منتديات بال مون  

العودة   منتديات بال مون > منتدى الفن والأدب > منتدى روايات عبير وأحلام > الروايات العربية

الروايات العربية قسم مختص بعرض أشهر الروايات العربية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-04-2016, 11:05 AM   رقم المشاركة : 9
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


غرباء منتصف الطريق


لم يتحدثا عن القطيعة طوال أسبوع، جاءته أنيقة ومشعة كأية سيدة دمشقية، الأناقة عنوانهن، هكذا منذ بداية الخلق، فهن لم يأتين من الصحراء ولا من البحر ولا من الليل، بل من حزمة ضوء، هن في دمشق منذ كان الإله طفلاً، كبر وصعد على عرشه وبقين كما تركهن جميلات، إن لدمشق سيداتها اللواتي يزرعن الربيع ويحافظن على سعة الأفق، يعشقن السماء العالية، ولديهن هاجس إبقاؤها بعيدة، بعيدة جداً.
لمحت بشيء من الفطنة إلى عدم مجيئها، وإلى انشغالها بالرسم طوال الأسبوع الماضي، لم يعلق، فضل أن يبقي الصندوق مقفلاً، ما فائدة ذلك وتربيتها تحتم عليها الاهتمام بالشكل، الذي يدفع الشباب إلى المغامرة؟ إنها الأنثى التي يصعب أن تغيّر طباعها، أمها علمتها أبجدية المرأة، إذ يعود نضجها إلى التعليقات، وإلى تسمية الأشياء بأسمائها الشعبية، والحرص الزائد أن تعرف مفعول كل حركة ولمسة وفعل وقول يؤدي إلى الجنس، يشطح خيالها في تصور الأمور، تتمنى أن تجرب، وقد كادت تقع في فخ أبي سبحة في الأيام الأولى لخطوبتها، لولا حكمة الله ودخول أمها في اللحظة المناسبة إلى غرفتها.
ولأهمية الشكل في حياة فرات، قرر أن يكون لقاؤهما في مكان عال كشموخ جسدها، أوقف سيارة وطلب إلى السائق التوجه إلى الهامة، حيث التلال والهضاب، توجه السائق إلى شارع بيروت المسكون بالخضرة والجمال والتاريخ، ومنه إلى الربوة التي تضع القادمين إليها في جو الريف والمتنزهات، يستمر الطريق حانياً جسده، عن اليمين تلال بكر ومنخفضات، إلى اليسار مرتفعات شاهقة تتخللها بعض الوهاد، وما بين اليمين واليسار واد عريض يمر فيه الطريق ملتوياً ومحاذياً التلال تارة ومبتعداً عنها تارة أخرى، في محاولة جذب وعناق لا مثيل لهما، تتدرج الأرض بالارتفاع بعد الربوة، تعلو شيئاً فشيئاً حتى قدسيا، حيث الطبيعة تعبير عن الفوضى التي شكلتها خلال ملايين السنين، تلال تعقبها تلال حتى الصبورة، ما يزال السائق على بعد أمتار من الربوة، اقترب من دمر التي تستوطن الوهاد وتتسلق التلال، يستمر الطريق محاذياً بردى، الطبيعة أليفة ووادعة حتى بلدة الهامة، قبل الوصول إليها تنتشر المطاعم والمقاهي والمقاصف، بردى يرافقهما. ينحني ويتلوى باحثاً عن الأراضي التي يمكنه السير فيها دون عناء، فقد أدرك منذ ولادته أنه لن يصل إلى السماء، وأن مكانه ليس فوق التلال بل عند أقدامها العارية، رضي أن يشق طريقه في الانهدام تاركاً تلك الطبيعة الساحرة لنمو الأشجار والنباتات الشوكية، يتمايل الحور الذي تصل جذوره إلى الماء، بينما تمتد فروعه في الأفق تغازل النسيمات.
اختارا مطعم فردوس الشام القريب من الهامة، مطعماً واسعاً تُسبح النسيماتُ جمالَ الطبيعة وروعتها، في مكان ناء وقريب من شجرة حور عملاقة كانت طاولتهما، مدت المقبلات ثم المشاوي، هل ثمة لقمة أطيب من يد حبيب تقدمها؟ يتبادلان هذا الطقس المغري بالغزل والأكل، يأكلان بشهية وكأنهما لم يتناولا الطعام منذ يومين، يبتعد النادل بعد أن يحضر آخر الصحون التي تحتوي رغيفاً مشروحاً دست به قطع اللحم التي يتصاعد منها البخار، أثناء تناول الطعام يجري حديث:
- نحن الشاميات نحترم الرجل كونه أغلى ما في الوجود!
- هل يمكنني أن أقول رأيي دون تحفظ أو «زعل»؟
- قل، كلي آذان صاغية.
- يا آنستي، يظل الزوج موضع اهتمام الشامية ورعايتها ما دام يدللها وينفذ طلباتها وجيوبه عامرة...
ضحكت من كل قلبها، أدركت أن مزحه غليظ، قالت: ظالم!
وبطرف قدمها داست على قدمه بقوة، بدا مزاجها صافياً، قادرة على المناكفة، ردت عليه:
- أحسن من رأيكم أيها القوامون! نحن متفردات في جمالنا وأناقتنا، فننا وثقافتنا.
- احذفي آخر كلمة فقط.
- لن أحذفها، أتنسى ما نتمتع به من ثقافة موروثة، تصف لي أمي أدق مسائل الحياة الزوجية، هل نجدها عندكم؟
- في ظل التلفزيون وأفلام هشك بشك صارت راعية الغنم تعرف كل شيء.
ناولته قطعة لحم بشوكتها لتسكته، تناولها وهو يطالبها أن تقدم لـه ثانية وثالثة بأصابعها ليتلذذ بقضمهن، سألها إن كانت ترغب أن يحدثها بالسياسة، أربد وجهها، نظرت إليه بعدم ارتياح وذكرته بالقاعدة الذهنية «اللي يأخذ أمي يصير عمي» رجته أن لا يكون ثقيل الدم، وإلا ستصعد الجبل لترمي نفسها في حضن الوادي جثة هامدة.
اقترب أكثر منها، شعر أن فخذيها لامستا ركبتيه، أنفاسها تصله حارة مفعمة بعطر الياسمين الذي يملأ المكان، انتشى، ابتسم، نظرت إليه ووجهها باقة ورد، رفعت رأسها، برز شموخ أنفها وحلمتي نهديها المتكورتين والمرتسمتين على قميصها أشبه بغزال يفرّ في البراري، يتباعدان ويتقاربان لا شيء يحد من حركتهما سوى الثوب الذي يرتفع إلى الأمام ويكاد يتمزق أو يحترق، تشعر بحرارة تلتهم جوفها، ترمي منديلها وتحرك بيدها الهواء، تتكئ على الطاولة يمد يده يلامس بطن كفها التي تبعدها عن قبضة يده.
يتحدثان عن الصداقة مطولاً، تؤمن بالصداقة وترتاح إلى هذه الكلمة المقدسة، لأنها بحاجة إلى أصدقاء، إلى صديق يكون الأعز، تفكر بعقليتها الدينية، لا ترغب في نقاشات تجرها إلى الثقافة، لقد باتت تعترف بينها وبين نفسها أنها بحاجة إلى الإطلاع على الآداب والعلوم الإنسانية، حتى السياسة عليها أن تعرف معاني بعض المصطلحات، تشعر أنها خاوية، فارغة، تتحدد حياتها ومفاهيمها بالأكل واللباس والمكياج وكيفية اصطياد عريس، الإنصات إلى أمها لتطلعها على الجديد في المسائل الأنثوية، الحياة متعة، أشياء كثيرة عليها أن تقول كلمتها فيها، كم من زوجات طعن وسال لعاب أزواجهن على أخريات أقل جمالاً! عليها أن تجرده من نقوده، هي تعرف أن الفقير لا يحلم بخليلة، تتباهى بما لديها من تحف زينة وصحون وكاسات وفناجين، تفتح التلفاز من أول رفرفة للعلم حتى آخر رفرفة، وإذا تيسر لها فيلم فيديو تسهر عليه وتتخلص من الانقطاعات الإعلانية، تسهر بمنامتها أو بلباسها الذي يظهر عريها، ليصير أحد طقوس السهرات الزوجية، عليها أن لا تدع زوجها على الرصيف، عليه أن يشاركها في (مكياجها)، يناولها المساحيق وعلبة «الغندرة» ، تطلب رأيه وهي تميل بعنقها غنجاً، ثم تتعرى قطعة قطعة وهي تجلب نظره إلى ما بان من جسدها، تستمتع بما يقوله، لا تدع لحظة تفوتها، في الصباح تتباهى أمام الجارات عن سهرات لياليها دون خجل، ولا ينتهي الحديث إلا عندما تشعر أن موعد قدوم زوجها قد اقترب.
تنتبه إلى ذاتها، ما مبرر شرودها؟ ها هي ذي تتعاطف مع ما يقوله حامد عن المرأة وثقافتها، تخفف من المساحيق، تسأل عن أهم الروايات، وأهم المجموعات القصصية، ولأي الشعراء ستقرأ، نزلت إلى المكتبة ومعها قائمة تضم ما يزيد على مئة كتاب، تريد أن تكون لها خلفية ثقافية، تملأ رأسها لا جسدها ووركيها.
استطاع أن ينفذ إلى أعماقها، شجعها على امتلاك الرأي، أن تنقد، لا حياة بلا نقد، ما دامت المادة في حركة دائمة، وما دامت قوانين الحياة والمجتمع موضوعية، وما دامت كل ظاهرة تحمل متضادين، كاد رأسها أن ينفجر، قالت:
- يكفي اليوم، لا أفهم كل ما تقوله، خطوة خطوة، فالثقافة ليست جرعة أو إبرة يأخذها أحدنا فيصير مثقفاً!
-19-


كان عليك أن تنهي مهمتك خلال أسبوع أوأسبوعين على أبعد تقدير تقضيهما بصحبة قاسم الصلصال وغيره بعيداً عن فرات وهلا، بعيداً عن عالمك، لتعرف كل شيء عنه، وتجيب على أسئلة كثيرة منها: ما نقاط قوته وما نقاط ضعفه؟ كيف يفكر وما عمله الأساسي؟ وأشياء أخرى تأتي في حينها.
أدركت صعوبة مهمتك، انتابتك رعشة خوف ورهبة، تضع يدك فوق النار وداخل الفرن، فإن لم تحترق وتفتقدها، قد تتشوه، لكنك مع ذلك جاد في طريقك، عليك أن تبحث عنه بين أكداس أعقاب السجاير وزجاجات النبيذ وملاهي الأجساد العارية، تنتظر فرصة سكره ليحدثك عن حياته، وهذه قد تأتي بعد أسبوع أو أسبوعين أو شهر، عليك أن تخلق هذه اللحظة، ستدفع آلاف الليرات، لم تضع في حسابك الخسارة المادية، من الصعب عليك أن تتكيف مع أجوائه، عليك أن تمشي على الشوك والحجارة، تمشي طرقاً مزروعة بالمسامير والألغام، حزين لأنك ستسلك هذه الطريق، ستناديه كأعز صديق، سيثق بك، ألا تخاف أن يدفعك إلى الهاوية؟ عليك أن تكون حذراً، أن تضع قدمك على أرض صلبة، تتأكد من ذلك، ستسلك طريقاً غير سوية، ليلاً ستقابله في ملهى «الوردة البيضاء» تدفع الحساب وتطلب ما يشاء من كؤوس وعاهرات، يترنح بعد الشرب، يبدأ بالتصريح بما عنده وأنت مسرور، ترفض أن تشرب أي نوع من الكحول بحجة أن الطبيب منعك، أنت في قمة صحوك وهو في قمة ترنحه، لا شيء يروي حقدك، إن ما حكته هلا يفوق التصور، ها ويبقيها لليوم الثاني يتلذذ على جسدها المخدر، جسد بلا حركة أشبه ما يكون بالتمثال، ينز دماً وألماً، في صباح اليوم الثاني فتحتْ عينيها بحذر، رأته يحضر الشاي ويضعه أمامها، تظاهرت بالنوم أثناء قدومه، أحضر كرسياً، مدَّ يده وهزها لتفيق وتشرب الشاي وتتناول إفطارها، جلس يراقبها بتلذذ وهو متأكد أنها ستغط في النوم بعد دقائق، لكن المفاجأة أنه بدأ يتثاءب على غير عادته، بدا رأسه ثقيلاً، اتكأ على كرسي مجاور ولوى رقبته بعد أقل من ربع ساعة من تناولـه الشاي، أدركت أن مخدره القوي قد أخذ مفعوله، مما مكنها من نبش محتويات الغرفة، رفعت سماعة الهاتف لتتخلص من الرنين المفاجئ، نظرت إلى عريها، إلى ثيابها الممزقة، بحثت عن شيء تلبسه، وجدت عباءة امرأة وحجاباً، لبستهما على عجل، بحثت جيداً وأخذت ما أخذته من أوراق ونقود، وقبل أن تخرج عطلت هاتفه، وأغلقت الباب بالمفتاح، إنها الآن حرة، طالعتها محلات الألبسة، اتجهت إلى إحداها واشترت ثياباً ارتدتها، ورمت فستانها الممزق والعباءة والحجاب إلى حاوية القمامة، اشترت أدوية لجروحها، أوقفت سيارة أجرة، نظرت إلى السائق خافت أن تصعد، اعتذرت واستقلت الباص متجهة إلى الموعد الذي حددته مع فرات.
دعاك الصلصال إلى شقته بعد أن طلب إلى إحدى الراقصات أن توافيه بعد انتهاء برنامجها، في غرفته كل شيء فوضوي، حاول على عجل أن يرتب السرير ويعيد بعض الملابس إلى الخزانة، ذهب إلى المطبخ وأحضر زجاجة مشروب، صب في كأسك وقال:
- في صحتك، بعد قليل تأتي شراب!
- ومن شراب؟
- المرأة الفلتانة التي رقصت هذه الليلة، عندما ترقص أسكر وأنسى حالي.
- هل تحبها؟
- الحب كلام جرايد، المرأة تحتاج إلى رجل يغرقها بالمال، والبقية تعرفها، لكن واحدة ليست من جنس النساء، ملاك، جننتني، أخوك روضها حتى دخلت الغرفة، أحضرت المأذون وشاهدين والست شراب التي مثلت دورها، عقدت عقدي عليها، هي مدرّسة مثلك، الطريف أن الشيخ سألها عن اسمها ليدونه، أجابت: شراب، تداركت ذلك وطلبت شراباً للفرح، ثم نطقت باسم هلالة، أخبرته أن هويتها بين يديه، اسمها وكل التفاصيل، وقبل أن تنسحب خجلاً قالت: أقبل خطيبي على سنة الله ورسوله، لا تحرجني بالأسئلة، ألم تر أنني متحجبة! تظاهرتُ بالغضب وطالبتها بالانسحاب إلى الداخل، سارت الأمور كما خططت، في اليوم الثاني غادرت البيت وحرقت قلبي، أخذت عقد الزواج وهويتي ونقودي وحاجياتي الخاصة، ولم تبق سوى ملابسي، كيف فعلت ذلك لا أعلم؟ فتاة مخدرة تثاءبت ونامت وأنا أشرب الشاي، أنا في حلم لم أجد تفسيراً له، عصراً أفقت، العتمة تلف الغرفة، جسدي متوعك، تناولت سماعة الهاتف، اكتشفت أنه لا يعمل، الكهرباء مقطوعة، مفاتيح البيت والسيارة ليست معي، الباب مغلق، حاولت فتحه لم أستطع، كسرته وذهبت إلى معلمي الذي رثى لحالي، وبخني وزودني بكتاب عليه صورتي، وهددني بأوخم العواقب، ضاع العقد، وضاع كل شيء، لكن أين ستهرب؟ راجعت المأذون بعد أيام من هربها، بحث في دفتره، لم يجد العقد، ذكرته بالموقف والبيت، تذكر كل شيء وذهب معي إلى القاضي، الذي أخبرني بأنه لا يعترف على الكلام الشفوي، دعاني لإحضارها لكتابة العقد من جديد، أراك تضحك مني، لولا أنك صديقي وأحترمك، لتصرفت معك تصرفاً آخر!
قلتَ في نفسك، احتمله يا ولد، ما زال الطريق في بدايته، البداية مشجعة، شراب بتأخرها وعدم حضورها تستفزه ليفرغ ما في داخله، يزداد حنقه وشتمه، يتوعدها ويصفها بالقحبة، تفضل غيره، هذه عادتها عندما تعجب بالزبون، طمأن ذاته إلى أنها ستأتي بعد ساعة على أبعد احتمال، بعد أن يكون قد شبع منها غيره، راقبتَ تصرفاته، أحببت أن يستمر الحديث بينكما، أن تنسيه الراقصة، أن تحاوره، سؤال يخطر ببالك تلقيه على مسامعه، تود معرفة لِمَ يتزوج وهو يعيش حياة الملوك، أجابك:
- الزوجة يا صديقي مسألة أخرى، إنسانة تملكها، تتحكم بها، تخدمك ولا تريد أكثر من كلمة حلوة، أما الساقطات فإنهن لا يدعن في الجيب قرشاً، وإذا شعرن أنك لا تملك ما يقدم لهن متعة الشراب والأكل، يرفسنك، الزوجة لا تفعل ذلك، تعطيك الثقة في البيت وأمام الناس، آه يا هلا كنت سأفخر بك أمام معلمي وكبار رجال الأعمال، وربما أصير من أهمهم، فوت الفرصة، هل ثمة امرأة أجمل منك؟ لا أعتقد، جمالك سحرني، أهواك وأريد أن امتلكك.
فهمتَ من نقاشاته أنه لا يمانع، أن يدفع زوجته إلى حضن معلمه، يراه جزءاً من واجبه اتجاهه، بل الأكثر من ذلك أنه يفخر بذلك، يفخر أكثر كلما وهب جسدها إلى رجال مهمين، لم تعلق، استغربت ما سمعته، لم تتصور أن هناك أناساً يحملون نساءهم إلى حضن غيرهم، أناساً يحملون دناءات العالم بمثل هذه المكاشفة، وكأنها أمر عادي، تذكرتَ ما قالته هلا كيف أغراها أن تكون سيدة الفنادق، يتخاطفها العرب والأجانب، يدفعون بالعملة الصعبة، يدفعون بسخاء، قرع على الباب، إنها شراب بلحمها ودمها، رفعت يدها اليمنى وقالت: هاي!
- أين كنتِ؟
نظرتْ إليه وابتسمت، لم تجب، بيدها أشارت نحوك، وسألته عنك، أجابها:
- إنه على خلاف مع أهله.
- هل ستفتح مضافة للمتشردين؟
- بل مضافة للعاهرات!
- خسئت!
ضحكا وكأن كل واحد يكركر الآخر، بينهما أنت كالأطرش بالزفة، رمت نفسها على السرير متعمدة إظهار بعض عريها، وضع شريطاً راقصاً في المسجلة وأدارها، الموسيقا تغلغلت في دماغها، قدماها تتحركان وتضربان السرير، يتمايل خصرها، رمت محفظتها، وبدأت تهز جسدها وهي مستلقية على السرير، شدها من يدها، تتمايل، تهز بطنها وردفيها، شعرها الأهوج غير المنضبط ينسدل مرة إلى الأمام ومرة إلى الخلف، بيدها ترده عن عينيها، حركات وارتعاشات جنسية، تدعوك للرقص، يصير وجهك أرجواني اللون، تشدك من يدك، ترمي بثقلها عليك، تبتعد وهي تطاردك وتترنح.
تناولا المقبلات وقرعا الكؤوس، وصل القرف والبذاءة والسكر إلى آخر مداه، بعد الرابعة اندست في الفراش، بينما استلقيت على الأرض تراقب المشهد بكل تفصيلاته، بعد ساعة غططت في النوم ولم تصح إلا على يدها، يد ناعمة وصوت يناديك، تجثو على ركبتيها، وجهها يقترب منك، تقبلك وتندس إلى جانبك، كل شيء عار، الأخلاق، الجسد، الشهوة، خلصت نفسك من بين يديها، تساءلت إن كانت البداية هكذا فكيف النهاية؟ هل تدفعها للحديث عن الصلصال؟ الذي تحلم أن تعرف كل شيء عنه، وعن أهله وأصدقائه، يبدو الأمر مبكراً، الأفضل أن تدفعه للحديث عن ذاته، وتسمع تفاصيل عن طفولته وشبابه، كيف يضيع ابن الضيعة في ازدحام المدينة؟ كيف يترك أرضه وأرض أبيه ليتسول في سوق النخاسة؟ يتحول إلى سمسار، يتجرد من قيمه وماضيه، يراهن أن يتزوج فتاة جميلة يبعثها إلى معلمه نهاراً، وفي المساء تزور أحد الفنادق بناء على اتفاق مسبق، تقضي ساعات، ولا تعود إلا وجيوبها منتفخة وقوامها منهك، يتلذذ بحديثها عن غرائب الزبائن، يقهقه مسروراً وهو يجردها من نقودها.
شراب تعيدك إلى الواقع، تتأمل جسدها الفتي المشرئب اتجاهك، لا تنقصك إلا الشجاعة أو الوقاحة لتلج عالمها، الذي يعلو كلما حقق معادلة النشوة، مع من هذا لا يهم، ما فائدة الجسد إذا تبادلته الأيدي وداسته الأرجل، اقتربت منك، تفوح منها روائح عدة، اعتذرت وتجاهلت ما سمعته، اقتربت وبدأت تفك أزرار قميصك، بباطن كفها مسحت على رقبتك وصدرك، زحفت إليك متجاوزة مسافة الأمان التي تحاول المحافظة عليها، ليلة البارحة لم تكن أية مسافة أمان بينها وبين الصلصال، رأيت وسمعت وأحسست بأشياء لم تتصور أنها موجودة بمثل هذه الوقاحة، الطعام الذي يعرض عليك طهته عشرات الأيدي، فسد، نفسك تعافه، كادت تجن، أخبرتها أنك لن تشم وردة لمستها عشرات الأيدي والأنوف، لم تقتنع بأقوالك وتبريراتك حول صداقتك مع الصلصال، طالبتك بالصراحة، أخبرتها أنك على خلاف مع أهلك، وأنك لن تخون أصدقاءك، علمتَ أنها تكرهه، دائماً يحاول أن يدمر كبرياءها ويسلب نقودها، قالت:
- أنت تدمرني وتكذب عليّ، هذا الكلام لا يقوله من يعرف الصلصال، فكيف إذا اتخذه صديقاً؟
احتضنتك وبدأت تقبلك وتتأوه، لم تتخلص من ذراعيها إلا بعد أن رميتها على السرير وتركتها، نظرت إليك بعينيها الدامعتين وقالت:
- أنت تقتلني مرتين عندما ترفضني، تذكرني بما أنا فيه وبإنسانيتي ة.
- بل أعيد إليك إنسانيتك، فكري!
حدقت بك وكلها دهشة، لم تجد مبرراً لتصرفاتك، لبست ثيابها وقالت:
- أنت أول رجل يرفضني ويطالبني أن أحترم ذاتي، أمثالي ليس لهن غير فنهن، لكنني سأفكر بكلامك، أشعر أن لك مكانة خاصة عندي، كلماتك كؤوس خمرة تحتاج إلى زمن لتدور في الرؤوس، أنا مسرورة منك وقد لا تغيب عن بالي طوال اليوم.
لديها الكثير لتقولـه، حدثتك عن الصلصال وعن ذاتها، وعن أشياء لا تخطر ببالك، شعرت بالضيق بصعوبة التنفس، تدخن بشراهة، تتأوه، ستنفجر، تحتاج إلى وقت طويل لتفرغ كل ما في صدرها، وعدتها أن تستمع إلى كلامها، تتركها منفعلة تسب ماضيها وحاضرها، أنت الآن بحاجة إلى كمية من الأوكسجين، الغرفة مضغوطة، فتحت الباب وخرجت تستنشق الهواء، تركتها تدخن لفافة، تركتها مع جنونها وأوهامها، مع حكاياتها، مع الرجال الذين ينسدحون أمامها، تمسكت بك، حاولت إعادتك إلى الغرفة، لكنك بلباقتك خرجت واتجهت إلى أقرب حديقة متضايقاً، تكاد تنفجر، عقلك لا يحتمل كل ذلك، لم تصدق ما رأيته وسمعته، كيف استطعت أن تمسك نفسك، وأنت أمام امرأة عارية غضة ناضجة كلها إغراء وأنوثة! تظاهرت بالهدوء والثورة في داخلك، اقتلعت كل السجون، دمرت توازنك، بدت أمامك دمية وليست أنثى كلها شبق وإغراء، هل رفضك علامة قوة أو ضعف؟ ألم يكن من الصواب الاستفادة منها والتعامل معها كجسد؟ هل موقفك صحيح؟ قطعت الشوارع بسرعة لتصل إلى الحديقة، التي تنشد فيها الأمان، الزهور والورود ترحب وأكثر من مقعد فارغ ينتظرك، تناولت سندويشتين، وانطلقت للقاء صديقك، الذي لا تستغني عنه منذ عشرة أيام، قدماك تدفعانك إلى الملهى الذي ستجد فيه الصلصال، إنه في انتظارك، وقف لحظة رآك، مدّ يده، سلم ثم قبلك على وجنتيك، عاتبك بقوله:
- ما الذي فعلته مع شراب؟
- لا شيء!
- تتهمك أنك غير لبق!
لم تجب، جلست إلى جانب صديقك في انتظار بداية الحفلة، صدحت الموسيقا صعدت على الخشبة راقصة جديدة، وظهر مطرب لوح بيده وأخذ يصفق تعاطفاً مع الجمهور، غنى بصوته الخشن بعض أغاني فهد بلان ووديع الصافي وفريد الأطرش وطلال مداح، أظهر الجمهور تجاوباً كبيراً، جاءت شراب إلى طاولتكما ودعتكما إلى بيتها بعد انتهاء الحفلة، رفضت مشاركة أي زبون طاولته، تحدق بعينيك وكلها مرارة وحزن، تهدد قاسم وتتوعده إذا لم تأتيا، حاولتَ الإفلات من طوقها، أوصدت بوجهك الدروب والحجج، وعدتكما بعشاء وسهرة على نفقتها، منذ أيام وهي تفكر بذلك، وقد أعدت لكل شيء عدته، ما عليكما إلا إيقاف سيارة أجرة.
واضح أن الدعوة وسيلة لاصطيادك، هززتها من الداخل، شيء ما فيك جذبها إليك، أنت الرجل الوحيد الذي تعرض عليه جسدها ويرفض، تريد أن تقرأ سر كبريائك، كيف تتصرف عكس الآخرين؟ هي تختار من تشاء وترفض من تشاء، لا تقبل الجلوس مع طالبها إذا لم يعجبها، يتدخل صاحب الملهى يحاول إقناعها، تقسم إنها لن تذهب لتدفن نفسها، قرارها بهذا الصدد نهائي، أحياناً يلف الزبون، لا يقتنع برفضها، تبادر إلى شتمه وتمزيق النقود التي يمدها، وكلما تمادى بالدفع تمادت بالرفض، ليست بحاجة إلى نقود تأتيها من شخص لا تريده ولا ترتاح إليه، ماضيها معروف، الرجال يطلبون صفحها، وهي كالصغار لا تحمل في فؤادها عداوة لأحد، اليوم انقلبت الأمور والمفاهيم، تسأل عنك، تستفسر من الصلصال فلا يجيبها، تثور في وجهه، وها هي أعدت وليمة لم تفعلها من قبل، هي التي تُدعى ويحتفى بها!
جئتما إلى بيتها، رحبت بكما وقبلتكما، ارتدت فستان سهرة ناري اللون، تتفحصك وتمازحك، تعترف بهزيمتها أمامك، تقول:
- من أجلك رفضت من طلبوني اليوم، أشعر أني بحاجة إلى الاعتكاف، أنت اخترقت كياني، رفضت عروضي، دمرت كبريائي، زدتني تعلقاً، وأنت تعرف أن إشارة من يدي تفعل الأعاجيب، شخصيات مرت من أمامي وانبطحت بين رجليّ، وأنت أيها الشقي تعاند وتكابر، وبدل أن أسدد لك ضربة أو طعنة، أدعوك لقضاء سهرة الليلة كاملة في شقتي وعلى شرفك أنت وهذا المهووس ببول الأنثى.
- أشكرك سيدتي، أنا لا أستحق كل هذا الاهتمام، فأنا لست أكثر من مشرد، ربما حظي جمعني بإنسانة طيبة.
قدمت طاولة عشاء، احتوت على السلطات والمقبلات واللحوم، أحضرت زجاجات مشروب لأنواع مختلفة، العرق، الشمبانيا، الوسكي، طلبت كأساً من البيرة، أجابتك:








رد مع اقتباس
قديم 05-04-2016, 11:06 AM   رقم المشاركة : 10
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


غرباء منتصف الطريق


- رائعة يا شراب!
صاح قاسم الصلصال، صفق لها وضمها بين ذراعيه، وطبع قبلة على جيدها، نظرت إليه نظرة ضيق واشمئزاز، ابتعدت عنه ولم تقل شيئاً، تدخل ليلقي بعض نكته ويظهر براعته، مسرور بمزاجها الطيب، لفتتها الكريمة التي جعلتك تنكمش، لف يده على كتفها في محاولة أخرى لعناقها، تخلصت منه وابتعدت، لحق بها واقترب منها، حضنها ولف يده اليمنى على خصرها وجذبها إليه، تملصت منه وابتعدت، وباحتقار طلبت إليه أن يخجل، شعر أنها تتمرد عليه، وأنها إنسانة أخرى، سألها عن مغزى تصرفها، أخبرته أن هذه الدعوة لصديقه وعليه أن يحترم تقاليده، ولو كنت لا تؤمن بما يقوم به ولك رأي مغاير وذلك بقولها: "أنا معجبة بما يفعله صديقك، اعذرني يا صلصال، ودعنا نمضي السهرة كما يفضلها، لا تبحث عني هذه الليلة، فأنا لست لأحد، أنا لذاتي، لذاكرتي، دعنا نسهر حتى الصباح."
لم يرق كلامها له، نظراته تعاتبك وتطالبك أن تتخلى عن مثالياتك في زمن يصفع المثاليات، يطالبك أن تعطي الجلسة حقها، ولا تتصنع الأدب والعفاف وهما بعيدان عنك، تدخلت وقلت: "لكل واحد حياته الخاصة وتطلعاته ورؤيته، أنا أيها الصديق لم أعهد سهرات السمر هذه، لكنني أتقبلها لأنني أحبكم."
تململت فبدت بقدها الفارع وخصرها النحيل نجدية القوام، سوداء العينين، شعرها الملون بالأطياف قصير يغطي جبهتها، ويصل إلى أذنيها، فتحت أعلى زرين بفستان السهرة، فبدا صدرها المعجون بالحنطة ملعباً، ونهداها المكوران المرمى، فجرت بضحكتها وترنحها الرغبات، تتمايل وترفع كأسها، أميرة السهرة، هيجت العواطف، حملت النسائم والرذاذ والمزن والبرق والأوكسجين بكفيها، اهتز خصرها فاهتز قرطاها وتماوج نهداها الزئبقيان، وجسدها الذي يشع نوراً وسط العتمة، انطلقت من فستانها نيران وأبخرة، انطلقت أبجدية الليالي واللهجات المحرمة، انطلق قوامها بنيرانه الحارقة، صبت الخمرة لتحيل كل شيء إلى رماد، ولتبدأ رياحها العاصفة فعلها، بدأ وسطها بالتلوي، وذراعاها بالحركات والارتعاشات، وخلفيتها بالاهتزاز والتمايل، بدت بتفاصيلها الأنثوية مثيرة، شعرت بكيانها يسمو بالجنس وهو يتقاطر كحبات العرق من جسدها، دفء أنثوي لم تعهده، تميل إليك، تلقي برأسها إلى صدرك وبمؤخرتها إلى حضنك، تتمايل وهي تقذف بتعبيراتها الفاضحة، تشدك وتطالبك أن ترقص، تقف أمامها كالأبله، تنظر إلى صدرها، إلى تفاصيل لم تعرف رهافتها، يداها تتحركان، زفراتها قصيدة الجسد، أخطر ما في ذلك أن تتخدر وتنسى نفسك، الصلصال نسي أنه ضيف، نسي آدابها، انتعش فهجم عليها، أبعدته وهي تضحك، ما زلت متمالكاً أعصابك على الرغم من العطر والأنوثة، صار لجسدها لون الرمان، جسد يصرخ، نسيتْ نفسها، نسيت الزمن ووجود الصلصال، ارتمت في حضنك وأخذت تنهش بك وتقبلك، تنظر إليها ترثي حالها وهي تصيح كالمجنونة تشتمك، تطالبك بضمها، أن تحملها بين يديك، أن تهرب بها بعيداً عن العاصمة، حملتها ووضعتها على السرير، أحضرتَ كأساً من الماء، أخذته وسكبته على صدرها ونهديها، رمت الكأس فانكسرت، قالت: كل مياه العالم لن ترويني، من أية طينة أنت، قتلتني!
نشفت عرقها وغسلت وجهها استعداداً لجولة جديدة، بعد تنظيف الغرفة من الزجاج، قررت أن ترقص حتى آخر رمق، تتفنن في الدوران وحني الجذع والتمايل، تقرب شفتيها من فمك، فعل المشروب فعله، بدأت تغني، تحلق في الفضاء، تشعر أنها نجمة في الأعالي، تطل على البشر، خارج إطار مكانها، تحملها رشاقتها على تأدية حركات ورقصات مذهلة، عند الثالثة بعد منتصف الليل أحست بدوار وتعب، ألقت جسدها على السرير، وخلدت إلى الراحة، اقترب الصلصال فأعادت ما قالته في بداية السهرة، قرر أن يغادر ويأخذك معه، لكنها أصرّت على بقائك.
صباحاً كانت ذات مزاج جيد، اقتربت منك، بدت مشرقة ومبتسمة وسعيدة بوجودك في بيتها، تتأملك لتطبع صورتك في مخيلتها، رسمك لا يفارقها منذ أيام، هناك رجال يمرون دون عدّ، بينما واحد هو الذي يثير المشاعر، وأنت أثرتها من الداخل، أحست أنها التقت بحياتها، في رأسها مئات الأسئلة، بودها أن تجد جواباً لبعضها عندك، سألتك:
- ما علاقتك بقاسم؟
- لم أفهم قصدك؟
- بل فهمت، كلانا يفهم الآخر، قاسم لا يعنيني، فكرت أن أطرده من حياتي، ساعدني، فأنا أرى فيك ما هو مفقود عندي، أصدقني القول وأنا أكفيك شر السؤال! أساعدك، ثق بي ولن تندم!
- سأتردد إلى هنا، أنت الآن تهمينني وتستحقين الصداقة، بيننا الكثير الذي علينا فعله.
- من أنت أيها العصي؟
لم تجب، نظرت إلى عينيها اللتين تسللت منهما دمعتان، مسحتهما وأنت تخاطبها بكلمات ودودة، تدعوها أن لا تلح في سؤالها، ستعرف كل شيء في الوقت المناسب، طمأنتها أنك لست صديق الصلصال، ولا يمكن أن تكون صديقه، إنما هناك فاتورة حساب عليه أن يدفعها، ابتسمت، تأكدت أنها أمام رجل قادر على حمايتها، لقد استدان الصلصال عشرات الألوف، قال لها قبل يومين، إن عليها أن تنسى موضوع الدين لأنه شطبه من ذاكرته، طلبت إليك أن تنتظرها، لن تدعك تخرج، ستحدثك عما تتوق لمعرفته، نظرتها في الرجال لا تخيب، تريد أن تستحم فقط، أن تخلص جسدها من قاذوراته، أحست بأهمية الوقت وأهميتك، نظرت في المرآة وجففت دموعها وهي في طريقها إلى الحمام، اتهمها بسرقة نقوده وهويته وأوراقه الهامة وتهريب هلا، وعدها بالموت إن تأكد من ذلك، في الخارج من يستطيع أن يلقنه درساً، أن يأخذ بثأرها، ستساعده حتى وإن كان من المخابرات، أغلقت باب الحمام، أفاقت من شرودها، فتحت الدوش، انزلقت الرغوة مشكلة حوضاً، خرجت مشعة نضرة، شعرها يقبل جيدها المرمري، بدا وجهها صافياً ونقياً كمياه عين الفيجة لحظة تدفقها من النبع، شعرت بوشائج تشد قلبها إليك، اقتربت منك وقالت: "لن يخطر ببالك من أيّ منبت الصلصال، وكيف جاء إلى هنا ومن معلمه وما أسرارهما؟ أنا كاتمة الأسرار، ستسمع مني ما هو مثير!"
«منذ الصغر زرعت أمه في رأسه قرنين، مقابل قروش يتقاضاها لسكوته، صار الأمر عادياً، بيته (كرخانة)، رجال يدخلون وآخرون يخرجون، كان أكثر أولاد القرية شراء، حتى البائع يعطيه الحلوى، إذا نقل لـه رسالة شفوية إلى أمه التي عاجلها المرض وتوفيت، وجد في امرأة أبيه ضالته حاول إغواءها، لم تمكنه من نفسها، جاء إلى دمشق صغيراً، اشتغل في الملهى أجيراً لقاء أكله ونومه ودخانه، كبر وهو يرى الفسق، عرّفته على معلمه الحالي الذي يعمل في التهريب والسمسرة ويروج للحشيش والأنواع الأخرى البيضاء، ولهذا جلسة أخرى».
نظر إليها مسروراً وقال: هاتي يا شهرزاد حكاية الحكايات، هيا ابدئي لقد حان الوقت لسماع حكايتك:
«كان يا ما كان أب ظالم زوج ابنته التي أمامك لرجل بعمره، عشت معه بضع سنين، لم يستطع أن يثبت رجولته، ينام وأنا أسهر، أتقلب، وعندما أتحرش به يصيح في وجهي، ألملم ذاتي، بعد قليل أعاود الكرة، وجسدي يتوجع ويحترق، الدم يفور، ترتفع درجة حرارته، أحس به حاراً في أوردتي وشراييني، أتخلص من بعض الملابس، أتخلص من كل ملابسي، أزحف ثانية إليه، يبتعد أكثر، أداعبه، يفيق ويشتمني، يصفني بأنني امرأة عطشى لا ترتوي، اسكب على جسدي الماء البارد، تخف حرارته الخارجية، لكنه من الداخل حرائق مشتعلة، أمضي يومي شجاراً، جسدي يناديه، لا مجيب، لا حياة لعجوز، يدير ظهره، الخلافات تتفاقم مع إصراري على الاقتراب منه، وإصراره على الابتعاد، يصل به الأمر إلى الهرب والنوم على الأرض، يطالبني بالخجل حتى بت أخجل منه ومن نفسي، فلم يعد يرى من جسدي شيئاً، صار محرماً عليه، بت أحسه صقيعاً، وحتى أتخلص من شخيره نمت في غرفة أخرى، طالبني بالنوم إلى جانبه، كلامي الجارح جعله يكف عن هذا الطلب، أخبرته أن المرأة تنام إلى جانب زوجها إذا أشعرها بوجوده وحرارته، أنفاسه الحارقة تجعلها تذوب وتركع له، وليس شخيره ورائحة عرقه وروائح كريهة تبدأ من الفم وتنتهي بالدبر، هل لاحظت الفرق يا زوجي اللدود الذي سيندم على الساعة التي قرر فيها أن يأخذ صبية أصغر من بناته؟ مهرة عصية على الترويض، سنرى نتيجة وضعنا في خانة واحدة، لم تمض أيام حتى نفذت تهديدي، أخذت نقوده بعد أن توصلت إلى مخبئها، بت أصرف وألبس وأنزل إلى المدينة، اكتشف ضياع غلة عمره، شكاني إلى أهلي، طلبت إليهم أن يطلقوني منه أو يلزموا الحياد، لم يلزموا الحياد، أعادوا ما معي من نقود إليه، تردد في داخلي سؤال بات يلح عليّ: ما الذي يربطني به؟! تردد هذا السؤال في حلقي ولم أجد إجابة عليه.
جسدي يكتوي بنيران الصيف، أستحم وماذا بعد؟ لا أجد إجابة، في رأسي مجموعة أفكار، أسجنها في صدري، لماذا تزوجتني يا كافر؟ لا يجيب، اضطررت إلى البحث عن نصفي الآخر، عن فتى يعيد توازني ويكمل أنوثتي، كان لابد أن أشرب ماء نقياً، من بئر لم تلوث مياهها، لا أطمح أكثر من ذلك، بعد أن تأكدت أن مياهه جفت، طالبته أن يضع فوطة على صدره، يجلي ويغسل ويكنس، ركضت اتجاه نبع متدفق غزير، يفور، كرعت منه ولم أرتو، ظمأ العمر لا ترويه دقائق يسمونها الحرام، بدأت أحسُّ بكياني بأنوثتي، وبدأت يدي تدغدغ ما تيبس من جسدي، بدأت أضع الأصباغ والمساحيق، فأبدو أجمل من الصورة وأرق من مياه النبع، لكن عمر اللذة المغتصبة قصير، كان لابد من الهمس والقال والقيل، تحرشوا بي مقابل صمتهم، سمعت و«طنشت» حتى جاء يوم ضُبط العصفوران في العش يتغازلان، الهرب أو الموت، هربت إلى العاصمة، لم يكن أمامي سوى جسدي لاقتات منه، آه يا إلهي، كم من القوافل مرت على المرعى الخصب؟ أطلب الغفران!
اثنان بحثا عني، عصفوري الذي طرت من بين يديه، لم يتمكن من العثور عليّ، والكهل الذي يريد أن يردني إلى عصمته، عندما وجدني في الملهى بعد سنوات، قبض عليه قاسم واثنان، لم يكن أمامه من حل سوى طلاقي ودفع كل ما في جيوبه، ليظفر بحريته، تركوا لـه أجرة السيارة التي ستنقله شمالاً، وبعيداً عن هنا.
أنا الآن حرة، لا أعرف ما الذي شدني إليك، أعدك أن أنظف ماء النبع من كل ما علق به، أن تعود مياهه رقراقة، مياه لا يشرب منها سواك، أريد وعداً منك أن تفكر بي، أحلم بزوج ككل نساء الأرض، أحلم أن أنجب طفلاً أو طفلين كأي امرأة، أريد أن أكون أماً ولو لطفل واحد، أكثير عليّ؟! ثم طلقني، في داخلي تشرق عشرات الشموس، أتوق للانعتاق، أن أمشي في الشارع دون حرج، أتوق أن أعيش كالأخريات، عندما تقرر تعال، سأستحم كل يوم لأتخلص من الماضي، هذا رقم هاتفي، إياك أن تذهب ولا تعد، ثمة بذرة جافة أنت من سكب عليها قطرة، لا تدعها تجف ثانية، يمكنك أن تزورني في أي وقت دون إحراج، لن أناشدك بالحب، فهو محرم علينا، أسألك نفسك، فكر عندما تضع رأسك على الوسادة، وإن شعرت بحاجتك إليّ اهتف أو أحضر تجدني بانتظارك».
-2-


تبدأ نمرتي، لم أعد أبالي إذا ظهر جزء من جسدي أو تعريت أمام الآخرين، سبع سنوات وأنا أمد جسدي الرشيق جسراً لمحبيّ، أهبه لمن شئت، أحيي السهرة في الملهى، ازداد رواده وبت معروفة في المدينة، في الساعات الأولى من الليل يغص برواده وتغلق الأبواب، أشعر بالألفة مع جمهوري، أزلت ما بين الذكر والأنثى من حدود، أحدثهم، أمازحهم، أتلقى كلماتهم الموجعة، أردّها إليهم وأنا في غاية المرح، يتبادل السهارى النكات والمزاح، يصفقون لدى ظهوري بحماسة، ويوماً بعد يوم صرت أختار مع من أظهر، ومن أصاحب وإلى أي طاولة أجلس، لا تهمني النقود بقدر ما تهمني الوجاهة والشخص، امتلكت ثروة ولم أغادر، أرقص وأغني، أحب أن أرى الآخرين يضحكون، أعرف أن الآتين لهم مشاكل مع نسائهم ومع مجتمعهم، من لا يستطيع التكيّف يحتاج إلى رعايتي، أخاطبهم بأسمائهم وألقابهم، وأساهم في حل مشكلاتهم ببعض الحنان، كنت ساحرة شافية لأوجاعهم، كلمة مني تعيد التوازن لزبائني، اعتقدت أن فني قادر على إصلاح الناس، اكتشفت أنهم لا يأتون ليتطهروا من ذنوبهم، بل ليغوصوا في الوحل أكثر فأكثر.
أدركت فجأة وبعد كل هذه السنوات، أن رسالتي هذه لا قيمة لها، وأن ما يقال عن الفن الثامن لا وجود له، لم أخلق عاهرة، كنت أخجل من خيالي، فقدت طهارتي على يدي ما سمي زوجي، أتذكر ذلك وأنا في أوج نشوتي، أندم وأحزن على واقعي، أسيطر على انفعالاتي وأتناسى، أعيش حاضري ما بين صخب الكؤوس والأيدي الملوثة، سألت نفسي عن فائدة تذكر الماضي والطفولة؟ أيمكن لمن خاضت في المستنقع حتى أذنيها أن تهتدي؟ هل ثمة شقاء أكبر من الركض وراء الماضي؟
قذفت دموعي بعد أن نزفت ماءً وطيناً، تخلصت من آلامي، ثمة غابات وحقول أمام ناظريّ، الحياة هي الأجمل! وأجمل ما فيها المتعة والرقص! اقتنعت بذلك، جسدي يتلوى وأحياناً يتعرى، فيبدو وجهي ضاحكاً وصدري دافئاً، اندمج مع الموسيقا وتصفيق الجمهور، أنسى نفسي، ألف وأدور دورات سريعة، أرفع ثيابي الهفهافة كطائرة ورقية مخلفة مروجاً من الخضرة والجمال، أتفنن في إظهار مفاتني، أستر من جديد ما اشتهته الأعين وأنا أقهقه، فترن ضحكتي الهستيرية وكلماتي النابية لتدفع المشاهدين إلى الجنون، أتلقى تصفيق الحاضرين لدى رؤيتهم بعض المواضع من جسدي البض، هذه اللحظات تدفع الموجودين إلى التخلي عن مراكز قوتهم، إلى الخشوع والركوع أمامي، يدسون النقود في يدي أو في صدري أو يعلقونها وساماً على خصري، ما بين شد وتصفيق وغناء أتمايل غير آبهة بما يظهر من محرمات جسدي، ففي حركات مقصودة، وعندما تأخذ الخمرة طريقها إلى الرأس ويبدأ الطرب والتخلي عن آخر ذرة من العقل، أبادر إلى تهوية جسدي الحار، أرفع بأطراف أناملي تنورتي إلى الأعلى، فترتفع كالخيمة، ثم تعود فاردة دائرتها، وفي مرات قليلة، قد لا تعد على الأصابع أقف وأتعرى من بعض ملابسي، يملأ الصراخ الملهى، يقفون مبهورين يتراكضون نحوي، أعود وأرتدي ما رميته في محاولة لستر وحشتي، أهيم وأسبح فاقدة رشدي كطائرة ورقية يتلاعب بها الريح، يتزاحم الجمهور أمام المنصة يهتفون باسمي، أهتز في حركة تستهوي السكارى الذين لا يخرجون إلا ودفعوا كل ما في جيوبهم، وهم يترنحون، حتى إن بعضهم يفقد في ليلة واحدة ما يحصله في سنوات، كل منهم بحاجة إلى عامل يقوده إلى بيته، يخرج العاملون إلى الشارع لإيقاف المزيد من سيارات الأجرة لإيصال الزبائن الذين فقدوا قدرتهم على الوصول إلى بيوتهم دون دليل، أتأخر في الخروج، ثمة من يحجزني ويرحب باستضافتي حتى الصباح، لأحيي في بيته حفلة خاصة، الأجر الذي أتقاضاه ليس ثابتاً، في الغالب أحصل حسب براعتي وفني، وفي مرات كثيرة يبدو الكرم على الجمهور، فتتكوم رزم الأوراق النقدية التي أتقاسمها مع صاحب الملهى الذي يمتدحني ويقبلني عرفاناً باجتهادي وفني الرائع الذي جلب لـه مزيداً من الدخل، يزيد في إكرامي ويتولى إيصالي أو أخذي إلى شقته، فتكون هذه ليلة غير عادية، أبذل كل جهدي ودماثتي ليكون مسروراً ومنشرحاً، أحقق مطالبه وأنا أناديه بأرق الكلمات وأعذبها، لكن عزوفه عني وميله إلى الصبايا اللواتي يتدربن حديثاً، أعاد إليّ شيئاً من الغيرة والعقل، بدأت أفكر في مستقبلي وأتأمل حياتي، تسرب الملل إلى روحي، بدأت أرفض بعض العروض، أختار الرجل الذي أرتاح معه، وعندما لا يستهويني أحد أرجع وحيدة إلى بيتي، أبحث مع المقربين مني عن فضائح للصبايا، أدفع لمن يضايقهن ويجعلهن يرفضن توقيع أي عقد، فيهربن ولا يعدن ثانية.
هل أستطيع أن أمضي حياتي على هذه الشاكلة؟ سؤال هزني من الأعماق، لم أقدر على ترديده ثانية، صار جزءاً من تصرفاتي، استقر في فؤادي ولم يخرج، أتمرد على الروتين، صرت لا أطيق البقاء مع الزبائن، أحسُّ أنَّ شيئاً ما يدفعني للخروج، أستأجر سيارة إلى بيتي لأمضي جزءاً كبيراً من نهاري وبقية ليلي وحيدة، بعد أن تخلى كل من وعدني بالارتباط عن وعده، وآخرهم صاحب الملهى، صرت أراه خنزيراً، فاقد الأخلاق، لا يسمح لأحد بالتمرد على سلطته أو التدخل بشؤونه، ماذا يفعل وليس في المدينة فنانة بموهبتي؟ لياليه معي أقمار وعسل وحب، رأى أن من حقي أن يكون لي شقة مؤثثة، كاد أن يتورط معي بعقد عرفي، إلا أنه في اللحظات الأخيرة اخترع بعض المبررات وأجل ذلك، صرت أكره الذهاب إلى المرقص، أتأخر عن نمرتي، هل أنا مبتذلة ليرفضني وثروته وأمجاده بناها على أنقاض جسدي؟
الحب، الإخلاص، الكرامة، الروح تعبيرات تفقد بريقها في الملهى، ألفاظ تحفر في النفس مجرى، صرت أرددها بيني وبين ذاتي، وجدتها رائعة الدلالة، دفعتني للابتعاد عن البيوت المشبوهة، اعتكفت في بيتي بعد انتهاء نمرتي، كبرت أحلامي واصطدمت مع واقعي، أيقنت أن كرامتي ذات علاقة بجسدي، وبما أن الجسد فانٍ، فإن كرامتي تنتهي إذا فقد جسدي بريقه، أما الأخلاق فهي اصطلاح زائد لا حاجة لها، وهكذا الحب والروح اللذان يذويان، يكبلهما الجسد والواقع المعيش، الأيام تبعثر أحلامي، تجبرني على فعل لا أريده، أتشبث بما بقي من قوتي، أعاند، أفكر بالثورة، يكفي ما ارتادني من رجال، قطفوا زهرة شبابي وخربوا ثماري، آلاف الأسئلة تدهمني، هل أستمر وأرتمي تحت أقدام من يدفع؟ أتذكر مواقف كلها قرف وتفاهة، البذرة التي سقيتها حباً وكبرياءً بدأت تعمل عملها، تدفعني إلى التمرد، إلى الإمساك بزمام جسدي، أرفض من لا أريده، أكره الذين فشلوا مع حبيباتهم ومع زوجاتهم، لماذا لا أجد إلا الفاشلين، حتى ولو كانوا أصحاب جولة وصولة؟ البذرة تعكر مزاجي، كل يوم تنمو وتضرب جذورها في صدري، أرى أوراقها وأزهارها.
صرت في عداء مع الفن الثامن، لم أعد أجيد دوري، بدؤوا ينعتونني بألفاظ بذيئة، يدّعون أنني فقدت رشاقتي وخفة دمي، بدأت أبتعد عن أجواء الرقص، فكرت في تغيير مكان إقامتي، لم أحسم أمري، مترددة، أأبقى في العاصمة التي مزقت وهتكت جسدي وعرضي؟ أم أعود إلى قريتي وأتحمل إثم ما فعلت؟ أم أختار مكاناً ثالثاً؟ القرار ينضج على نار هادئة، منذ حللت ضيفاً على الملهى، صوبت اتجاهي نظراتك، تجاهلتني وأنا أرفع يدي لتأتي إلى جانبي، أكبرت فيك عفة نفسك، ذهبتُ إلى الصلصال لأرى أي رجل أنت، كنت أعلم أنك عنده، أردت قراءتك ومعرفتك عن قرب، لم أعهد رواداً مثلك، سيطرت عليّ، أشفق عليك، مدرس مثلك عليه أن لا يتردد على أماكن اللهو، أشك في نواياك، ومع ذلك أشكر رجولتك وشهامتك اللتين غيرا رأسي، في حياتي لم يصادفني واحد بصفاتك وعزة نفسك، عندما تمنعت ولم تغرك أنوثتي، سددت إلى صدري السهام، أدركت أنك الرجل الذي انتظره من سنين، أدركت أن وراءك قصة، وأنك لن تكون صديقاً للصلصال، وأنك قطرة الندى التي حملها الصباح إلى شفتيّ، دخلت قلبي وبت أحلم، نسيت أنني راقصة في ملهى ليلي، بدأت الطبول في صدري تدق، أضع رأسي على الوسادة، أسمع صوتك وأراك، أنت منقذي، لن أخاف من النور ولا من الناس، سأفتح صدري للنسيم، وأدع قلبي يدق كما شاء، تخلصت من الوحدة فأنت معي دائماً، وتخلصت من قدري مع الخائبين، تخضبت بالعطور، بدوت سامقة، واحة تزينت بالأحمر والأخضر وبكل ألوان الطيف، أغني لأيامي، لم لا وبيدي مجموعة خيوط، أهناك من تكره أن تتخلص من مستنقع تغوص فيه؟ لا شيء أخاف عليه، الله سيقف معي ولن يخذلني، لقد هيأك لي، أنا أحب خالقي الغفور الرحيم، هو يغفر ما أجبرني الزمان على فعله! الوحيد القادر على إلهامي الصبر وتخليصي من ورطتي، وعودة نفسي وروحي إلى جسدي، رفعت يديّ ونهديّ وأنا شبه عارية دعوت: "ياألله ساعدني فأنا أحبك واحتمي بك!"
غابت عن الملهى، تجاهلوا غيابها، لكن عندما طال جاؤوا إلى بيتها.
-21-


مع الغروب الواسن دخلتَ شقتها، وجدتها بانتظارك، ترتدي ثوباً يشفّ عن قد ممشوق عامر بالأنوثة إلى حد الإغراء، على عادتها بدت مرحة، رحبت وقادتك إلى الصالون، ثم دخلتْ غرفتها ووضعت شيئاً من «المكياج» على وجهها، طالعتك بجسدها المعطر وروحها الشفافة، وأنفاسها التي تعبق طيباً، تتمايل في مشيتها خفة، تذبّل عينيها، وتلقي بابتسامتها النضرة على محياك. تنهض التضاريس، تلامس الرغبات، يشتعل الجسد ويهب شخصك شيئاً من الخجل، تحلم باخضرار البراعم، كل ما فيها يهدم ما في داخلك من كبرياء، سألتك: ماذا تشرب؟
- كأساً من الكولا من يديك الجميلتين.
- لا يا عزيزي لقد كبرت ولم تعد تناسبك الكولا!
صبت كأساً من البيرة وآخر من العرق، وقالت:
- في صحتك يا حامد، السهرة للصباح!
- أنتِ في شقتك الفخمة!
- عيب عليك! الشقة وصاحبتها رهن بنانك، كم دعوتك لتكون شريكي، أنت من ترفض، ومع ذلك سأكون كريمة وأقدم سريري لك!
- سريرك!
- نعم سريري الذي لم يعد إلا لرجل واحد.
- من هو؟
- مسكين ألا تعرفه؟
- ومن أين لي بمعرفة أحب الناس إليك!
- احزر؟
- أنا ضعيف في الأحاجي!
- وأنا ضعيفة دونك!
صرتَ تأتي إلى بيتها دون موعد، لا تدعك تخرج، أحسست بخفة دمها ورقة روحها، لدرجة أغرتك بالمجيء مرة بعد مرة، تحدثك عن حياتها، عن ماضيها، بانتظار لحظة الخلاص المتأكدة من مجيئها.
الإغراء باد في كل حركة، خفيفة الظل، عذبة ورقيقة ودمثة، ترتدي ثوب سهرة مفتوحاً من أعلى الصدر حتى النهدين، يتدلى شعرها الذي لونته بألوان عدة لتضفي جمالاً على استرساله، تكتشف ما في جسدها من مغريات، تحسُّ بآهاتها العذبة الخارجة من كل خلية.
لستُ الأول ولن أكون الأخير، دائماً تكحل عينيها بجديد، لا تحتفظ بالصور القديمة، كل يوم تفتح (ألبوماً)، تتلف الماضي، أهي كذلك معي؟
سحابات شفافة تتراكض في سماء الغرفة، تلقي بلفافتها، تتجمع أنوثتها في قوامها الممشوق وفي اكتناز ساقيها ووركيها، وفي الكناريين المغردين في صدرها، وفي ابتسامتها التي تفوح بالعبير، اقتربتْ من المسجلة وأدارتها على شريط راقص، وبدأت تتلوى في حضرتك، انتبهتْ إلى شريط الهاتف، سحبته، لا ترغب في سماع رنينه هذه الليلة، الرنين للكؤوس والأجساد، الموسيقا تغري بالمرح والرقص، النور الخفيف يهب جسدها هالة ونوراً، تسبح في جداول النشوة، تعرق، تجفف المياه المتدفقة، نسيتَ ذاتك وأنت في حضرة جنونها، حتى الأقمار تعرت من عتمتها، وحلت في غرفتها ترقص وتنشر ضوءها، تقترب، تسري النيران في جسدك، شذا عطرها يتوزع في أوردتك، ملأت ابتسامتها الغرفة، بدت مرحة ومغردة، أدارت المروحة، النسيم يحمل عطرها وينشره، أمامك امرأة رائعة القوام، مضمخة بالقرنفل، في رقصاتها خفة ومجون، وفي أغانيها رنة الأسى واشتعال لمواقد الحطب، تتغزل بك، تشدك إلى الرقص، أتقاوم الإغراء؟ أم تدفن وجهك في صدرها وتبكي؟ أم تدع الورود تتفتح؟ دوحة أتدخلها أم تهرب، كما فعلت حتى الآن؟
شراب طرية خلقت للرقص، حتى عندما تناولك الكوب تترنح وينثني جسدها، يهتز نهداها في صدرها العامر، يندفعان ويتزاحمان للانطلاق، صهوتان من العز، بدأت تهز خصرها وهي بقميص النوم، وشيئاً فشيئاً بدأت تتعرى، وعندما أكملت، أحسست بآخر ذرات الفوسفور تغادر رأسك، أحسست بقوة حضورها، وأن هذه الليلة تشبه كل النهارات الرائعة، أخذت تتعمد التبختر، تنقل قدميها بحركة رشيقة، تترنح وتتمايل، افترستك بفنها، بغوايتها، بنظراتها، مددت يدك تلامس تخوم جسدها، انسابت من بين يديك، تسللت إلى الأنفاق والوهاد والقمم، شعرت بعمق أنوثتها وشعرت برجولتك.
كل ما فيك يتغيّر، تلحن أنغام ليلتك على وقع خطواتها ورنين صوتها، رسمتها في عينيك ينبوعاً، تعبتْ وارتمت على السجادة، الندى يمنح شعرها شلالاً، يتبخر فيعطي هالة من نور هي مجموعة ألوان الطيف، أأنت على أبواب متاهة أم أن الحياة فتحت أبوابها؟ هي من ذللت الصعاب تستحق عبارات المديح والغزل، ناولتك تفاحة بعد أن قسمتها إلى نصفين، وقالت: تفضل يا حامد.
جلست إلى جانبك وناولتك كأساً، نظرت إلى عينيك ورسمت على الأفق برجك، النجوم تتراقص في السماء مغتبطة، ونجمها لا يبارحك، تشق طريقها إلى أوردتك، نظرت إلى الأفق، السماء توغل في الارتفاع، تقترب أكثر من النافذة وتسدل الستارة، الخريف يكور أمتعته ويحمل غماماته ويهاجر، لا يترك ورقة على جسدها، تبرعم شجرتها وتزهر في حين بدأت الثمار بالتشكل.
أنت أمام امرأة مكتملة الأنوثة، تفيض نضارة وسحراً، تغريك المرة تلو الأخرى بالخمر، بدت في عنفوان نشوتها قمراً يسبح في بحر اللذة، ترقص، تغني، تدخل باباً من أبواب الليل، يتحول الكون إلى أقمار من فضة وراقصات ومغنيات وربيع لم تألفه، تطعمك شيئاً من الحنطة، تتذوق طعم أرغفتها، استفاقت الرغائب، لا غرابة إن تمايلت السنبلة قبل الحصاد، شعرتما أن الغلس قد ولى، وأن الضياء يغمر المدينة، حالة الوجد أنستكما الزمن.
أحسست فجأة أنك تبتعد عن مهمتك التي تطوعت لأجلها، بلعت ريقك وطردت الهواجس مع ارتواء الجسد من الخمر، استطاعت أن تذيب الجليد، أن تدفن ترددك، أن تطرد أحزانك، نسيتَ رأيك بالمرأة الراقصة التي تؤم الملاهي وبئرها الملوثة، من بداية السهرة وأنت طفلها المدلل، سارت معك خطوة خطوة، خلصتك من أنانيتك ومن عنادك، تدرك مدى نجاحها، هي تعرف أنك غير قادر على المواجهة، منذ اللقاء الأول في بيت الصلصال هربتَ وتركتها تعاني الوحدة، لم تقتنع بوجهة نظرك، وهي لم تقنعك بمسيرتها، اليوم حاولت مقاومة الإغراء، تراقبك كيف تدقق النظر في تفاصيل أنوثتها، منذ دخولك راهنت على قدرتها، تحدثتما طويلاً، قرأتَ الجانب الإنساني فيها، تتوغل إلى أحشائك كلما توغل الليل في الخارج، جئت إليها فرسمت في قلبها إشارة النصر، لقد أصبحت إنسانة أخرى، هل تسجل الانتصار لصالح الروح، أو لانتصاراتك على ذاتك؟ أردت أن تشرب مياهاً نظيفة معقمة، صحيح أنك انتشيت، لكنك لم تتخل عن أفكارك، بل إنك الآن أكثر تمسكاً بها، قرأتْ ذلك في عينيك، وفي حديثك ومداعباتك، في الرسائل التي تبثها روحك، شعرت أنها تتهجاك، تفك بعض الطلاسم.
أحسستَ أنك تبحر وأن المرفأ الذي تسعى إليه قريب، المرايا مبثوثة في البيت أنى اتجهت، مرايا الحمام وزجاج الأبواب التي تنقل حركاتها الرشيقة، تحدق بالراقصة وهي تتزين وتتنقل بحركات راقصة، تغيّر ملابسها لتدفعك إلى الاشتعال، وصلتما إلى الشاطئ الرملي، بريق الأمواج يتوحد ببريق جسدها، مع الإبحار ارتفعت وتيرة الغناء والمدّ، آلهة الغناء ترصدكما وأفروديت ترافقكما، بعد أن مسحت عن عينيكما الغبش وآخر الدموع بانتظار الجديد.
سطعت الأحلام في دائرة الضوء، ارتفعت الموسيقا مع وشوشاتكما، انتابتك مشاعر ظمأ للحياة، للدروب، للبساتين، للأصدقاء، لدمشق وقاسيونها، لفرات التي حتمت عليك خوض التجربة، لهلا التي ستتخلص من أحزانها، لتظل متماسكة في وجه العاصفة، هل ستغادرك حالة الوجد بعد انطلاقك إلى الشوارع؟ هل ستندم على ليلتك وتطويها كما طويت من ليال؟ أهي لعبة أم سير في دروب العشق؟ بدا كل شيء أمامك رائعاً، وأنتما تتناولان وجبة الإفطار وتتلذذان بطعم اللقاء، كل منكما يعتقد أن هذه الليلة لن تعاد، وأن لكل واحد طريقه، تتناول نصف التفاحة اللذيذة، تبدأ بقضمها وأنت في عز نشوتك، تاركاً لها النصف الآخر.
فتحت الباب وأدرت وجهك غرباً حيث الشمس تميل للمبيت، ودعتها وجففتَ دموعها، سرت قاصداً الشوارع البعيدة عن وسط المدينة، علك تختلي وأنت على رصيف خال من البشر مع ذاتك.
-22-







رد مع اقتباس
قديم 05-04-2016, 11:06 AM   رقم المشاركة : 11
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


غرباء منتصف الطريق



صورتان تأتيانك وتشدانك، كل واحدة تحدثك بما في الأخرى ونظرتها إلى الحياة، تملي عليك الآراء، تقبلها أو ترفضها، تعيش على هامش حكايتيهما، يوم دخلت لأول مرة حانة الرقص، حدقت بك شراب وابتسمت، تحاشيت النظر إلى عينيها، كانت نظراتها ثاقبة، عرتك، نظرتها تفضحك، تقول لك، إنك لست من رواد الملاهي، لم تنس على الرغم من مرور زمن على تلك النظرة الفاحصة، ذكرتك بها قبل أيام، أما قاسم فقد أحبك ووجد في صداقتك تعويضاً لم يحلم به، لا يذكر أنه صادق شخصاً صداقة خالصة، فكر باستمرار العلاقة، أن يهبك ما عنده عن المرأة لتكوّنا نظرة واحدة تجاهها، يحدثك عن خيانتها، ويؤكد أن أي امرأة هي خائنة، حتى لو كانت أقرب الناس إليك، وعندما رأى أنك غير مقتنع، عرض أن يعرفك على عشرين واحدة لتحكم عليهن، أجبته:
- بالتأكيد إن العشرين نوعية واحدة يا صديقي!
- بالنقود أجلب أحلى امرأة إلى غرفتي هذه ...
- أراك حكيماً هذه الليلة على غير عادتك؟!
- بل حزين والكلمات تخرج دون إرادتي.
دلت كلماته على أنه عصبي لدرجة لا تطاق، عصبي أكثر مما توقعت، لأول مرة تراه يفكر في أمر، إنها شراب التي حيرته، أعطته درساً في الأخلاق، البئر الملوثة التي يشرب منها عابر السبيل، مجنونة بعد سنوات العشرة والعمل المشترك تردّ يده عنها، هذا كثير! واحدة مثلها إذا فكرت تصير خطراً، تعرف كل شيء عنه وعن معلمه، يجب أن تسلم بالأمر الواقع، نظرتَ إليه وعلقت محاولاً التخفيف من ضيقه:
- لست طبيعياً هذا المساء!
- صدقت أنا كئيب وصدري منقبض، لن أستطيع الاستمرار، سأنسحب، الليلة فكري مشغول ومشوش، غداً سهرتك على حسابي، سأحدثك بأمور تهمك، سأعري حياة شراب التي تتطاول على ماضيها، ستركع وتقبل حذائي وتطلب الغفران، إن تصرفاتها لا تنسجم مع عملها، إياك أن تنخدع، يتسلق جسدها الذي يدفع أكثر، ناسية ما قالته للأول قبل ساعات، يمامة تحاول الطيران دون إرادتي، خيطها بيدي، عليّ ترويضها، وإلا فلا حياة لها، نظرت إليه وقلت:
- شراب غدرت بها الأيام، دعها أيها الصلصال تقرر مصيرها وتبني حياتها!
- لا حياة لها إلا تحت قدميَّ.
عند باب الحانة استأجر كل منهما سيارة، الصلصال باتجاه معلمه أما أنت فإلى بيت شراب، أخذتك بالأحضان مرحبة، كان حضورك متوقعاً، شعرت أنه حضور مليء بالفرح والبهجة، عيناك تراقبها، تتابع حركاتها، تحسُّ بشيء في داخلك يدفعك لاحتضانها، أن تمنحها شيئاً من رجولتك، أن تحسَّ بأنها باتت قوية بك، أن تحس بأنوثتها وشفافيتها، تتنسم فوح جسدها الذي تتلامح بروقه كالنجوم، الخمرة والليل نهشا عنادك وقسوتك، موقفك من الراقصات، تراخيت وأسندت رأسك إلى صدرها، لعبت أناملها بشعرك، باتت مهيئة بالبوح بعد أن وصفت لها حالة الصلصال وتهديداته، بحت لها ببعض ظنونك:
«الصلصال يا شراب حاقد، مصمم على الانتقام، بدا جسده هابطاً، وتصريحاته مخيفة، عيناه محمرتان ويداه باردتان، لديه شعور أنه أهين، يتهددك، خذي حذرك».
كلما لامست سراً شجعتها، لن يمضي وقت طويل حتى تفضي بما عندها، السرُّ الذي تقصدتْ إفشاءه ولاحظتْ ردة فعلك، عملية التهريب الذي سيقوم بها هذه الليلة، تشتعل شوقاً، يتراقص نهداها كلاعب قلب هجوم يستعد للاستفراد بالكرة، قالت: "اسمع يا حامد لا تبحث عن سواي، سترى نهايته هذه الليلة حتى لا يتطاول على سيدته! كل ما تريده عندي، ادفعني إلى الأمام ولا تدعني أغوص أكثر ولا تتخلَّ عني، هات يدك وانتشلني."
أسمعتها ما تاقت لسماعه... بدأت تفكر، لم يعد جسدها هاجسها، قلبها يدق، يقرع طبولـه للمرة الأولى في حياتها، أيمكنها أن تحب؟ الحب هو الإخلاص، أقادرة عليه؟ أقادرة أن تدفن الماضي دفعة واحدة وتنطلق؟ عدة عوامل تتفاعل في داخلها وهي ترى نفسها كالضائعة، منذ أيام لم تجلس إلى جانب أحد، ولم تلبِّ رغبة أي زبون، تتملص من الطلبات، استدعاها المعلم وسألها عن حالتها، أخبرته أنها كرهت الدور الذي تلعبه، كرهت الذين يشترونها، وأنها لن تكون حرة ما دامت تعمل في الملهى وتعرض جسدها للجميع، تساءلت إن كان ما تفكر به ردة فعل أم صحوة ضمير وعواطف؟ تتوق عواطفها ونزعتها إلى التحرر، إلى الحياة، أن تخرج إلى الشارع، عليها أن تجرب، أمحرم عليها المشي في الشوارع أو الجلوس في الحديقة؟!
لم تتصور أن يوماً سيأتي وتراجع ذاتها، حياتها بكل ما فيها، حنينها إلى بلدتها وطفولتها، وإلى إخوتها ووالديها، تقبل أيديهم إذا سامحوها، تذرف الدموع، الحزن يستوطنها، تخبرهم بأنها تابت، الله يقبل التوبة، هم لا يقبلونها! أمحرم على الإنسان أن يغسل ملابسه إذا اتسخت؟ أن يغسل قلبه إذا بدأ يضخ الدم الأسود، هل سيتدافعون إلى حضنها؟ أهل البلدة هل يسامحونها؟ إذا ظلوا مصرين على رأيهم بماذا تدافع؟ أيقبلون أن تبني لهم مستوصفاً؟ كل ذلك فكرت به، لكن الأهم أن تعزم أمورها، أخبرت صاحب الملهى باعتزالها الرقص، لم يعلق، صدمته كلماتها، جمد مكانه، يحدق إلى وجهها الخالي من المساحيق، وإلى ملابسها التي غطت مفاتن أنوثتها، يمازحها، تصده، تأكد من جدية قولها، فاقترح أن تأخذ إجازة لمدة أسبوع أو أسبوعين، ثم تقرر، أجابته إنها ليست بحاجة إلى أية إجازة، هي منذ اللحظة إنسانة أخرى، والملهى ليس بحاجة إلى واحدة لا تسمح لزبائنها بلمسها، خرجت من مكتبه، فتحت ذراعيها للهواء، للشوارع، سارت على الرصيف، لا أحد يناديها أو يضايقها، أحسَّت أن حياتها بدأت من جديد، اتجهت إلى الحديقة حيث تنتظرها، فتشت عنك حتى وجدتك، اتجهت إليك، حيتك وجلست إلى جانبك، العصافير لا تكف عن الطيران والزقزقة، وجهها يفيض أنساً، اللون الأزرق ينساب إلى قلبيكما متوحداً بما تحملانه من مودة، قبل أن تتحدث وتلفظ اسمها طلبت أن تناديها باسمها الحقيقي، تغرد الابتسامة على شفتيها وهي تعلن عن ذلك بقولها:
- أنا بسمة بنت أبي عابد! لي أخوة وأهل، هل تشجعني على زيارتهم؟ هل تذهب معي؟ إن وجودك إلى جانبي يمنعهم من قتلي، لقد اشتقت إليهم، سبع سنوات ولم أر وجه أي منهم، سأبيع كل شيء، وبالمبلغ الذي اجمعه أبني بيتاً ومستوصفاً.
- أراك سعيدة يا بسمة!
- تذكرت كيف مرّ عليّ هذا اليوم دون منغصات، إنه جميل في كل شيء، ما يخيفني أن المعلم قد يمنعني من تحقيق حلمي، أنا متورطة معه في التهريب وفي غيره، أريدك أن تساعدني، هذه الليلة لديه أكبر عملية تهريب يقوم بها منذ عام، سيقودها الصلصال، سأكون معهم في العاشرة ليلاً، هذا مفتاح بيتي، ابق فيه وعندما اتصل، ما عليك إلا إبلاغ الشرطة بالمكان.
تساءلتَ، هل تترك الفرصة وقد أتتك على طبق من الألماس؟ ستتحرك وستعد لكل شيء عدته، ستراقب ما يحدث وستأتيك الأخبار من الضابط المسؤول عن قسم الشرطة القريب من مكان وجودك، لن تنام هذه الليلة قبل أن تعرف كل التفاصيل، أما السيدة بسمة فقد أعدت عدتها، ورتبت أمورها لتعود إلى بلدتها، «فوجئ أهلها، صدمتهم رؤيتها، أمها ركضت واحتضنتها، والدها طردها من البيت، ذهبت إلى بيت المختار، لم يطمئن أخوتها لوجودها على مقربة منهم، الأقاويل نخرت طبلة أذنهم، أكبرهم ذهب إليها، قرع الباب، رحبت به، ببرودة أعصاب طعنها، فجاءه الشرف يتلوى زاحفاً فوق الدماء النازفة، قالت: لا تقتلني لقد تبت!
تدفقت الدماء، نقلت إلى المشفى، وهناك صرحت للمحقق بأنها انتحرت».
أفقت من النوم مرعوباً، أخبرك الضابط بكل ما حدث، حيرتك بسمة التي غادرت المدينة إلى جهة مجهولة، يقال إنها لم تعد لقريتها، بقيتَ مشوش الفكر، تحسب ألف حساب لمصيرها حتى تلقيت رسالة، لم تبح بما جاء فيها بل طويتها ووضعتها في مكان لا تصله اليد، ستحتفظ بما عرفته عنها، هي بعيدة، قررتَ أن لا ترد الآن على رسائلها، ثمة مخاوف أن تراقب أو تقع بيد آخرين.

-23-


سحبتِ نفساً من سيجارتك، وطرحت على ذاتك أسئلة، ماذا فعلت الأيام بك؟ الناس تآمروا، الهواء الذي تستنشقينه بات ملوثاً، ما العمل؟ تنتظرين أفول الشمس ليعم الظلام، ويصير ما في صدرك والخارج واحداً؛ ما دمت غير قادرة على المشي مرفوعة الرأس، وما دمت تخافين من الضبع.
صور من ضباب، من كوابيس تميت أشواقك، صمت حار وثرثرة تجري في خيالك كصحراء تعانقت رمالها، وحكمت على عابرها بالعطش، وجهك يحيلك إلى زمن الهزيمة، تأملته لدقائق، توقعت أن يحكي عن ذوائه وهروبه واصفراره، أن يحدثك عن الخوف، تضعين بينك وبين الآخرين مسافة.
بعض النساء يرغبن أن يلعبن لعبة القط والفأرة شريطة ضمان سلامتهن، وأن يبقين بعيدات عن المصيدة، أن يربكن الطرف الآخر ثم يهربن، يغفر الشهم للمرأة الكثير، مشكلتك أنك لم تتعاملي مع إنسان يقدر المرأة ودلالها، كبرياءها وعاطفتها النبيلة، بل مع وحش ينتظر الفرصة المناسبة ليضرب ضربته، ويرش مخدره في وجه من يرغب في اصطيادها، البداية جرّت إلى مواقف خاطئة، الذي يحزنك أن الجدران لا تغيّر ألوانها، ولا تبدو بأكثر من وجه، هي ذاتها اللون نفسه، إن ما يحزّ بنفسك أنه يتمتع بحريته، وقد كل يوم فتاة، استنجدتِ بفرات وحامد، مع أنك كنت قادرة على خنقه أو طعنه، تعرفين مكان القلب، طعنة واحدة ويدخل النصل إلى نهايته، ليصل إلى فؤاده المتعفن، ما فائدة ذلك وأنت لم تفعلي؟ لم تكوني قادرة على حمل السكين لأكثر من دقيقة، تهتز بيدك وتسقط، حدثتِ نفسك أأنت قاتلة حتى تفعلي ذلك؟ لم تعرفي معنى كلمة الانتقام، ولم تدركي لِمَ يستخدمها الناس؟ اليوم هي أعز كلمة، تنتقمين من ذاتك وتحجزينها بين أربعة جدران بحجة القراءة وتقديم الفحص، حتى عندما تقتربين من الشرفة تتصورينه ماراً تحتها، يترصدك وينتظر خروجك، لقد لدغك؛ والذي تلدغه الحية يخاف جرة الحبل، أنت تخافين فحيحه، رؤيته، ترينه كالضبع بملابسه برائحته النتنة، تعودين إلى غرفتك، تغلقين النوافذ، تلملمين أحزانكِ، مليون مرة سألت نفسك وماذا بعد؟
لم تتوقعي أنك ستشهدين انهيار منظومة الأخلاق، وأن الناس بدل أن يقدروا المثقفة يتآمرون، هؤلاء لا يرون أبعد من أنوف نسائهم، ماذا بعد الضياع؟ ضياع القيم؟ يقف الناس مسلوبي الإرادة، أنت كفتاة فهمت كل واحد وما يريده، تعاملينه حسب أفكاره، صنفت زملاءك إلى مجموعات، كنتِ دائماً محط الأنظار، بينما أسراب من الذباب تحوم علها تصطاد كلمة حلوة وابتسامة وموعداً.
لقد غيرت نظام حياتك، تَدرسين خمس عشرة ساعة تقضينها جالسة خلف الطاولة، تلتهمين كتبك الجامعية وغير الجامعية، في البداية بدا موقفك مستساغاً، شجعوك على الدراسة، تريدين أن تنجحي وتتفوقي، حجزت نفسك في الغرفة وصارت لك طقوس معروفة، زيارة فرات تصلك بالعالم، تجددين بوجودها حياتك، تنقل لك نشرة أخبار عن دمشق، تستمتعين، تسألين، فإذا بأسئلتك واستفساراتك غريبة كأسئلة السجناء، لم تخرجي سوى مرات برفقتها ولأسباب لم تستطيعي تجاوزها.
اليوم يبدو كل شيء غريباً، تبعثرين أوراقك، ماضيك ومستقبلك، تبعثرين حياتك، تعيدين ما تقرئينه مرات، لأول مرة تقرئين كل شيء قبل الفحص، تدققين في كل كلمة. أنت على يقين من النجاح، في كل زيارة تجلسين ساعتين أو أكثر مع فرات تسمعين منها كل شيء عن المدرسة، عن حامد، عن الناس الآخرين والغوطة والعاصمة، بعد تقديمك للامتحان قررت أن تستمري بطقوسك:
- أليست هذه حماقة يا هلا؟
- بل الحماقة أن أخرج وأجده أمامي في الشارع، عند المنعطف، في السوق، في أي مكان، ماذا أفعل وأنا الضعيفة أمام الوحوش؟ يستطيع فعل أي شيء دون رادع، لا شيء سوى الصراخ الذي لن يجدي، وقد يضعني في موقف صعب، أنا في غنى عنه.
- يمكنك أن تخرجي برفقتي.
- ماذا ستفعلين إن شدك وشدني إلى سيارته؟ نصير ضحايا، لا يا صديقتي الآلام تليق بي ولم يعد لي سواها!
عيناك تفيضان فرحاً، المعلمات يتحدثن عن جمالهما، ينظرن في بؤبؤهما فلا يرين سوى السعادة والسهول الخضر، أما اليوم فأنت لا تستطيعين أن تحدقي بهن، شفتاك المضمختان بالعطر وبلون الشفق مشققتان، لا يلفظان إلا الآهات، كل شيء فيك ذاو، جسدك الذي عشق الدروب والمساءات، لم يعد قادراً على الصمود في مهب الريح، الزوابع تتصاعد وتتصارع في رأسك، تدخل إلى الشرايين والأوردة الدقيقة، تغلفها بالغبار، تنغلق مجاري تفكيرك، فلا يبدو أمامك سوى الموت البطيء.
ومضات من الشوق واللهفة إلى صغيراتك التلميذات، اللواتي يأتين مزقزقات، وعيونهن تتفحص جمالك، يصافحنك، تأتيك التساؤلات عن الليالي التي هدرتها، عن الأشعة التي فقدتها، أهو جسدك الذي سقط أم روحك هوت من عليائها؟ أم أن المجتمع هو الذي سقط؟ بحثت عن بختك، عن برجك، لم تجدي شيئاً مما حصل، اقتنعت أن الأبراج كذبة أو لعبة لم تستوعب الزمن.
نحل جسدك وفقد نضارته ومقومات وجوده، تصطدمين بالجدران التي لم تتغير ألوانها، لا تعلمين أن هذا هو قدرك، وأن ما حصل لا راد له، فقدت شيئاً هاماً في تكوينك كأنثى، تحولت من امرأة تثير الغرائز وتلهبها إلى أنثى تثير الشفقة، تحرك شعور الغربة، تساءلت كيف تملئين فراغك، وكأنك تعيشين حياة طبيعية؟ اهتديت إلى الكتابة والرسم والموسيقا، القلم موجود والعود معلق في غرفتك يستنهض همتك، حملته، تعزفين عليه مرة بعد مرة، تقتلين أحزانك، تتعلمين من أخطائك فربما تستطيع أناملك أن تفعل ما لم تفعله في مواقف أخرى!
صرت رهينة طقسك، في بعض الليالي تصرخين، تهرع زوجة أخيك توقظك من نومك، تبسمل وتتعوذ من الشيطان وكأس الماء بيدها، تبدي استغرابها وتناولك إياه، ثم تربت على كتفيك، تطالبك أن تشربي، أن تحدثيها عن مناماتك وكوابيسك، تتخلصين من ذلك بادعائك النسيان، كل ما تذكرينه مناظر لضباع وحيوانات مفترسة لم تريها سابقاً، اقترحت عليك أن تخرجي من عزلتك، أن تعرضك على طبيب، أن تصحبك إلى الحديقة، إلى سوق الحميدية، إلى السينما أو المسرح، إلى قاسيون وتشرفي على دمشق، وقفت حائرة وعاجزة، لكن أمام إصرارك على الوحدة والخوف والأحلام، وعدم تناولك لما يكفي من الطعام، لم تعد تصر على أفكارها، تساءلتِ في لحظة ضعف إن كان من المفيد الاعتراف بآلامك؟ استغربت كيف تسلل هذا الهاجس وتداولته مع ذاتك، لن تسمحي لأي تعبير يمكن أن يفضح سوداوية وضعك، ما بالك تفكرين بالاعتراف؟ الأسباب التي تطرحينها معقولة ومرفوضة، تضعين آلامك في عنق غيرك وتقعدين، لم تضعي في حسبانك أن آلاماً جديدة ستنشأ، وأن آلامك تخصك ولا علاقة للآخرين بها، تتحملينها دون ضجر أو تأفف، أنت في الميدان وحيدة وعليك تحمل ذلك، أن تبقي في فوضى موجعة، أفضل من أن يدمرك ضوء النهار الذي احتكره الصلصال، عدت إلى هلوساتك وأصررت على البقاء في الغرفة، والتواصل مع أخيك وزوجته، رأسك ثقيل مليء بالدخان والهواء الحار الجاف، الذين حولك يتهامسون، أخوك لم يتجرأ على مفاتحتك، نصحته زوجته أن يدعك لصمتك، في هذه الأيام الصمت ليس تهمة وإلا فكل الناس سيساقون للتحقيق.
وعدته أن تخرجها من صمتها ومن أحزانها بعد الامتحانات، لكن الفحوص انتهت ولم تنته عدتك وأحزانك، بل بدأت تتجاهلين نداءاتهما، توجت ذاتك أميرة للأحزان، وحولت أسرة أخيك إلى مراقب لآلامك، لم تعجبهم حالتك إذ شارف جسدك على الذوبان، وفقدت ربع وزنك، فكرت أن تريحي وتستريحي، لكن الانتحار هروب وأنت تفضلين الصمود والوقوف وتحدي الزمن.
في الزمن الخارج عن إرادتك، الزمن الذي لم يلد من رحم الحياة، يصير الموت رحمة، وتصير آلامك واقعك الذي تتلذذين بتجدده، نقّلتِ عينيك ما بين المرآة والجدران، رأيتهما مغسولتين بفيض العبرات، تومضان فإذا الرعد يقصف في جمجمتك، فتتهاطل الأمطار الغزيرة، هربت إلى الكتابة، تكتبين وتمزقين أوراقك، بودك أن تكتبي قصتك، تصفي ما حدث، تنتقي شخصيات أخرى وترسميها في خيالك من لحم ودم وتسألي الآخرين عن رأيهم، استخففت بمثل هذا الرأي الذي يكشف خبايا نفسك، هل من المعقول وضع مشكلتك على بساط الأدب؟ ماذا يقول الأدباء؟ وماذا سيقول الناس؟ ماذا لو وصفك أحدهم بأنك متواطئة مع شخصياتك؟ هل ستسكتين وكأن الشخصيات لا تهمك، أم ستردين بقوة وتبدين متحيزة؟ أنت تعرفين أن التحيز والتواطؤ لا يجوزان، على الآخرين أن يعطوا رأيهم وقناعاتهم وعليك أن تصغي، ماذا لو وصفوا الفتاة بأنها لعوب، لا تملك ذرة أخلاق، أتعبتك هذه الهواجس، فقررت العدول عن الكتابة، ما دامت ستزيد همك ولا تقضي عليه، ثم إنك ستدخلين الأدب من باب مخلوع يأتي بالريح.
ذات صباح فاجأك أخوك باش الوجه، طلب أن يأخذك إلى السوق، استعدت قصتك وكيف جاهدت للخلاص من أنياب الوحش، الذي قد تجدينه ثانية أمامك، ماذا بوسع أخيك أن يفعل؟ لم تردي لكنه لم يتركك، مد يده لإنهاضك، تشبثت بالأرض وبكيت فتركك لوحدتك، لفكرك الذي يجول داخل الغرفة، لهمومك التي لا يعرف عنها شيئاً، شيء ما فوق طاقته يجعله يتساءل، يطرق السؤال جدار مخيلته، لماذا؟
هناك من يحبون العزلة والاعتكاف، أأنت واحدة منهن؟ لم تكوني كذلك، عهده بك قوية تناقشين الآخرين في السياسة والأدب والعلوم، اليوم غير قادرة على نقاش نفسك، لا تستقرين على رأي، كيف لك مثل هذه النعمة وأنت المطعونة؟ القلق يقتلك، الظلام يلف بصرك، الدروب أقفلت في وجهك، باتت ملكاً للصلصال ولمعلمه، طوى الدروب والأرصفة وحملها على كتفه، حتى لو شئت الخروج فلن تجدي طرقاً أمامك، أين ستسيرين؟ داخل المدينة يحتل أركانها وخارجها قد تجدينه، يمد يده ويدفعك إلى سيارته، يسألك عن هويته ونقوده وعن عقد الزواج، لن تستطيعي الإجابة، في الماضي كنت تملكين قوة وأظافر، أما اليوم فقد فقدت قوتك، إنك منهارة دفعة واحدة من يده وتكونين إلى جواره في المقعد الأول، رشة بسيطة من المخدر، فإذا بك فاقدة لقدرتك على الصياح أو الفعل، ويعود ال.
أشياء كثيرة تغري بمعرفة الحقيقة، بقولها كما حدثت، كم يلزمك لتتحرري وتحرري؟ ما مر معك لن يثنيك عن متابعة النضال، ما أحوجك لرؤية الشمس المشرقة والسماء الصافية الزرقاء، تمشين على الدروب الوعرة ولا تتعبين، تتذكرين المسير الطويل الذي حدثتك عنه فرات في بداية علاقتها مع حامد، هل ستأتي ذات صباح مغردة تزف إليك خبراً تنتظرينه؟ تعود الأحلام الجميلة، تعودين إلى الشوارع التي أحببتها تعود روحك إلى جسدك، تحبين كل لمسة من لمسات الطبيعة البكر، والنباتات البرية والغمام المسافر الذي يحملك عصفورة مغردة، تفرد جناحيها للريح والمطر.
جاءتك فرات كما حلمت ذات صباح وردي، لكن بعد انتظار طويل، بعد أن تحوّل الخصب إلى رماد، وتحولت الأرض الخضراء إلى بور، لحظة واحدة وأشعلت الشمس شموع الفرح، شموع الحب، أحسست بفؤادك يخفق، كل ما فيك يغني، أسرعت إلى خزانتك وأخرجت أحلى ملابسك، مشطت شعرك، وأخبرت زوجة أخيك، إنك لن تعودي إلا ليلاً لم تصدق، الواقع جاءك بثلاثة أحداث مفرحة تلقيتها دفعة واحدة، نجاحك إلى السنة الرابعة بتفوق، وإنهاء استيداعك وعودتك للتدريس، واعتقال الصلصال.
الشمس تشرق هذا الصباح كما لم تشرق من قبل! وأنت تحلمين حلماً جميلاً لم تحلميه منذ زمن!
-24-


ما بين الماضي والحاضر غيمة بخور تتصاعد، تحمل النور والنار، لتعيد رسم الأمل، تنهض الأحلام، تتململ حبة الحنطة، تضرب جذورها الدقيقة في التربة، ثم ترسل لساناً أخضر يغازل الأفق، تذكرت حكايات والدك وعمك عن القدرة السحرية لنبتة الحياة، للحنطة التي توحدت بجسدك وأعطته رشاقته، لخبر فرات الذي أعاد اخضرار ما تيبس، منح روحك عنفوانها، وجعلك تنظرين إلى السماء وأنت مبتسمة، البساتين التي طفت بها كانت في طريقها لليباس، والقلوب التي خبرتها ما عادت آلة لضخ الدم، فيض من الخصب أخرجك من وحدتك وصمتك، نفضت غبار الماضي، انتهى الحزن وسافرت الكوابيس، أحلامك تبرعم في رحم الزمن، توزعين ابتسامتك وتمدين يديك إلى الأعلى، تتمتمين بكلمات جميلة.
الأيام تكفلت أن توقظ الحياة في الحجر، أن تعيد لك شيئاً من الفرح ، ستفتحين ذراعيك للحياة، ستلمسين خيوط السعادة، ولن تحتاجي إلى نظارة بعد اليوم، الطبيعة ذاتها تهبك قدراً من المرح، الطبيعة بمكوناتها الشمس، السماء، البحر، الشجر تدعوك لتحدي الواقع وإرغامه على الرضوخ، لم تستطيعي التخلص من الماضي دفعة واحدة، سعادتك وحرية الآخرين، سؤال ترددينه ولم تمنحيه القدر الكافي من التفكير، الصلصال في قفص الاتهام، بين أربعة جدران، يتوقع أن تصل عقوبته إلى سجنه عشر سنوات، أمامك هذه السنوات تعيشينها وتأخذين حصتك من الحياة، عليك ألا تشغلي فكرك، أولى بك النسيان.
الماضي الذي نهش صدرك، وجعلك تحسين بالغربة والضياع، تحاولين إخراجه من جوفك عاند ولم يخلِ مكانه، لا يخرج إلا مطروداً وبصعوبة وبعد عناء، ها أنت ذي تصارعين وتتخلصين من نيرانك، تعود ذاكرتك إلى صباها، إلى أيام الجامعة والتدريس، إلى الأيام الجميلة التي فرت منك، كم أنت رائعة مع ذاكرة كهذه! لن تصغي إلى الشباب، كلهم متاعب، ترى كم من السنين يلزمهم ليتخلصوا من أنانيتهم؟
بعد جولة مع صورتك المقهورة، خلصت فكرك مما يعكره، مرح اللحظة يلفك، لتعيدي لذاتك إنسانيتها ولتعوضي أيام الخوف، لك دور ستؤدينه بأمانة وحب، حتى ذهابك إلى اللاذقية هو جزء من هذا الدور، إذ عندما يرى الإنسان جمال وطنه ورحابته يتمسك به ويدافع عنه هذا في الحياة العملية، أما في التدريس، فكيف تتحدثين عن جمال الساحل وخيراته ولم تري البحر أو تحسي بدفقة الحب للعناق الأبدي ما بين الماء والسماء والأرض؟ إن أي حديث للتلميذات مأخوذ عن معلومات جغرافية لا يفي، لا شيء مثل الإحساس بجمال المكان ودفئه وحنانه، لم تتمالكي نفسك، عيناك تدمعان وابتسامتك تحتضن وجهك.
كل ما في جسدك يفور، أفراحك تتلاطم، تسبح في دمك وتجعل روحك مغردة، كيف تعبرين عن انشراحك؟ تندفعين إلى فرات تضمينها إلى صدرك وتقبلينها كما لم تفعلي من قبل، تنتحبين بين يديها، مخيلتك مشوشة ومثقوبة، بلغة فيها بعض اللوم تعاتبك:
- من غير اللائق أن نبدأ فرحنا بالدموع!
- اتركيني أخرج المياه الملوثة من فؤادي، البكاء يجلي صدري، ستجدينني بعد لحظات أمرح وأغني.
فرحت زوجة أخيك للتغيير المفاجئ الذي لم تتوقعه، وقفت صامتة مذهولة، اقتربت من فرات وشكرتها، وبكل لطف وجهت إليك سيلاً من النصائح:
- الحياة جميلة يا هلا، التفتي إلى نفسك، الدراسة ليست كل شيء في حياة الإنسان.








رد مع اقتباس
قديم 05-04-2016, 11:06 AM   رقم المشاركة : 12
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


غرباء منتصف الطريق


- هيا، أحلم بوقت كاف نمضيه معاً، أريد أن أشبع منك وأحدثك من الآن حتى صباح اليوم التالي.
- ما رأيك برحلة قريبة تشبع فضولك؟
- الرحلة التي تشبع فضولي وترويني إلى البحر.
- ولِمَ البحر؟
- إنه ذاك المخلوق المتمرد القادر على منحي تمثالاً لا يفنى من الماء، قطراته باقية، تعيدها دورة الحياة إلى تشكيلتها الأولى.
- ما هذه الفلسفة يا هلا؟
- إنها من بعض ما تعلمته في الأشهر الماضية!
- أنت رائعة يا صديقتي!
مع ساعات الفجر الأولى قررتا السفر لتصلا حوالي العاشرة. بقايا الظلام تخيم على الطريق. لا شيء سوى بعض البلدات التي تتراءى أضواؤها. الركاب يغطون في النوم، ما بين الصحو والنعاس يتراجع الغبش، وتبزغ من الشرق ألسنة نيران قبيل الوصول إلى مدينة حمص، راقبتا البرتقالة كيف ترتفع لتستقر على بعد أمتار من الأفق، تتثاءب الألوان وتنهض من سباتها وخلال زمن قصير تفرض مساحاتها، أراض خضراء وتلال عريقة تضم قلاعاً وبلدات مجهولة، تطل بابتسامتها، قلعتان أشارت اللافتات إليهما، قلعة الحصن في تلكلخ وقلعة المرقب قبل الوصول إلى اللاذقية، تبدوان وكأنهما معلقتان في الأفق، خط دفاعي يصعب اقتحامه.
حوالي التاسعة والنصف وصلتا، انطلقتا إلى الساحل الصخري الجنوبي حيث ينتشر الصيادون على الصخور الملساء، التي نقش عليها المدّ خطوطه ورسم أبجديته، تلهث الأمواج، تتعب، يخرج الزبد من بطنها. تبدو بعض تجويفاتها فوضوية وأحياناً هندسية، وكأن يد فنان نحتتها، حزمة ألوان تعانق الأمواج، يتحول اليمّ إلى طيف يحتوي عشرة ألوان بل عشرين وربما أكثر.
الفجر القرمزي غسل العتمة وبدّد قطرات الضباب وأعطى الأشكال ألوانها وحجومها، انحدرت الزرقة لتغطي الأرض والبحر بلونها اللازوردي، الصباح أهدى شموعه وزقزقة عصافيره، شعرتا بالألفة وبنهار جميل وبهي مع ارتفاع الأشعة التي التهمت وحوش الأرض، في داخلهما حب كالأمواج، أحسَّ البحر بفتوتهما وطيبهما، ركض إليهما وركضتا إليه، تمرران أصابعهما في طيات أمواجه، بينما ديك قريب يعلن عن نهار كله إلفة وعشق، استنفر دجاجاته ومشى في المقدمة يستطلع جديد ذاك اليوم.
اقتربتا من صيادين يلقيان بصنارتيهما في الماء، اصطادا أسماك «سرغوس» الصغيرة، كانا فرحين، دعوهما لتناول وجبة من الأسماك المشوية، لكنهما ابتعدتا وسارتا عبر الدروب الضيقة، وعندما تعبتا اتجهتا إلى أحد المقاهي، شربتا عصير ليمون، ثم استأجرتا تكسي لينقلهما إلى الرمال الذهبية، حيث البحر أقل عربدة، تنساب أمواجه على الرمال، ركضتا، لعبتا، ثم وقفتا تتابعان حركة المدّ المستمرة. فتاتان رائعتان واقفتان على الشاطئ، تعرتا قبيل الظهر، انسكب النور على جسديهما البلّوريين، فقد البحر ليونته وأصيب بلوثة، المدّ بطلته البهية وخربشاته يغزو اليابسة.
البحر يوزع موسيقاه على إيقاع أمواجه وألوانه المتداخلة، يكره ارتداء لباس من لون واحد، إذ لا يكفي ذلك للتعبير عن أعماقه وأبعاده وانعكاس زرقة السماء وعربدة القمر، يدفع مده الذي يتناثر سحابه ويتشاجر مع أقدامهما، استنشق ضوعهما، توحدتا مع جنونه، انبطحتا على الأرض، يمامتان أو بطتان أجمل من جنيات البحر، جسداهما يبرقان، لن يهدأ الموج ما دامتا على الشاطئ، ترى أي منهما ملكة الساحل لذاك اليوم المصادف لأواخر آب عام ثمانية وثمانين، دفعت هلا رفيقتها ورشقتها بالماء وهي تقول:
- هيّا يا عزيزتي إلى الماء نتحداه ونفقده وقاره وشموخه.
- بدأت بالفلسفة، لا تدعي خيالك يذهب بعيداً، أيتها الجنية التي لن يختار البحر سواها، أنسيت أنك نحيلة لدرجة أنك قادرة على سباقه والرقص على أمواجه، البحر أيتها الشقية يحب من خبرت الحياة، ليتعلم منها درساً في العشق.
- البحر يا فرات يهوى الفن، يموت فيه، صدقيني لن يختار غيرك لتكوني عروسه.
سبحتا قريباً من الشاطئ، البحر المجنون يطاردهما، تبتعدان إلى الهضاب، تتبعهما الموجة، تكتشف ما حفظه الأجداد، تفتح فاها وتلفظ أول حرف من الأبجدية، ترتد مسرورة لتسافر عبر السفن إلى بلاد وجزر بعيدة، تعلم أهلها ما عرفته.
عادتا إلى البحر، المياه المهددة بالاحتراق تستجدي الغمام، عاد الموج لعربدته، استجمع قوته ورشقهما، دعاهما للتوغل، لم تتجرأا، طيور النورس تواصل طيرانها، ترى التماع الأمواج وشفاه الزبد الثلجية، وحزم الضوء التي تسافر إلى الكورنيش كل مساء، راقبتا زرقته التي اختلطت بالسحب الرمادية، نسيتا متاعب العاصمة، هما كالأطفال في أواخر العطلة الصيفية، تحاولان القبض على كل دقيقة، أن لا تفلت من أيديهما دون لعب ومرح، تبنيان بيوتاً من الرمل، أطفالاً، مدناً، تشرف الشمس على الغوص في مياهه، تذبل أشعتها وتصفر قبل أن يلتهما البحر، شعرتا بالبرودة، ريح مشبعة بالرطوبة تضرب صفحة الماء، السحب تهرول لتحيل الساحل إلى ساحة قتال، تنسحب الأطياف غرباً، لابد من قافلة متجهة إلى دمشق شبيهة بتلك السحب، شمتا رائحة بخور، تفاءلتا وشبكتا أيديهما وركضتا.
من الغرب سحب بيضاء تدثرت برداء رمادي، دهمتهما الظلمة، تتحرك السيارة وتتجاوز مدناً وبلدات عريقة، تبدو كالنجوم السابحة في الفضاء، شيئاً فشيئاً يشتد لمعانها، في الوقت الذي تبرز فيه نجوم جديدة، لتتحول الأرض والسماء إلى مجموعة قوافل غجرية، تحمل مصابيحها غير قادرة على تجاوز محورها، أسرعتا إلى مركز الانطلاق، شعرتا بحب عارم للعاصمة، لوحتا للبحر الذي اغرورقت عيناه بالدموع، وبلغة أوغاريتية وعدهما أن يتأدب أكثر في المرة القادمة.

-25-


قارب العام الدراسي على نهايته. شهر رمضان ما زال في بدايته. لن ترى فرات إلا بموعد مسبق، الآن أدركت أن أيام الدراسة جميلة ورائعة، كل يوم تنتظرها عند موقف العباسيين، تأتي مغردة، تشبك يدها بيدك، تصعدان الميكروباص الذاهب إلى باب مصلى، في الشهر الأخير سمحت لك أن توصلها، تلوح بيدها وهي تدخل باب مدرستها، شعرتما بأهمية اللقاء الصباحي، الأيام تفلت من أيديكما كالماء الذي لا أحد يستطيع القبض عليه.
أحسست بلوعة فراقها قبل وقوعه، بحثت عنها في ذاكرتك، بدأت تستعيد حديثها، تتخيل قوامها، رنين ضحكتها وشذا عطرها، الملائكة المزروعة في رشاقتها، تتمنى أن تعيش مع طيفها، غير قادر على إبعادها عن مساحة تفكيرك، طيفها تسلل إلى الشرايين والأوردة، صار من مكونات الروح، تعشش في خيالك طائراً مغرداً، كيف ستصبر على بعدها؟ شذا ياسمينها يشدك، يوزع الصخب في أوردتك، عيناها تغردان وتتوهجان، تبحران في القادم من الأيام، أفق وجهها شمس تنير وتدفئ، شفتاها الرطبتان تهمسان بأذنيك، تصيغان أحلى الكلام، المرح الذي يضفيه وجودها، كل هذه الصور وغيرها خيول تتقافز في رأسك المتعب، جففت نقاط العرق عن جبينك، تتعزى بالصبر كما أوصتك، ترسل بصرك إلى البعيد، تهدم الأسوار وتصل إليها، لن تطلب أكثر من ابتسامة وموعد قريب.
لم تحزم أمرها ما زالت على مفترق طرق، لم تقرر بعد إن كانت ستسافر إلى أخيها وتتم دراستها هناك، أم تقبل خطوبتك وتظل وكيلة تدرس الأطفال، تعطي أمها جزءاً من راتبها، تؤجل كل شيء، الخياران صعبان، قررت ألا ترهق تفكيرها، تركت مصيرها للزمن، في آخر يوم دراسي انتظرتك على الموقف كما كانت تفعل، تزينت، كلها أنوار وشموس وأقمار وعطور، انتشر عبقها وعانق الأنوف، أطياف متاهات تغلف نظرتها، عيناها يلفهما القلق، أرجوان شفتيها يفقد احمراره ونضارته، ورود خديها المدماة تلبي فزع الروح، تتشح بغلالة من الحزن كيوم التقيتها أول مرة، غشاوة من الدموع تحجرت داخل عينيها، العبرات الفضية تحكي قصص الماضي والمستقبل، تتراقص بسمة خجولة على شفتيها للحظة ثم تختفي، وقفتما وجهاً لوجه، الغمام يسافر بعد أن يدع مطره يتهاطل، يضيع في بؤبؤ عينيها وفي زرقة السماء، ودون أن تنطقا قرأ كل واحد أعماق الآخر، أمواج العواطف تظهر تعبيراتها وتتفاعل في داخلكما، أمواج من نظرات غائمة تعزف نشيدها المر، تقترب منك أكثر وتضع يدها في يدك، قالت:
- سنلتقي يا حامد ولن يردني عن رؤيتك سوى...
- أعطيك عمري!
كان لجوابك مفعول سحري، اتكأتْ على الحائط وحدقت بك:
- دعني أرسم وجهك في عينيّ، قبل أن أرسمه على الكرتون!
في عينيها سحب بحجم العالم، وجهها البهي تسلقه الضباب كقنديل خفت ضوءه، شعرها الملتف بمنديل يشع بريقاً، تركت ذوائب منه تتدلى إلى عينيها كسحابة ندى، نظرتَ إليها، أشعلت فتيل الوجد، حملت النسائم أغنية «يا خوفي من عتم الليل...»، ابتسمتَ وحدقت إلى عينيها، وبحت بما في صدرك:
- أنتِ وردة عمري، أخسر حياتي إذا لم أرك كل يوم.
- لا تقل ذلك، قلبي لا يحتمل عذوبة كلماتك، لا تتصور كم تفعل فعلها، ألا تكفي نظراتك؟ يا إلهي أشعر بضعف! لغة البوح تجعلني أتكوم على الأرض بلا حراك، إبعد نظراتك ودعني أسرح بفكري!
- لا أفهمك!
- لن تفهمني يا حامد!
- تحدثي بصراحة، أما زلت تخافين أمك؟ عيناك تفضحانك!
- افهمني يا حامد أنا مهزومة من الداخل، أعترف أنك أعدت التوازن لحياتي، لكن الحياة بقدر ما تعطي تأخذ، قل ما شئت، أنا لست متشائمة، إنما لا أريد أن يوصلني حبك إلى حافة الجنون!
أوقفت تكسي وطلبت إلى سائقه التوجه صوب مدرستها، نزلتما قريباً من الباب الخارجي، لوحت بيدها وقالت: نلتقي!
وقفت تراقب مشيتها، تراقب اجتيازها للأمتار الباقية، ابتعدتَ قليلاً لتراها وهي لا تراك، قبل اجتيازها الباب الخارجي، التفتت فلم تجدك، دارت نصف دورة رأتكَ، تظاهرت بتسوية هندامها وظلت تراقبك حتى اختفيت عن عينيها.
في صباح اليوم التالي نهضت باكراً كعادتك، بدا عليك القلق، إنه أول أيام العطلة الصيفية، تذكرتَ أمس والأيام السابقة والشهور الماضية، تذكرت الفصول الأربعة، نظرت إلى وجهك، المرآة بدت غير أليفة، أظهرت الشحوب، الوقت يمر ببطء، عليك أن تتعود البعد عنها وتصبر، تحسُّ بالألم في صدرك، أحسست بوطأة الوقت، بعد الإفطار شعرت بحاجة إلى رؤيتها، أتذهب إلى بيتها، أم تقف قريباً منه؟ يكفيك أن ترى وجهها وترجع، قادتك قدماك إلى حارتها، ازدادت دقات قلبك، تحسب ألف حساب لرؤيتها، جسدك يرتعش، هل هذا موقف رجل مثلك؟ الحب أعادك إلى طفولتك وطيشك، نسيتَ من أنت وأين تعيش! وأن ما بينك وبينها علاقة لا تسمح لك بقرع بابها ولا انتظارها في الشارع أمام البناية التي تسكنها، أشعلتَ لفافة ووقفت على الرصيف المقابل لشقتها، مضت دقائق شعرتَ أنها ساعات، خانتك قدماك وعدت من حيث أتيت وأنت أشد حزناً.
بعد يومين ذهبت إلى الموعد قبل نصف ساعة، شعرت بألفة المكان ومحبته، وددت لو تحتضن حتى محتوياته، على الطاولة التي ألفتماها جلستَ تنتظر، عيناك تراقبان القادمين، هل تأتي قبل الوقت أم تتأخر قليلاً؟ أي الفساتين ستلبس، ربما الأحمر لتشعل بفؤادك حريقاً، لا تطفئه رغوة الإطفاء ولا مياه المحيطات، كلما دخلت واحدة تظنها هي، تشرئب نظراتك وعندما تتأكد أنها ليست هي تحزن، وتراقب من جديد وقلبك يقفز داخل القفص الصدري ككرة القدم، عاجز عن إيقاف هديره، أخيراً جاءت قبل دقائق من الموعد، ابتسمتَ ودققت النظر بقوامها، إنها الأجمل والأبهى، كل شيء فيها تغيّر، وقفت لاستقبالها، طفل لا يجد كلمات الترحيب لروعة قدومها، جاءت وكل شيء فيها عذب وشفاف، يتماوج قوامها، خصرها، شعرها الذي ردته على كتفيها، وهي تقترب متمايلة دلالاً، بدا جسدها الطفولي رشيقاً، عقدت منديلها على جيدها لتغطي جزءاً من عنقها المرمري، حيتك وجلست، تسللت يدك وضغطت على كفها، قالت:
- أكثر من زميلة رأتك توصلني للمدرسة في آخر يوم دراسي!
- ما الغرابة؟
- سألنني فأحرجت كثيراً!
الألحان ترتعش في كفك، عيناها تشعان، نظراتهما المرحة تجذبك، لونت مسحة من الخجل والألق خديها، فبدت شبيهة بثمرة ناضجة، حولت عينيك إلى مرآة، تحدق فيهما، تقرأ أسرارك، طيفك قابع في رأسها طوال الأيام الماضية، إن غبت تستحضرك، لم تشبع من رسمك في عينيها، من محاولات رسمك على الورق، ما زالت أناملها الرشيقة غير قادرة أن تطبع صورتك، كل مرة تكتشف أن شيئاً ما ينقص الصورة، تدقق النظر إلى تقاطيع وجهك، هي متأكدة أنها ستنجح أخيراً في رسمك على الورق.
حدثتك عن همومها، عن أمها ورؤيتها للحياة والزواج، وهي كفتاة لا تكتمل موافقتها إلا بعد موافقة أمها، حزنت للتعبيرات التي تطلق على الحب، إذ صار وجهاً آخر للعلاقات الاقتصادية والجنسية، حدثتها عن همومك وتطبيقك للعقوبة التي فرضتها بحقك، لن تراها إلا مرة كل أسبوع، وفي أحسن الحالات مرتين، أمر لا يطاق ولا يصدق، مرت الأيام الأولى من العطلة الصيفية ثقيلة، تعد ساعاتها، لو كانت بقية الأيام على هذه الشاكلة فلن تنتهي العطلة إلا وفقدت وزنك، سعيدة بشكواك، ألا يدل هذا على مكانتها عندك؟ تعرف هذه المكانة، لولاها لما حدثتك بأسرار هلا وطلبت مساعدتك، ماذا تفعل وأنت تعلم أن الذي يحب لا يرفض طلباً؟ عنتر أحضر النوق العصافير من غير بلاده مهراً لعبلة، من السهل على فرات التأكد من حبك، لها أساليب فيها مكر جميل، تتدلل وتتطلب وعليك التنفيذ، ألا يعني هذا تتويجاً لنزعة تراودها وتفكر باستعادتها؟ تشعل الحرائق في دمك، تشعل براكين الشوق، تذري الرماد، تشعر أنك تائه دونها، تعيش فوضى الذكريات، العطلة هيأت طبيعتك إلى الهيجان، وأنت بحاجة إلى هدوء، إلى لحظات صفاء تستعيدها، الصغار بشغبهم حولوا الشوارع إلى ملاعب، يعكرون عليك مثل هذه اللحظات، كل يوم يمر يحيل واحتك إلى صحراء، كان لابد لغابات قلبك أن ترتوي من طلتها، من أنفاسها، من عطرها لتظل خضراء، كل ما في روحك ساكن، جسدك يتوجع، والقلب يعج بالصراخ.
لم تطلب إليها أن تقول شيئاً، تحافظ على ما هو جميل بينكما، تدفعها أن لا تستسلم، أن لا تدع الأيام تمر هكذا، أن تأخذ حصتها من الحياة، الزمن يعطي وفي لحظات معينة يأخذ ما أعطاه، الدموع نقطة ضعفها وقوتها تهل لتجد ذاتك أسير الفضة على جسدها البلّوري.

-26-


عاد الوقت الهرم غير المحتمل إلى طفولته وصباه، وشطب ما ضاع من أيام، دروب الأمس غير دروب اليوم، تقفين أمام المرآة نصف ساعة ترتدين لباسك، وتصففين شعرك، تشعرين بقوة عزيمتك، وترسمين بأناملك الفتية اللمسات الفنية على وجهك وجسدك، تبدين أنيقة، تحملين حقيبتك وتخطين خطواتك المتزنة التي توحي بالثقة، لتعوضي ما فات من أيام السجن، بعد أن تأكدت أن غريمك الصلصال معتقل، تنهين فترة القحط التي سافرت عبر الزمن، تخرجين يلفك عطرك، صبية لا تتعب ولا تحسب حساباً للوقت.
مع بداية خطوات النهار تحتضنين الأشعة وترسلين مع ابتسامتك عبقها إلى كل مكان تصل إليه، تتجولين في الشوارع والأحياء البعيدة عن وسط المدينة، حيث الشوارع العريضة والأبنية الفخمة المسورة بالياسمين البلدي الأبيض، يبدو زهره على حديد الأسوار أشبه بتعاقب الليل والنهار، في بعض البيوت أشجار الأكيدنيا التي تستعد للإزهار بعد أيام لترتدي حلتها الجميلة، تبدين فتاة عصية على الوصف ذات مزاج متقلب، مرة رأسك يؤلمك، وفي مرات أخرى يثرثر ويشعرك بالخوف، هذا اليوم استثناء من حياتك، تكشفين طعم الحياة، نسمات حارة توشوش وينبئ اشتدادها عن حالة غير مستقرة للطقس، تدخلين ازدحام الشوارع، تلاحقك الجمل والكلمات تعبيراً عن إعجاب أو قلة حياء، المراهقون وبعض المتصابين يلحقونك، يعلقون، تتجاهلين ما تسمعين، يتمادى أحدهم ويحسّ كوعه بصدرك فيكاد يمعس نهدك، تشتمينه وتبادرين إلى صفعه، يجتمع الناس ويحيطون بكما، يتدخلون لصالحك دون أن يعرفوا الموضوع أو الإشكال الذي حصل، ينظرون إلى عينيك وفي نيتهم اقتطاف ابتسامة أو موعد، إلا أنك تتابعين سيرك دون أن تلتفتي، نسيت ما حصل، شعرت أنك جزء من الطبيعة، توحدتِ بما حولك من جمال، تحفظين الألوان في عينيك، الحياة جميلة وعليك أن تنسي لتظل ابتسامتك مشرقة، أنت كأية فتاة أملود تحاصرك الأعين أنى ذهبت، في السيارة يضطر جسدك اللدن ورشاقتك إلى الابتعاد عن الازدحام والوقوف إلى جانب فتاة، لكن هذا لا يعفيك من المضايقات، أحياناً يضطرك التدافع إلى النزول قبل المكان الذي تريدينه، يتواطأ بعض الشباب يضعونك وسطهم، مع ميلان الباص يقترب أحدهم ويلتحم بجسدك في وضع شاذ، إذ قد تجدين نفسك في حضنه، الأنفاس تضايقك، تحسين بالقرف والتقزز، يتصبب العرق وأنت تجاهدين للوصول إلى الباب والنزول.
عرفت فرات حالتك الجديدة وإصرارك على التمتع بمناظر المدينة والطبيعة، وصهوات المجد التي تحاولين صعودها، قالت في ذاتها: «إنك تعوضين ما فاتك، ويحق لك يا هلا أن تفعلي ما تشائين».
لليوم الثاني تغذين السير في المدينة، تقطعين الأحياء القديمة مشياً، تتمتعين بمنظر البيوت المتصافحة ذات الألفة، من برج الروس سرت باتجاه باب توما ومن هناك إلى النوفرة والقباقبية والصاغة القديمة، وفي اليوم الثالث تجولت في سوق الحميدية، واسترحت في الجامع الأموي ثم إلى الست رقية فالعمارة وفي اليوم الرابع والخامس... بعد أسبوع اشتقت إلى الأحياء الحديثة والشوارع العريضة والحدائق المبتسمة، استخدمت سيارات النقل الداخلي في تنقلك من حي لآخر، تريدين أن تتفقدي أحياء دمشق وتسلمي عليها.
في أيلول افتتحت المدارس أبوابها، وبدأ عام دراسي جديد، الأيام تعود أجمل مما كانت، في اليوم الأول شعرت أنك بين أخواتك، المدرسات يقبلنك ويسألنك، وأنت سعيدة باهتمامهن ومحبتهن، تقبلت تهنئتهن بنجاحك في الجامعة وعودتك إلى التدريس، تفيض أرواحهن بالمرح، تعلمت درساً من تجربتك، دفعت ضريبة جمالك، اللواتي مثلك إذا وقعن لن يجدن من يعينهن على النهوض، ما بك تستحضرين مأساتك؟ تحسين بتعب وإرهاق، تحيلينها إلى الإهمال، يقذفها الدماغ إلى مكان قصي، لتستقر في جانب خفي لا يستنهض حزنك، إن مجرد تذكرك يجعلك عرضة لآلام عميقة ووخزات في القلب، الأولى أن تقومي بواجبك اتجاه أهلك، تقررين زيارة قبر والدك، ستصارحينه وتطلبين مشورته، وبما أنه يثق بك وبأخيك حسن قد يحيلك إليه، لا غنى لك عن أخيك، لن تشغليه بموضوعاتك، هل يغفر لك تحت أية حجة أو مبرر؟
الذكريات تضعك في الماضي، تشعرين بالقهر، يملأ البكاء ملامحك، ضفاف الحزن تجرفك، تجرعت الكأس، أتدمرين نفسك وتقتلين روحك؟ ما الذي سيحدث لا شيء سيتوقف، سيسير المركب دونك وسيخيم الليل ولا خاسر إلاك، تدفعين دموعك إلى خدك، ما فائدتها وأنت تنطلقين ثانية؟ تشمين عبق الحياة، تولدين من جديد، كما يولد الإنسان بعد إخفاقه أو نجاحه، تصارعين خيوط العتمة، تفيضين أنساً وجسدك الخفيف يحملك إلى السحاب، حيث تحلقين في أجواء عطرة، عيناك المرحتان تشتعلان بالحب، أنت في حلم تستعذبين استمراره، في شوق للحياة، روحك تحلق ولن تنزل إلى الأرض إلا لحظة تتوحد بجسدك، لابد لها من أن تكتشف المجرات الأخرى، لتسكن جنة إحداها.
ذهبتِ إلى صالون الحلاقة، قصصت شعرك، عانقت نهاياته المنكبين مشطته وتركت بعض ذؤاباته على جبينك، غرة منسقة تغطي ناصيتك، يخيم الشعر على جبهتك أشبه ببيت شعر تواقعه الريح، تعرت السماء من شموسها وأوقدتها في الليل المتهاطل على كتفيك، جسدك يرقص حبوراً، خلدت الريح للوسن، سكرت من جمالك، لمعت البروق وعبق المكان بالمسك والخمرة، نبتة زاهية تهفو إليها الطيور تعشش بين أفنانها وأوراقها، عيناك الواسعتان ترسمان دروب الحياة، تبدلان صورة المدينة، كم رائعة هذه المدينة التي خفت من أناسها وشوارعها! الأشجار لا تموت إذا حنت جذعها للريح، إذا بدلت أوراقها، كلمات فرات تبدل حياتك، تجعلك فراشة تهيم فرحاً، تستعيدين طفولتك المصادرة، ومجيئك أول مرة إلى العاصمة، يوم بدا لك كل شيء غريباً، الشوارع، الحارات، الحدائق، طيور الحب التي ترفرف في سمائها، سألت عن أسماء الشوارع والأحياء والأسواق، لم تجدي لبلدتك أو محافظتك أي ذكر، لم تتخلصي من خوفك إلا بعد أن سكنتها، وجدتها أليفة، بل أجمل مدينة في العالم، نظرت إلى ذاك التل واحتضانه البيوت القديمة والسيارات والعمارات الشاهقة، سمعت عنه وعن أجداده أساطير وقصصاً ليس لها آخر عن ولادته من رحم إلهة كنعانية، في الليل ومع النسيمات المعطرة بالياسمين، يتحدث عن أخبار المدينة العاصمة التي لا تظلم أحداً، حتى الفاتحين وجدوا فيها الأمان.
شدكِ الجبل بعنفوانه، بتاريخه العريق، قررت خوض مجاهله والصعود إلى بعض أحيائه، اتجهت إلى حي الشيخ محي الدين، قصدت بيت الناعورة، صعدت بصعوبة الدرج اللولبي الضيق، بدا عليكِ وعلى الناعورة التعب، ثمة ما يشير إلى أنها أدت دورها بشكل رائع، رفعت المياه أجيالاً متعاقبة، وحافظت على هيكلها، هي من جملة نواعير عفا عليها الزمن، من هناك استأجرت سيارة نقلتك إلى نقطة توصلك إلى جبل الأربعين، مشيت حتى وصلت إلى كهف ما زال صورة عن عصر حجري، عن قلب حجري، علامة أبدية وشهادة على رفض القتل والجريمة.







رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة









الساعة الآن 08:02 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
منتديات بال مون - منتديات رومانس مون