي حساب.. أصبح " أحمد " غارقاً بلا أمل في النجاة .. وهو يعلم أي امرأةٍ تكون هي " منى " ومن أي طينة تنتمي إليها تلك الفتاة التي لا تعرف طريقاً للصلاح ..
إنه يريد أن يعود إلى زوجته " ليلى" بسلام .. ويتمنى لو أنه يرتمي في حضنها
الدافئ ويلتمس منها الحنان الصادق ويرتجي من قلبها العفو والسماح والصفح .. ولكن كيف ..؟ كيف ..؟
هل يعترف لها بكل ما فعله .. ويخسر من تمتلك قلبه وفؤاده إلى الأبد ..؟ أم يصمت ويزداد غرقاً في الوحل يوماً بعد يوم ..؟ ويدع لمثل هذه المرأة الطائشة أن تدمر حياته وبيته وترميه بين براثين الندم والحسرة ..
إنه بين نارين .. كلما هدأت واحدة ازدادت الأخرى توهجاً وسعيراً .. نار زوجته الوفية وهو يراها تتعذب من أجله .. وتنتظره كل يوم حتى يغلبها النعاس على الكرسي الرجراج .. وهي لا تمل من انتظارها له حتى يعود إليها وتضمه بين ذراعيها .. وتسمعه أحلى ما لديها من همس وحديث ..
ونار امرأة وقع في شباكها رغماً عنه وبدون سابق إنذار .. ليصبح مقيداً أمامها كمجرم ذليل لا يقوى على الاعتراف ولا الهروب من العقاب .. وأي عقاب.. لكنه لن يبقى صامتاً هكذا أمام تيارٍ جارف لا يعرف الرحمة ..
لابد أن يبحث عن طوق نجاة ليمكنه من الوصول إلى بر الأمان .. وبسلام وشاطئٍ لا يجد فيه سوى حبيبته " ليلى " وقرة عينه حتى يلوذ بالسعادة التي كاد أن يفقدها .. وسيفقدها إلى الأبد ما لم يفعل ما يجب عليه فعله لاسترجاعها والمحافظة عليها
وهو أن يطلقها .. نعم يطلق " منى " ويغتسل من ذنبه وما لحق به من وحل لا يزال " أحمد " غاضباً من نفسه .. من أفعاله التي أوقعت به في الحضيض وكانت سبباً في فقدان زوجته الذاكرة .. ويزداد غضبه غضباً واشتعالاً كلما رأى زوجته تائهة لا تعرف من حياتها سوى الشيء اليسير .. فلو أنها لم تراه مع تلك المرأة لما حدث لها ما حدث ..
ويزداد غضبه غضباً على غضب بعد تأكده أنها هي التي أخبرت " ليلى " عن وجوده في شقتها في تلك الليلة .. حتى تجعل منه فريسةً سهلة لا حراك لها ولا حياة .. وتجعله أمام الأمر الواقع الذي طالما خاف من وقوعه في أي يوم ..

** ** ** ** ** **
كانت تنتظره بقلق وبشيء من الخوف ..
فمنذ أن خرج حزيناً .. ودون أن يحدد وجهته لم يعد ولم يهاتفها كعادته ليطمئها عليه
يكاد الندم يفتك بـ " أحمد " .. وحبه لزوجته يتأجج ناره في صدره ويزيد سعيرها كلما رآها أمامه ..
إنه يحبها بجنون .. نعم يحبها أكثر بكثير من حبه لها يوم أن رآها لأول مرة .. فقد اكتشف أن بداخلها جوهرةً نقية ليس لها مثيل .. ولا يمكن لأي إنسان التخلي عنها واستبدالها بحجرٍ لا قيمة له .. ولا فائدة ..
كان صوتاً عذباً ينساب إلى مسمعه بكلماته الشجية .. كانت أغنية غير عادية بكلماتها التي تقول :
علمني حبك أن أحزن وأنا محتاج منذ عصور ..
لامرأة تجعلني أحزن .. لامرأة أبكي فوق ذراعيها مثل عصفور ..
لامرأة تجمع أجزائي كشظايا البلور المكسور ..
وسرح بذهنه لبرهة وهو يحدث نفسه قائلاً :
- كيف أترك ملاكاً لأركض وراء شيطانه لا يعرف قلبها طريقاً للرحمة ..؟ كيف استبدل زهرة ندية متأصلة الجذور .. بزهرة لا رائحة فيها ولا جذور .. كيف ..كيف ..؟ وعادت كلمات الأغنية الجميلة تعصف بكلماتها لتوقظ في نفسه أحساساً كان دفيناً في يوم من الأيام .. وصوت " الساهر " يدغدغ مسمعيه وهو يقول :
أدخلني حبك سيدتي مدن الأحزان ..
وأنا من قبلك لم أدخل مدن الأحزان ..
لم أعرف أبداً أن الدمع هو الإنسان ..
أن الإنسان بلا حزنٍ ذكرى إنسان ..
كانت هذه الكلمات قادرة على أن تجعله يبكي حتى الموت .. ويذرف من الدمع أنهاراً حتى يصبح أنساناً نقياً .. ويضل يبكي .. وقد كان بكاءه بلا توقف ..
كانت " ليلى " تراقبه وهو يجلس على الشرفة .. يبكي .. ويجهش بالبكاء وهو يرفع ناظره إلى السماء ويدعو بهمس :
- يا رب سامحني .. سامحني يا رب فقد أخطأت ..
واقتربت منه ليراها ويقطع مناجاته لربه .. ثم جلست على ركبتيها أمامه واضعةً يداها على فخذيه وقالت له هامسة :
- لماذا تبكي ..؟ هل بدر مني ما آلمك وأقلق راحتك ..؟








رد مع اقتباس