منتديات بال مون  

العودة   منتديات بال مون > منتدى الفن والأدب > منتدى روايات عبير وأحلام > الروايات العربية

الروايات العربية قسم مختص بعرض أشهر الروايات العربية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-04-2016, 11:08 AM   رقم المشاركة : 17
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


غرباء منتصف الطريق




أنتَ أمام المحقق وجهاً لوجه، يسألك، تتهرب من الإجابة، من الصعب الثبات على موقفك هذا، كان من الممكن أن تنكر ما نسب إليك وتضلل العدالة، لو تدخل معلمك في الوقت المناسب. بقيت ساعات تحت الضرب، اعتقدت أن التعذيب ينتهي بعدها. لكنه يتجدد بأساليب أكثر دهاء. تتأكد من أن نجاتك من الموت ستكون باعترافك، تساوم المحقق. يحاورك، يطلب ملفك وسوابقك، يفاوضك ويضعك في موقف صعب، يوهمك أنه قادر على تخفيف عقوبتك، وتحويل الادعاء والمحاكمة من مجرم متورط إلى شاهد على جماعتك. تسللت الكلمات الناعمة إلى صدرك. تحسّ بسيطرته عليك، خاصة وهو يمازحك ويشعرك بقرب الإفراج عنك. يجرك إلى حيث يريد. تكشف حقائق عن شبكات تهريب وجرائم عدة. تعترف على معلمك وتهيئ نفسك لتقف خصماً، فهو لم يحرك ساكناً. أخيراً تنطقها «عليّ وعلى أصحابي يا رب» تدلهم على مخازن التهريب، وتصرح بأسماء المهربين الذين لم يتورطوا في هذه العملية، على أمل أن يفرج عنك بكفالة مالية لتتحول إلى شاهد عند استدعائك.
الحقيقة أنك باعترافاتك الخطيرة وغير المتوقعة، صرت ثقة. يتوقف المحققون عن أسلوب العنف ويعاملونك بلطف. تطالبهم بتنفيذ وعدهم وأنت تدلي بمعلومات لم يحلموا بها. يعيدون تصنيفك. يحترمون تعاونك ويسجل إلى جانب اسمك عبارة يستحق المساعدة، إلا أن سمعتك السيئة وماضيك الملوث، يجعل من المستحيل الإفراج عنك فوراً. تكتب الصحف وتنشر ما مسموح بنشره، تجري إحدى الصحافيات مقابلة معك وينتهي موضوعك عند هذا الحد.
في الأسبوع الثاني لتوقيفك يُستدعى معلمك للتحقيق وتصادر بعض مخازنه. ينكر التهم المنسوبة إليه، يصرّ أن لا علم لـه بتهريب الحشيش والمخدرات وغيرهما من لبنان. يلجأ إلى معارفه وإلى نفوذه الواسع، يعتذر القاضي منه. يتهمك بالجنايات والجرائم التي أسندتها إلى معلمك، يذكرك بملفك بقوله:
- يا صلصال ملفك يعج بالجنايات المسجلة على «فيشك»، ماضيك احتوى أوساخ المدينة ومزابل القرية، مثل السطو على محل جواهر بسوق الصاغة وحادثة إطلاق النار على دورية شرطة، و فتيات غررت بهن، وحوادث ضرب واعتداء على مواطنين آمنين وغيرها.
- مظلوم يا سيدي، هذه جرائم معلمي!
ينظر إلى تهمتك بمنظار المتعاون مع القضاء والشرطة الجمركية. تشمل بالعفو الجزئي الذي يخفف مدة سجنك، يراودك الأمل في الخروج، ترسل التهديدات لمعلمك. ثمة أمور خفية وأسرار لم تصرح بها بعد للقضاء ولزوجته. إذا لم يبادر إلى التدخل ويدفع الكفالة المالية التي حددها القاضي لإخلاء سبيلك بعد سنة من التوقيف، ستقول كل ما عندك. أخطر الأسرار ما زالت في صدرك لم تبح بها. كلمة واحدة لزوجته عن طقوس التعري وعن غيره تجعل حياته جحيماً.
تضيق الدنيا. تهرب من بين أصابعك. يضيع كل شيء. بيتك وثروتك ومكانتك الاجتماعية. تصير على الحديدة. ومن تقلب لـه الحياة ظهرها يجازف. ينصحون معلمك أن يسكتك، أن يتدخل ويخرجك. يسألهم إن كنت قادراً على تهديده وأنت طليق. يجيبونه إنك ستحسب ألف حساب، أما في السجن فالمجازفة لن تعني لك أكثر من البقاء حيث أنت. لا شيء سيتغير، وعندما يتساوى الربح والخسارة، قد تفضل الثانية، إذا كان فيها إثبات لذاتك وانتقام، من يتوقع أن سجنه سيطول لا يهمه أن يسرب خبراً ويوقع الآخرين.
يقتنع معلمك ويتدخل. تخرج من السجن. تأتيه طائعاً تقبل الأيادي. تحاول العودة إلى وضعك المميز وكأن شيئاً لم يكن. لم يوافق على مقابلتك أو مجرد الحديث معك. أمر بطردك. ومع ذلك تتردد إلى مكتبه لبضعة أيام. في بداية الأسبوع الثاني يخبرك أحدهم أن رزقك وعملك عند غيره، عليك أن تبحث عنهما، تُهدد بالموت. لم تقتنع يتجمعون حولك، يضربونك، ترفع صوتك، يدخلونك إليه، وهناك يُسمعك كلمات قاسية: "لا أريد أن أرى وجهك لا هنا ولا في الطريق، إذا رأيت سيارتي ابتعد عنها وإلا فإنني سأدوسك، لا تنسى أن كل ما تقوله أو تفعله ستحاسب عليه، هيا."
وكالولد المؤدب تحني جذعك وتقول: "نعم كما أمرت!"
تتأكد من وضعك الجديد. تحاول أن تمدَّ يدك لتسرق، يقبضون عليك ويلوون يدك حتى تكاد تنكسر. تحاول السطو والنشل، تُكتشف أيضاً وتلاحق وتصاب بطلق ناري في ساقك. تتأكد أن السبيل الوحيد لتعيش بأمان أن تتخلى عن أفكارك ومشاريعك التخريبية. فما كان منك إلا التعامل ببعض المهربات المنتشرة على الأرصفة، أو في منطقة بعيدة عن أنظار الشرطة. المنطقتان اللتان فضلتهما البرامكة وبرج الروس. أما النوم ففي أحد الفنادق الرخيصة في باب الجابية، أو في إحدى الغرف المستأجرة مع عدد من العمال.
ذات مساء خريفي من شهر آب، بينما حنجرتك تردد أسماء المهربات التي تعرفها. تهف من أمامك امرأة مألوفة، تمشي مع رجل تضع يدها بيده وهي مسرورة. تدقق النظر فإذا هي هلا! تنتابك أمواج من السعادة والانفعالات التي يصعب تفسيرها. تلملم بضاعتك. أتهجم عليها وتبعد ذاك الرجل أم تنتظر؟ تتذكر أن وضعك لا يسمح لك بأي تصرف. بهدوء تقرر السير خلفها ومراقبتها ومعرفة مكان سكنها، تعيدك إلى أيام العز، يوم كنت تلتقط الصبايا من الشوارع وتحملهن إلى غرفتك، وفي كل الحالات تحقق رجولتك وشموخك. الوحيدة التي لم ترتو منها المجنونة التي أمامك. تمزق قلبك وتنثره للريح، وحين تقرر أنها تناسبك كزوجة وتقبض على جسدها، تفلت من بين أصابعك كالزئبق. تستعيد أحلام ليلتك، وكيف تكتب عقدك عليها وتهرب، لتكتشف أن كل ما تخطط لـه وتحلم به يتبخر في ثوان. الوحيدة التي تعلم ذلك شراب، الملعونة لم تكن مرتاحة لتصرفك، ولا لتمثيلها دور هلا. تحلم بك عشيقاً وربما زوجاً. تطعنها. لا أحد غيرها يخطط بهذا النجاح لهربها في غفلة منك، لكن كيف؟ تصارحها بسرقة عقد الزواج وبأمور أخرى لم تجد لها تفسيراً. تشم رائحة اتهامِها، تنكر ولم تستطع أن تنتزع اعترافاً بذلك. استغربتْ تلميحاتك وهي مصدر ثقتك. تخاف من نظراتك وبعض الجمل التي اعتبرتها تهديداً ودفناً لعلاقة سابقة. من يومها لم يهدأ فكرها، بدأت تراجع حياتها وواقعها المعيش وذلها، ما الذي فعلته لتكون مطية لمن يدفع؟ هل هي إنسانة؟ ماضيها يرن في أذنها. تحن للعودة إلى أهلها وصديقاتها. تبصق على حياتها التافهة. هل هي قادرة على التخلص من واقعها؟ أين تهرب والواقع أكبر منها؟
تخمد المعركة حتى اعتقالك. لم تتوقع أنها السبب في القبض عليك. تعلم بعد انتهاء التحقيق عن هربها لحظة وصول قوات الشرطة والجمارك. الوحيدة التي نجت. ترى أن هذا منتهى الشجاعة. لم تزج باسمها في شهادتك. تظل الجمرات تحت الرماد إلى أن أفرج عنك بكفالة. تجد نفسك تائهاً، تذهب إلى بيتها، تعلم من الجيران عن رحيلها. تسأل في الملاهي، فتجاب إنها تركت منذ دخولك السجن. تستفسر من معارفها. لم يحالفك الحظ وتجدها لا أحد يدلك. ما سر تركها المدينة؟ هل مصادفة أن يتطابق مع تاريخ دخولك السجن؟
تحمل صورتها وتسأل، لا أحد يعرف عنها شيئاً، أتكون عشيقة معلمك يتلذذ على جسدها العاجي بعد فرارها، يكافئها على شجاعتها وهربها؟ يفرد لها مساحة أكبر في فؤاده، يمارس معها ما يمارسه مع الصبايا الجميلات اللواتي يأمرهن بالتعري في شقته المكيفة، يفرض عليهن نوعاً من العادات. يتسابقن فينتقي أجملهن، أما الباقيات فيكتفي بمداعبتهن.
تيئس من البحث. تسأل عن حامد. تبحث وتفتش فلم تجد لـه أي أثر. تكتشف أن المعلومات التي تحفظها عنه وعن عنوانه غير صحيحة. ماذا تفعل ولا أحد تلتجئ إليه. تعود شراب إلى واجهة تفكيرك، أنت تعلم أن هذا اسمها الفني، اسمها الحقيقي لم تعطه لأحد. تعرف محافظتها من لهجتها التي كانت واضحة في الأيام الأولى لوصولها إلى دمشق. ذات مرة صرحت سهواً عن اسم بلدتها وهي مخمورة، تقرر السفر إلى هناك لتعرف الحقيقة. تشد الرحال. تصل إلى محافظتها ومن هناك تسافر إلى بلدتها، تلف في الشوارع والأزقة علك تراها دون سؤال. تصفها لأحد الشبان الذي يقودك إلى بيت أهلها. تقرع الباب الخارجي، يجتمع إخوتها وبعض الجيران. يستغربون وقاحتك. يستدرجونك فتحكي علاقتك بها. غلى الدم في العروق، قال أخوها الأكبر: "هل وصلت وقاحتك أن تسأل عنها هنا؟ أنت بلا أخلاق."
تؤجج هذه الكلمات نيران الغضب لاستعادة الشرف المسفوح في المدينة. يضربونك. تحاول الهرب. لم تستطع الإفلات من أيديهم. يحيطون بك إحاطة السوار بالمعصم. الدماء تنز. تنقلك الشرطة إلى المشفى، وهناك تحمد الله على سلامتك. تنام في الإسعاف ليلتك تعالج جراحك، وتُلف يدك المكسورة بالجبس. تقرر أن لا تدعي على أحد إذا ضمنت سلامتك. يخلى سبيل إخوتها. تعود مهزوماً محطماً تحتاج إلى شهرين لتشفى يدك وتجبر. ماذا تعمل؟ لا شيء سوى التهريب بأنواعه.
تفشل في استرضاء رجال الشرطة والتكيف مع التهريب. لم تتوصل إلى معرفة أي معلومات عن شراب أو عن صديقك حامد. تقرر العودة إلى القرية، تعيش هناك وتتعرف على إخوتك من زوجة أبيك سناء إذا أنجبت. لكنك تدرك أن ما فعلته لا يسمح لك بحق العودة، يستحيل ذلك، أما شقيقتك فهي تكرهك منذ الصغر، تغلق عليها الباب طوال وجود الزبائن مع أمك.
تقفر الدروب في وجهك. تفكر بالهجرة، أول ما خطر ببالك أن تعمل في بيروت، حيث تجد الكثيرين ممن يشاركونك الإجرام والسطو والخروج على القانون. الشيء الذي لم تحسب حسابه ولم يخطر ببالك لحظة، توقيفك على الحدود ومنعك من المغادرة وجلبك موجوداً وإحالتك إلى القضاء ثانية بحجة أن لديك محكمة، تقبّل يدي القاضي وترجوه أن ينظر في قضية إخلاء سبيلك، يخبرك أنك ممنوع من السفر إلى الخارج طوال فترة المحاكمة، وممنوع من تغيير مكان إقامتك، وفي حال اضطرارك إلى ذلك عليك أن تأخذ موافقة المحكمة، التي ستحتفظ بعنوانك الجديد، يخلى سبيلك بعد أن يسجل على إضبارتك محاولة فرار من وجه العدالة. تُسدُّ الطرق بوجهك، ما العمل؟ لن تستسلم للواقع، لا تعترف بفصل جفاف، كل الفصول مطر وخير وربيع. ترتدي أفخر ثيابك وتخرج، تحس بقامتك تعانق الأفق. وأن كل ما في الكون مسخر لخدمتك. روحك الشيطانية رفضت السقوط والاعتراف بالواقع الجديد. تخطط للمجد بعيداً عن معلمك السابق، تمضي يومك في زيارات للمسؤولين ولمكاتب تجارية. تتلقى عروضاً مجزية. خبرتك تؤهلك أن تظل متوهجاً. ستقذف بالنيران كل من يقف في طريقك. فتحت زياراتك دروباً من الرخاء تحلم أن تحققها، كل العروض مجزية، السؤال الذي يخطر ببالك، أيها تختار؟ ومع من تعمل؟
تستعيد بعض نشاطاتك مع عدد من العاهرات. ترفع رأسك تجرب وتحلم. تُشاهد مرة في سيارة «رانج» ومرة في «مرسيدس». أنت في عز نشوتك. الشيء الذي لم تحسب حسابه وغيَّر تفكيرك ولا تعرف كيف حصل؟ كيف صدمتك سيارة وألقت بك مضرجاً بالدماء؟ أيعقل أن لا أحد من المارة استطاع أن يحفظ رقمها أو يدل عليها؟ أحاط بك عدد من الموجودين. يحدثونك فلا تجيب. يرثون لحالك، ظنوك أنك فقدت الحياة، لكن عمر الشقي بقي. نقلتك سيارة إلى المجتهد، فحصك طبيب الإسعاف، وأمر بإدخالك إلى العناية المشددة. اجتمع حولك عدد من الأطباء والممرضين، خاطوا جروحك واعتنوا بك حتى أفقت بعد يومين. في البداية أحسست أنك في مكان غريب، تحسست جسدك فأدركت أنك في المشفى. الممرض أبلغك بما حصل. الشرطي الذي إلى جانبك يطالبك بالإجابة عن أسئلة التحقيق، لتقص عليه ما حدث، أنت لا تتذكر شيئاً من ذلك، وعندما تذكرت بعد أيام كان التحقيق قد حفظ ضد مجهول.
خرجت من المشفى وأنت تتكئ على عكازتين، تمشي خطوة خطوة، تقف ثم تتابع بحيث تحتاج إلى وقت وجهد لتصل إلى مسافة قصيرة. الآن تشعر أن رجولتك ذهبت، وأن عزك انتهى، لا أحد يقبل تشغيلك، تأكدت من ذلك بعد مراجعتك عدداً من المسؤولين كانوا يراهنون عليك. يستحيل عملك كما كنت تحلم، فقد تحولت إلى عاهة، عليك أن تعترف بواقعك، أن لا ترفع رأسك، بل عليك أن تحنيه، ولا تحاول الاتصال بأحد، كلهم بحاجة إلى رجل قوي، وأنت لم تعد كذلك، ما عليك إلا الرضوخ إلى الواقع أو الموت حسرة. جاء من نقل لك مثل هذه الرسالة، ولم تستطع حتى مجرد الرد عليه. سألت نفسك ماذا تفعل؟ تمنيت لو ظلت أمك على قيد الحياة الوحيدة التي ستتمسك بك، تعيش حياة رغد تحت جناحيها، تنسيك آلامك، قادرة أن تطعمك العسل، وأنت قادر أن تلعب الدور الذي لعبته في صغرك بشكل أقوى وأكثر دهاء. أمامك شقيقتك التي ستسافر إليها، هي مشروعك المستقبلي، ستبحث معها مشاريع عمل مشتركة، استقبلتك بالقبل، سعيدة لرؤيتك، تمنت أن تكون رجلاً شهماً، تقارن اليوم بالأمس، تتذكر بعض أفعالك، تسامحك وتكرمك، ثم تسألك عن مجيئك، تخبرها بأن الحياة ضاقت في وجهك؛ ولا أحد سواها يخلصك من فقرك وحياة الذل، تستفسر فتجيبها إنك ستؤمن لها عملاً في العاصمة، يدر عليكما ربحاً وفيراً، لا تفهم قصدك، تشرح ما تريده بقولك: "إن أية فتاة بجمالك قادرة أن تقتات من موائد الملوك!"
بغضب تصيح في وجهك، تطالبك أن تغادر قبل أن تنادي زوجها وأولادها. ترى أنك غريب في بلدك، لن تبقى في قرية سكانها يديرون وجوههم عنك، لم يهتم بك أحد، الصغار الذين لا يعرفونك ظنوا أنك من خارج بلدتهم، تنظر إلى البيوت، إلى الطبيعة وتبصق، تصرّ على انتمائك إلى المدينة، ما دامت القرية لفظتك. تعود و أنت حزين إلى دمشق، وقد تبخرت مشاريعك. تلوم الذين تجاهلوك، تلوم شقيقتك التي طردتك. تثبت أنها من غير ثوبك، تراها متخلفة، متحجرة، تتمنى شقيقة أخرى غيرها نسخة عن أمك. تتخلص من هلوساتك وأنت تحتضن الرصيف، المهربات أمامك، تنادي، تستحث المارين على الشراء.
***
تمنيتِ الموت غير مرة ولم يأتِ، مع أنك تعيشينه لحظة بلحظة، آمنت أنه ليس النعوة أو الحفرة، بل موت الروح حين لا تصمد الأوراق الصفر على الشجرة، تسقط عندما تفقد مبرر استمرارها. تحولت إلى رقم زائد لا معنى له، وحيدة في حزنك، حتى الاختلاط بالآخرين ترف، أحلامك تتراقص بين قدميك، أحزانك تغطيك من شعرك إلى ظفرك، أعضاؤك وجسدك لا تحس بالحياة، أما روحك فقد ذوت، كنبتة ناعمة لفحتها الرياح الباردة. غادرتك ابتسامتك، أنوثتك، أنت الآن فتاة مقهورة مغتصبة بلا شباب وصلتِ سن الكهولة، توزعين دموعك على سلم مأساتك، الذي صار سلمك الموسيقي، دمعة إثر دمعة، تجيدين التناويح. الفرح مطرز بالشوك والعتمة وبالغدر. ثمة غيوم لا تمنح المطر، وريح لا تعزف إلا لحن الوداع. تنظرين إلى هذه الغيوم والريح وتغازلينها.
آمنت بالحب الذي يرتدي أشكالاً عدة، من أول نظرة، من عاشر نظرة، من أول قبلة، من آخر ضمة، يأتي فجأة أو بالاعتياد. تمسكت بالمبادئ واكتشفت المتاهات. الزمن الذي رفع قدميه وتوقف عن السير، جعل الحياة صعبة. هناك العشرات بل المئات ن ويتحولن إلى داعرات وذوات سمعة سيئة، يصير الجسد سيجارة يدمن التدخين، وإذا فرغ التبغ يشعر بالجنون. تعيشين فوضى الحرية، فوضى الرحيل والاستلاب، ومع ذلك تعلمين أطفالك حب الوطن، في ظل هكذا مجتمع كيف يكون اختيارك؟
الاختيار بعد طعنة ضرب من الجنون، ملتِ إلى أشخاص واكتشفت نظرتهم تجاهك، قطعت الخيط الواهي، قطعت علاقتك مع كثيرين جاروك في أقوالك؛ لكنهم في النهاية صارحوك بأفعالهم. خلصت إلى أن لا أحد يستحقك، ربما لو ظل والدك على قيد الحياة هو وعكازته، لما فكرت بالحياة مع غيره، والدك الذي حدثك عن الجولان طويلاً، قال لك: "يا بنتي من يفقد بيته وأرضه يفقد كل شيء."
عكازته ما زالت في بيت حسن ورسمه في قلبك. أنتِ أنثى وعليك أن تبحثي بين الركام عن رجل. الزواج مصير الأنثى! سمعتِ عواء، فإذا به ينطلق من جسدك، دفنه الصلصال ودفن أية رغبة في الحياة، يلزمك زوج تعبرين به الحياة. تكملين نصفك الآخر، ستجربين وستكونين الخاسرة الرابحة، ثمة صبي أو شاب يتغزل بك، عرفت أنه مصطفى من دمشق، تنهض الدموع ويبدأ النزف من جديد. هل أنت على استعداد للتنازل؟
قررتِ التنازل، ومع ذلك تعيشين قلقة، يؤرقك الاختيار. أجلت الخطوبة وطلبت فسحة زمنية، أردت أن تعبري من خلالها إلى داخل الشامي، الذي فرش السجاد تحت أقدامك. أمه حولت الأرض البور إلى مروج وغوطة، ماهرة في إقناعك، وهو ماهر ورفيقاتك ماهرات! جميعهم ينصحونك بالزواج ويذكرونك بالأمثال الشعبية التي تحض على ذلك. محظوظة جاءك الشريك وأنت تمشين على الرصيف، لا يلزمك سوى تقديم التنازلات المستعدة لها. نسيت ذاتك ومبادئك والأهداف الكبيرة التي ناديت بها. في النهار توافقين، وفي الليل ترفضين. نصحتك فرات أن تجربي. ها أنت ذي تجربين، ستذكرين أنه عيّرك بالنزوح. هزك هذا اللقب من الداخل على الرغم من اعتذاره. الآن صرت امرأة المستحيل، خرقت قوانينه وأعرافه، علقت صورة والدك في غرفة نومك، لم تنسي أنه حطمها، حطم كل جميل في حياتك. تبحثين عن مخرج، تستعيدين فيه جزءاً من كيانك.
هبت العاصفة وتحول داخلك إلى غيوم من دخان، غيوم ثقيلة، لحظات زئبقية تجعلك كئيبة وحزينة، زوجك يحبك عارية أو شبه عارية، يذكرك بتفاصيل احتفالات أمه، أصررت على معرفة الكثير عنه، يوماً بعد يوم اكتشفت تفاصيل جديدة مذهلة في حياته، اكتشفت أن هناك طرقاً عدة وعليك أن تختاري إحداها.
تحاولين أن تكوني قوية، لكنك بحاجة إلى مساعدة، بحاجة إلى حماية، بحاجة إلى طبيب يشخص حالتك النفسية، عرضك زوجك على طبيب نسائي لاعتقاده أن مثل هذه التغييرات تصيب المرأة الحامل. أفاد الطبيب أنك غير حامل، ولن تحملي نتيجة تمزقات في الرحم، شرح أسبابها، جاء الفحص وصراحة الطبيب صدمة وقعت على مسامع زوجك، هو بين مصدق ومكذب، طلب إعادة الفحص، أحسَّ الطبيب أنكما في ورطة، لم يحاول أن يصلح موقفه، لم يحاول أن يفعل شيئاً، بل أكد كلامه.

ــ 35 ــ


ها هي ذي الغوطة أحلى مما كانت في عيدها عيد الجوزة. في هذا اليوم الذي يصادف الثامن والعشرين من شهر آب، بحثت الغوطة في أشجارها عن تطريزات رائعة، واستعادت تغريد الطيور والقصائد التي فلتت من أفواه الشعراء تمجد الجمال. الفلاحون يتسلقون أشجار الجوز العالية، يمشطون الأغصان بعصيهم الطويلة. يتراكض الصغار كعصافير الدوري يبحثون عن بقايا حبات هربت مختفية، يعودون ومعهم عشرات الحبات التي تفرّ إلى السواقي أو تحت نبتة أو جانب حجر.
في هذا اليوم القائظ بحث حامد وفرات عن بيت للاستئجار، لتسكن فيه هلا. اختارا بلدة تقع ما بين بيتيهما، ليكون المنزل مكاناً للقائهما. بسهولة وجدا بيتاً مؤلفاً من غرفتين واسعتين وسقف عال، مبنيتان من الطين، سماكة جدرانهما ثلاثة أرباع المتر، في كل حائط تركت أمكنة للمّ الفراش وبعضها خزائن لوضع الصحون، والكاسات غير المستخدمة في المطبخ. لكل غرفة نافذتان خشبيتان واسعتان عليهما قضبان حديدية، لا تسمح بمرور أي شخص، يطلان على أرض ديار تعادل مساحة الغرفتين. فيه بئر ماء وساعة كهرباء وشجرة جوز عالية وشجرة توت فتية ودالية معرشة على أخشاب منسقة. اتفقوا على الأجرة ودفعا مقدماً أجرة ثلاثة أشهر.
بعد أربع ساعات من العمل المتواصل استطاعا تنظيف البيت. نقلا الأثاث والفراش وبدأا بترتيبه. لم يشعرا بالوقت. اقترب منها أكثر، حدثته عن همومها بالسفر،قال:
- هل أنت مقتنعة بسفرك؟
- ليتني لا أسافر!
- وما الذي يدفعك إلى أمر لا ترغبينه؟
- الحياة أقوى منا، لا تعطي بقدر ما تأخذ!
- لقد أعطتك الحياة الكثير، وأعطاك الخالق من الجمال ما لا يوصف، يكفي أنه تمهل في خلقك!
- هل تصدق ما يقوله الأهل بأن الله كان فوق دمشق لحظة ولدت؟
- ولم لا أصدق، فهو موجود في كل خلية فيك!
تصهل الفصول في صدرها خمرة ونشوة وموسيقا وأغنية، عصافير ملونة تنطلق من شفتيها، أغان مرحة تخبئها في حنجرتها. يبدو النهار مميزاً ليس كبقية النهارات الأخرى. ظلا حتى اكتحلت عيناهما بالعتمة. مع تموجات جسديهما تهف رائحة هي مزيج من الأنوثة والحياة. اليوم اكتشفا ذاتهما المتوهجة النابضة بالمحبة. يحلم وهو معها ويحمله خياله إلى جزر وعوالم كلها نور وحب وخضرة، أيعقل أن تسافر؟ ربما تمزح، لم يحس أن ما تفعله محاولة لتتزود بما يعينها على السفر ومواجهة الغربة، تتزود بذكريات تعطيها القدرة على الأمل وتحدي المستقبل.k
تبدو ألوان المغيب على جسدها الناعس الممزوج بالأرجوان مهرجاناً للألوان، بدت في بداية العتمة أكثر فتنة وجنوناً من الجنون، أشبه بتموجات السراب في الصحراء، تطرح كلمات وجملاً بحاجة إلى التأمل، خرجا إلى الزقاق. بلمسة من يدها أعادت شعرها المنفوش إلى الخلف، مسدت عليه ثانية وأخرجت بكلة وضعتها على الجانب الأيمن الذي يهرب إلى الأمام،تناولت رسالته:
«فرات يا شمس يومي وقمر ليلي، وظلي، النجوم التي أعدها، المجرات التي أسافر إليها، العسل الذي اشتهيه، الحضن الذي أحلم بضمه، الوجه الذي لا يفارقني، الشعر الذي يغطيني، الكلمات التي ترن في أذني، الحب الذي يأخذني إلى الخلود، الغد الذي سنكتبه، النبع الذي تتدفق مياهه محبة، الثلج الذي يلون مستقبلي بلونه الرائع. لا شيء يذوي وأنت معي. الحياة رائعة وأنا أرى صورتي في بؤبؤ عينيك، أيتها الآتية من مدينة الأسرار، يا من جمعت البروق والزوابع في صدرك. لو شئت جمع مليون قبلة لما اشتهيتها إلا لعقيق شفتيك وخمرة نهديك. قد أكون وجدت في وجهك ملامح عاشقة، طفلة. اذهبي أنى شئت، ستظل أنفاسك أريجي وعيناك نافذتي، وسأظل حالماً أرفض أن أصحو حتى لا تغادرني الأحلام الرائعة».

ــ 36 ــ


قرر حامد وفرات أن يحملا همومكِ، يظلا إلى جانبك، يستنزفا حزنك، يخلصاك من المستنقع الذي تعيشينه، لتخرجي ثانية إلى الحياة كما قررت. لم تفقدي أملك في الدروب الموصلة إلى النور. تتخلصين من العفونة والأدران وتخرجين معافاة، تمسحين تجاعيد الزمن المر، تجاعيد السنوات الطوال، تلفظين هزائمك، ما زلت صبية في بداية حياتك. البيت المستأجر جاهز للسكن، انتقلت إليه غير بعيد عن منزل صديقتك فرات. غيرت السنون طباعك ونظرتك للناس، وحيدة إلامن آلامك وماضيك وحاضرك. كل شيء يحاصرك. إنك الآن وجهاً لوجه مع الغوطة، فهل تقسو عليك أو تفتح صدرها تحتضن امرأة فجعتها الحياة في أغلى ما تملك أنوثتها، زوجها، حبها للأطفال والمستقبل؟
تهب النسمات الحارة على وجنتيك. قدماك لا يساعدانك على المسير، ومع ذلك قررت أن تصلي مشياً برفقة فرات وحامد، تنظرين يمنة ويسرة تطالعك الأشجار السامقة بحكايات غريبة، ستظلين وحيدة في البيت معزولة عن العالم، عيناك تمد السحب وزفراتك تهيج الريح. أتحتضن الغوطة امرأة هاربة من المدينة والناس؟ كان بودك أن تتعرفي الغوطة وتسكنيها وأنت في عزِّ قوتك، في غير هذه المناسبة. لم تعرفيها إلا من خلال ما قرأته في الكتب وما سمعته من الناس. كم مرة قصدتها للنزهة وعشت ساعات كلها مرح وسعادة، تحدثين من يصادفك عن فرحك وإعجابك، تعبرين عن ذلك بقولك: يا ألله ما أجمل الغوطة، إنها فاتنة حقاً!
لم تفكري أنك ستقفين والغوطة أمام المحكمة. أي شيء يمكن أن تفكري به إلا خصامك مع الجمال. يوم أخبراك أنهما وجدا لك بيتاً من بابه، فرحت وكدت تطيرين لسرورك، وصلتِ البيت وفتحت الباب الخارجي، دخلت الغرف والمطبخ، ذكرتك الغرف الواسعة ببيتك في الجولان، الذي لا يحق لك العودة إليه ولا زيارته.
لقد قررت أن تزوري أقاربك وعلى ذراعيك طفل يتخاطفه أعمامك وأخوالك، يقبلونه. أما زيارتهم وأنت مطلقة وحولك إشاعات، فهذا لا يشرفك ولا يشرف أخاك. منذ اليوم الأول لدخولك إلى المدينة، قررت أن لا تفسدي حياتهم بما تتعرضين إليه من آلام، يكفيهم الفقر والنزوح الذي يعيشانه. بت وحيدة. لم تنمي إلا دقائق في الليالي الأولى لسكناك. تنتظرين تباشير الفجر، وأنت تراقبين هروب العتمة وتزايد النور وانحراف الظل وابتلاع قسم منه، ثم كيف يتمرد ليأخذ مكانه بعيداً في جوار البيوت والأشجار والأماكن الخربة؟ رؤوس الأشجار تحركها النسمة، منتصبة كالديك الذي يضع منقاره في الماء ثم ينظر إلى السماء.
ترددت إلى بيتك امرأة. لم تجد الاستقبال اللائق، حدثتك عن الشائعات التي تدور حولك، وعن دخول رجل وامرأة إلى بيتك، وبعد شرح مستفيض نصحتك بالزواج من أحد رجال الحارة، لم تصدق شيئاً من قسمك، ومن موقفك من الرجال، لم تصدق أنك لا تفكرين بالجنس، وأنه لم يحتل من تفكيرك شيئاً، الأمر الذي وقفتِ أمامه حائرة وضعيفة عدم قدرتك على الدفاع عن الصداقة، وإن صداقتك لفرات وحامد بريئة. هددتك باختيار أحد الحلين، إما الزواج أو الرحيل. وقبل أن تغادر وعدت أنها سترسل أحد الرجال ليتفاهم معك.
عصراً قرع بابك رجلٌ تبدو عليه الفوضى والارتباك، تخلص منهما بطلب المستحيل، أرادك زوجة تظللين عليه بعطرك وأنوثتك وشفافيتك، تمادى أكثر عندما تأكد لـه رفضك، اقترب ولمسك، لم تستطيعي السكوت، صرخت وطردته، هددك بالطرد من الحارة إذا لم تذعني لوقاحته، كل من في الحارة يحكون قصص دعارة أبطالها ثلاثة. ذات صباح دخلت نسوة إلى بيتك، رمين فراشك وأثاثك في الزقاق، عند مرور حامد وفرات تلقيا مزيداً من التهديدات والتعليقات والبصقات.
أحضر حامد سيارة نقل، وضع فيها الفراش والأثاث وتوجه إلى بيته، فرات تناديك: «هيا يا هلا إلى بيتي» ذهبتِ معها، قليلة الحيلة، الصداع يصرخ في رأسك والألم ينهش قلبك وصدرك، رافعة راية ممزقة ومهزومة. دموع مقهورة تهلّ من عينيك، جففت دموعك، بينما ظلت دمعة واقفة فوق أختها ملتصقة بها، فبدت أشبه بلؤلؤة.
أعلنت الغوطة الحرب عليكِ، لا حياة لك فيها، لا صلح بينكما. أيعقل أن الغوطة التي أحببتها وتكنين لها كل حب تطردكِ ولا تضمك إلى قلبها؟ الآن تتذكرين كلمات حامد كيف أنها جميلة ورائعة من الخارج، تظل في الخيال رمزاً للجمال والحياة شريطة أن يظل بعيداً عنها.








رد مع اقتباس
قديم 05-04-2016, 11:08 AM   رقم المشاركة : 18
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


غرباء منتصف الطريق


القلق ينهش صدرك والوسن يفارقك. تظل عيناك مفتوحتين. في ساعات الصباح الأولى تنامين حتى الظهيرة، لتبدئي بعدها المعاناة، تذوبين وتذوين كالشمعة مع اقتراب نهاية فصل الخريف. تحسين بالرطوبة، القشعريرة تسري في جسدكِ، تلزمك مدفأة وبطانية أو أكثر. حالتك تزداد سوءاً، يشفق عليك حامد يدعوك لزيارة أخيك وإمضاء فصل الشتاء عنده، تحركين السبابة علامة الرفض. يقترب منك ليسمع صوتك الواهن:
- لست بحاجة إلى أخي أو إلى أي مخلوق إذا لم تتخل عني، عندما تقرر أن تتخلى اقتلني، حياتي دونك بلا معنى، اقتلني قبل أن تقرر تركي! فأنا امرأة لا فائدة مني، لا أحد سيحاسبك، إن شئت سنتفق على طريقة الموت، فأنا حريصة أن لا يطالبك أحد بدمي.
- أنت تهذين يا هلا، ما زلت شابة، أين شجاعتكِ؟ لماذا تطلبين الموت بدل أن تبدئي حياة جديدة؟ الموت يا عزيزتي بعيد عنك بعد السماء عن الأرض.
- الموت رحمة لإنسانة مثلي، أتمناه في كل لحظة. لا شيء بلا نهاية، لا شيء يستمر إلى الأبد، هذه نهايتي، إنني احتضر.
كلماتُكِ تؤلمه. يتشاور مع فرات فيما يجب عمله. إنك تحتضرين بحق وتحملين كفنك. صرت ذكرى لماض مؤلم، ماض ملوث فُرض عليك، ولا يد لك في صنعه. الذكريات تقتلك، تملكين حضورك في كل الأوقات، ها أنت تتألمين، تسعلين، دائمة الشكوى والأرق، يمزقك عذاب داخلي، جسدك لا يحس بالحياة والحرارة بل بالبرد والألم، كل شيء إلى زوال. تساءل حول قدرتك على تجاوز آلامك. أقررت بضعفك مع أنك ارتحت من اثنين، من مغتصبك ومن زوجك. يفترض أن تكوني قوية، بعد أن باتا ضعيفين. طلقك مصطفى وكان الأجدى بك أن تطلقيه، لو كانت العصمة بيدك، احمدي ربك على حريتك، فيوم واحد في شوارع دمشق أفضل من عمر بين أربعة جدران في بيت كله عفونة.
عشت وحيدة، لم تنسي الجرح الذي نزّ صديداً. غريبةٌ أنت، فهل هناك غربة أكبر من غربتك في بيتك ومدينتك؟ أكدتِ على ذلك غير مرة بقولك:
- ما أتعس أن يولد الإنسان بلا حقوق في اللحظة التي يرى فيها النور. أخبرتني أمي أن والدي كشر عندما عرف أن المولود أنثى. أسماني هلالة لأحمل النور والحب، لن أنسى ذلك، مع أنه ربما بنظره غير ذلك، أنا فخورة أن يختزل اسمي هذه المعاني الرائعة، خاصة عندما يكون القمر في أشد حالاته عشقاً للضوء.
سالت دموع فرات وهي تسمعها، حامد رجاك أن يبلغ أخاك رفضت وقلت:
- لا يا حامد لا أريد أن يراني بأضعف موقف مرّ عليّ في حياتي، سيسألك عن مرضي، عن زواجي وطلاقي، لا أريد أن أفجعه بأخته التي أحبها ومنحها كل ثقة.
تصرخين، تهذين، تعصبين رأسك وأحياناً تضربينه بالحائط علّ الوجع الخارجي يخفف من الألم العصبي الباطني. لكن ما أردته لم يتحقق، بل ازدادت حالتكِ سوءاً، ترتجفين من البرد والرطوبة، تتغير ملامح وجهك وقسماته، تبدين أكثر قساوة، تضعين رأسك بين يديك وتبكين.
ترفضين الذهاب إلى الطبيب. ما زلت تذكرين موقف الطبيب النسائي، الذي بدأ يشرح أشياء لا تريدين سماعها. لم تؤكدي أو تنفي أنك أجهضت سابقاً، اعتبرت أن حياتك الزوجية انتهت. التزمت الصمت، تركت زوجك مع الطبيب، وعدت وحيدة إلى بيت فرات بانتظار أن تجد لك سكناً مستقلاً.
ــ 37 ــ


بدت السماء صحراء تتقاذفها كتل متصارعة، تحاول التخلص من نزيفها، تجد ذاتها أسيرة المزن، تضج المجرات بالتصفيق. اقتحمت الريح المحملة بالرطوبة الفضاء، بوادر أكيدة لتغيير الطقس، دفعات قوية من الريح جمعت الغمام فوق دمشق. بدا أن المطر سيهطل بين لحظة وأخرى. سحابات فضفاضة تلمع أنوارها في السماء، بروق تخطف الأبصار ورعود تدوي كمدافع العيد. غادر حامد وفرات بيت هلا على أمل عودتهما عصراً، لحظات من الترقب تلاها انهمار مطر غزير. ازدادت البروق والرعود. عادت الأحلام إلى ذاكرتها. ما أشبه اليوم بالأمس. قرأت من دفتر صغير فيه بضع وريقات عن مذكرات والدها عن ليلة ميلادها الشبيهة بهذا الجو:
"في ليلة عاصفة ماطرة، لكثرة برقها ورعدها ظنت زوجتي أن القيامة حدثت، ومما زاد الأمر سوءاً الصواعق المدمرة التي أحرقت إحداها شجرة الخروب المعمرة القابعة على مقربة من بيتنا. في تلك الليلة ظن سكان الجولان أن السماء ستنطبق على الأرض، فارتفاع أرضها وانخفاض السحب ينبئ بذلك. خمنت أن ذلك نتيجة غزل بين النجوم، خفت من سقوط نجم أو شهاب، فعدت ولم أكمل مشواري إلى بيت القابلة، توقعت حتى في حال وصولي أنها لن تحضر، لن تغامر وتجيء بمثل هذا الجو. تهتز جدران البيت متواترة مع التماعات البروق المتتالية. تصيح زوجتي طالبة القابلة. وأنا كلما توكلت ووضعت قدميّ على عتبة البيت أحس أن شيئا ًمن السماء سيسقط عليّ!
الكواكب تتصارع وليس لديّ القوة لإيقاف صراعها. الأرض تميد، ما هذه الليلة؟ وما هذا المطر المنسكب؟ أهو دموع سكان كواكب ومجرات أخرى؟ أهو فرح أم شؤم؟ ظللت أخرج من بيتي لا أبتعد كثيراً، ثم أعود إليه، هكذا أمضيت ليلتي أحوم حول زوجتي التي ستلد بين لحظة وأخرى. قبيل الفجر نادتني لأساعدها في الولادة. كزت على أسنانها وشدت على يدي، أطلقت صرخة تلتها صرخة المولودة. حمدت الله أن الليلة مضت على خير ولم تجرفنا السيول والعواصف، أو تطبق علينا السماء. كفت السماء عن المطر في تلك اللحظة، وتوقفت الرياح عن الهبوب، أشرقت الشمس وبدا كل شيء مبتهجاً. ودّت لو تزغرد، جاراتها زغردن، سألنني عن الاسم الذي أختاره فأجبت: "هلالة."
صباحاً ذهبت إلى المختار وأنا أحمل بيدي الحلوى وليرة سورية، أخذت وثيقة ولادة باسم هلالة بنت زكي جودة، من يومها توقعت أن الدنيا ستبتسم لنا!"
تتذكر والدها، تتألم، تتناسى واقعها، لابد من استمرار الحياة. ذات صباح أحست بصوت ناعم يناديها ويختصر الحرفين الأخيرين، كان هذا صوت فرات التي استعذبت أن تناديها «هلا». وقفت مبهورة، ابتسمت لصديقتها التي تفاجئها بكل جديد ورائع. من يومها لا أحد يعرفها إلا بهذا الاسم، فرحت للذكريات المستعادة. ما أحزنها زواجها غير متكافئ، وردة تقترن بشوكة، لم يتركها إلا جثة، نهضت من قبرها تنشر فرحها وكلماتها في الغرفة والشارع. نسيت حديث الموت الذي جاءها وهي غافية، تسلل على هيئة كهل يرتدي ثياباً بيضاء، اقترب منها ليستل روحها، تمسكت بيده وعضتها. الموت شيء فظيع يتلبسها، لا يقبل المهادنة، لا يفهم أية لغة ولا يسمع الأنين والشكوى، ولا ينطلق إلى حيث يجب أن يذهب. تهذي وتنادي حامداً؛ تطالبه بدفنها وقراءة الفاتحة، ثم تتابع حلمها، تفتح عينها وتخاطب عزرائيل: "أعرف أنه لا يرضيك أن تموت فتاة بعمر الورد ويبقى مغتصبها يتنفس الهواء ويمارس الدعارة، يستنشق هواء دمشق الأثير على قلبي."
تستغفر ربها، تفيق من نومها، لا ترى من المدينة إلا رموزها وأبشع ما فيها علها تشفي غلها. الكلاب تنبح والمجاري تصب في بردى وزفير السيارات يغطي السماء. يرى الناس عري المدينة، لا تغريهم الحياة فيها، قاسيون بلغ الشيخوخة، هرم بسرعة مع أنه ترك العمل السياسي. أين قوته التي استمدها من انتسابه إلى أجداده؟
الأمطار تواصل هطلها، والقلب يحاول التلاؤم مع هذا الفيض من الماضي والحاضر. فمها يدندن بأغان رقيقة، ينطلق المرح من حنجرتها. الأمطار تغسل الشوارع، تجرف الأوساخ. أحست أن شيئاً ما في داخلها يحاكي ابتسامة السماء. زحفت على يديها، تحاملت على نفسها، قامت تراقب الهطول، الأمطار تثرثر وفي صدرها عصفور يغرد، فتحت الباب، شيء رائع أن يستمر المطر، يخلص الناس من عفونتهم. السماء تفتح فاها، الأمطار حبال متصلة ما بين الأرض والفضاء. يستمر المطر في الخارج، يرتفع مستواه في الشوارع، تزداد القطرات حجماً وكأنها هاربة من غربال فتحاته واسعة، هذا الحبل المتأرجح يصعب أن يكون مستقيماً بالمقاييس العلمية، لابد من تقوسه. الرياح تتلاعب بالقطرات، ودت لو تعيدها إلى عنصريها. يزداد الهبوب ويضغط أكثر فينحني الخط أو يتعرج، وقلما يستقيم، يعاكس القطرات ويداعبها، فترقص حانية هامتها في محاولة لتغيير مسارها، وتغيير بعض البديهيات. الهبوب يصاب بالدوار والإغماء يتوقف ليعود الخط الواصل بين القطرات مستقيماً أو أقل انحناء من قبل.
انشرحت أساريرها لافتراضاتها. حلقت في الجو كالطيور المهاجرة التي تكتشف تبدلات الطقس. ازدادت كمية الأمطار المنهمرة. مشت المياه في الشوارع، مع ازديادها ارتفعت وغطت الرصيف ومنه إلى قبو البناية، سمعت أصوات بقبقة البلاليع تلاها توقف المصافي التي تؤدي إلى التمديدات الخارجية، ثم ارتفاع الماء في الغرفتين والمطبخ. رفعت حصيرة البلاستيك والبساط اليدوي المعمول من بقايا الألبسة، وكل ما كان على الأرض وقعدت على السرير. هل هذه نهايتها أن تدفن بين القطرات؟ تخلصت من هواجسها. تراقب الماء الذي يرتفع ولا يفصل بينه وبين حديد السرير سوى سنتمترات، فكرت أن ترفع أرجل السرير، قد لا تستطيع وحدها أن تفعل ذلك. فجأة أحست بقوة تغزو جسدها، وشيء ما في داخلها يدفعها أن تتحرك. جاءت بعلب فارغة ووضعتها تحت الأرجل، لكن ما إن قعدت عليه، حتى عاد إلى وضعه السابق، انثقبت العلب. المياه تكاد تلامس الفرشة أو هي لامستها. هل تنضح الماء؟ عدلت عن ذلك فالكمية المتسربة أكثر بكثير مما ستمتحه، هل تصرخ أو تتمدد على السرير وتدع المياه تغمرها وتكون نهايتها؟ لن تستسلم حتى لو ثقبت الحائط الملاصق للمنور. شعرت أن روحها غالية، وأن الحياة جميلة، لن تختار الموت بإرادتها؛ بل ستجاهد من أجل الحياة. نسيت ماضيها وآلامها وضعفها، لابد من فعل معجزة، تناولت مدقة الثوم بيدها وابتسمت، إنها أقوى من الموت، بدأت تدق الجدار دقات قوية لكنها غير مؤثرة. في هذا الوقت سمعت صوت اختناق في المصافي، كأن شخصاً ما فقد تنفسه. نظرت حولها، وقعت المدقة من يدها، تجمدت مكانها ولم تعد قادرة على الحركة. ارتفع صوت كالصراخ عالياً. صرخت ووضعت يديها على عينيها، شعرت بشيء يتحرك. فتحت عينيها، فإذا المياه التي ارتفعت إلى الأعلى يهبط مستواها وتركض باتجاه البالوعة، بينما تتصاعد الفقاقيع، وما هي إلا دقيقة أو أكثر حتى تدفقت المياه. زغردت في عبها، حمدت الله وشكرته، شطفت الغرفتين ونظفتهما، أشعلت الحمام لتستحم. الحبال في الخارج تتراقص، القطرات تشكل دوائرها في البرك، نشفت يديها ودستهما في صدرها، شعرت بالدفء والحيوية.
كم كانت متعلقة بالحياة. ما أشبهها بيوم كانت صبية في الثانوي. وردة عاكست الريح، أثبتت أنها قادرة على العطاء. الأعاصير لم ترحمها، من يصدق أن فتاة كانت تتمنى الموت، رفضته في آخر لحظة. ها هي تضع رأسها على الوسادة تبكي، تريد أن تتخلص من دموعها وأحزانها، لا وقت إلا للفرح، بللت جزءاً من اللحاف بدموعها الغزيرة، إذ تتحول الدمعة إلى ساقية، تنشر اللحاف وتجففه. الشمس تهرب بعيداً عن القبو، الرطوبة تعشش في أطرافه وتؤدي إلى آلام في المفاصل وأوجاع في الرأس، الآلام تخترق الجمجمة وتتركز في أعلى الجبهة وجهة الصدغين، وأحياناً ينتقل الألم على شكل ومضات إلى مؤخرة الرأس. جاهدت لتتخلص من هذه الحالة، الأدوية غير مفيدة، البكاء والأدعية لم يفلحا، الأوجاع تزداد وفي لحظة تنزف نقاطاً حمراء من أنفها، فتشعر بالارتياح وتنام.
أين فرات وحامد لتزف لهما فرحة انتصارها على ضعفها وخنوعها، هل تقعد وتنتظرهما؟ لن تدع الفرحة إلى الغد، في الصباح عليها أن تخرج وتبدأ يومها. الليلة سيسهران عندها. ستذهب وتحضر ما يلزمها من السوق الآن، ما دامت قد انتصرت وطحنت همومها وذرتها مع الرياح والغمام. حتى بيتها اغتسل واستحم بمياه المطر. عاد قلبها ينبض، وعادت إليها المدينة رائعة.
ذهبت إلى سوق الهال، تفاجأت بالأسعار، كل شيء ارتفع سعره، اشترت ما أرادت من خضار وفواكه ولحمة، اتجهت إلى العمارة وأخذت كيلو موالح وبعض المرطبات. حامد وفرات في عالم آخر، يتساءلان عما يفعلانه في حالة وفاتها، متأكدان أنها لن تعيش طويلاً، وربما نهايتها على يد الأمطار والريح، قبل هطول المطر بربع ساعة غادرا بيتها. تمنت لو كانا موجودين ليفرحا لفرحها. ترى أين يكونان؟ هل تذهب إلى بيت فرات لتفاجئها وتحدثها عن المطر الذي روى أغصانها وأوراقها وجذعها. تبتسم مثل كل الفتيات اللواتي بسنها، عليها أن تنسى، أن لا تفكر بشيء قبل أن تحضر ما تحتاجه ثم تعود إلى البيت. إنها جادة في أن تبدأ حياة جديدة، تعود إلى التدريس وإلى رفاقها وتستلم المهام الصعبة. ستدعوهما إلى بيتها لتناول الطعام، ليكونا الشاهدين على بداية مرحلة جديدة، ستزور بيت أخيها، ولن تقبل أي زوج يتقدم لها. لفت في مكانها، وضعت بعض المساحيق على وجهها، فتحت المذياع، تفتح ذراعيها وترقص، المطر في الخارج والدفء في صدرها وأضلاعها، قوة غريبة تدفعها إلى الحياة ثانية بشكل جديد.
رمت العصا التي تتعكز عليها، الآن ستمرح بعد أن تغيّر كل شيء داخلها. تخلصت من الدخان الأسود الذي غطى الرئتين. ستجرب الخروج ومدى قوتها وقدرتها. تسمع وقع قطرات المطر، تضرب بعض حباته يدها الممدودة ضربات خفيفة. تصعد الدرج، واجهتها الرياح التي تلملم قوتها وتعصف، تبعثر القطرات في حركة راعفة راقصة. الطيور هاربة من برد هذا اليوم وأمطاره. راقبت حركتها تأكدت أنها ذاهبة للقاء الشمس في مكان آخر وفي زمن آخر. رفعت يديها إلى السماء وهتفت: "ما أكرمك أيتها السماء! كنت بحاجة إلى مائك منذ سنة، وها أنت غسلت كل شيء."
لكل شيء في هذه الحياة وقع وإيقاع، الزمن المر، الموت، الحياة. تنظر إلى الأعلى، تغازل الأمطار والغيوم التي تتسابق في الجو وترطب وجه السماء، كل ما فيها فرح. لقد قرر الزمن أن يمضي، عليها أن تصعد في إحدى المقطورات، وتنتقل من واحدة إلى أخرى حتى تصل إلى القيادة. عليها أن تقود قطار الزمن. المذياع ينقل صوت أم كلثوم «القلب يعشق كل جميل». ترفع صوتها مع الأغنية وهي تتساءل: «ماذا بقي من العمر؟»
كانت قد نسيت الزمن والأوقات والأيام، الشيء الذي تحسُّ به تقلب الطقس، دون أن تعرف سبب ذلك ولماذا حصل؟ كل أوقاتها ظلام، العتمة تستر المكان وتغلف عينيها غير قادرة على النهوض إلا بمساعدة عصا. تذهب إلى دورة المياه وتعود. الليل كعادته مليء بالمعاصي، لكنها باتت تدرك بحسها العفوي الطبيعي، بأن الذين يعصون في النهار هم الأقوى. خطيئة الليل ربما موعد غرام لقلوب تنبض بالحياة وتطمح للتجديد. استنهضت ذاتها وشدت من عزيمتها، لن تعود إلى الصمت ثانية، ولن ترهب الموت ولا أي أحد، منذ هذه اللحظة ستجلس فوق قاسيون تراقب الريح والمطر، تحصن نفسها وتنتظر مرور الأشرار لتقول لكل منهم إنه مخطئ. ستظل تحمل الشمعة أنى ذهبت، يتراقص ظلها على الضوء وهي سعيدة، في صدرها من يخبرها أن من يحمل النور يصعب عليه أن يحمل الظلمة والظلم.
نظرت إلى ساعتها إنها الساعة الثانية، الوقت قبيل العصر، السحب ما زالت تتلاقح، تتبرج دون أن تتخلى عن قطرة، الغمائم مغردة ومشرقة، حركاتها بهلوانية تدفع دموعها إلى الأرض، وتخلص السماء من الغبار. الريح تداعب الأشجار، تصفر وهي مصرة أن تخرج، إنها تعرف المدينة شبراً شبراً، ستعود إلى مدينتها التي يغسلها الحب والمطر.
عاد حامد وفرات وهما مصممان ألا يتركاها وحيدة، يتداورا النوم عندها، يخدماها وإذا احتاجت إلى إسعاف أو نقل للمشفى تنقل. طوال الطريق يحسبان ألف حساب، هل ما زالت على قيد الحياة؟ أين يضعانها إذا توفيت وفي أية مقبرة يدفنانها، اقتربا من البيت، شاهداها وهي تقف على الرصيف تحت الأمطار، تساءل حامد: أيعقل أن تكون هلا؟
أجابت فرات: تركناها تحتضر! ربما امرأة تشبهها!
- يصعب أن نجد امرأة تشبهها! إنها هلا، إنها تركض اتجاهنا وتنادينا!
ركضت كالظبية، أخذتهما بالأحضان وهي ترحب:
- هيا تفضلا لقد وفرتما عليّ مشواراً إليكما، ستسهران الليلة معي حتى الفجر.
سارا خلفها غير مصدقين ما يحدث، أهي معجزة أم ماذا؟ فرات تهلل فرحة، تردد كلمات وآيات دالة على قدرة الله، دخلا إلى بيتها، إنه نظيف ومرتب والمطبخ مليء بالخضار والفواكه.
- كنا ندعو الله أن ينجيك من الموت.
قالت فرات وهي تحدق إلى صديقتها. نظرت هلا إلى صديقيها وأخبرتهما:
- خسىء الموت! هذا المطر جاء ليعيدني إلى الحياة من جديد، منذ الغد سنذهب سوياً إلى المدرسة، لقد اشتقت للتلميذات، اشتقت للشوارع، للهواء، لكل شيء.
- كنا نبحث في أمر بقاء أحدنا هنا ليرعاك!
أجابت حامد:
- وأنا أيضاً بحثت في هذا، دفنت الحزن، أنا اليوم أقوى من أي وقت مضى، وسترى يا صديقي الذي لن أنساك طوال عمري، لن أنسى مساعدتك الرائعة.
نظرت إلى فرات وتابعت: "كفانا مجاملات، هيا معي لتحضير المائدة."
شدتها من يدها وهي تشير إلى المطبخ. بينما طلبت إلى حامد أن يحضر موقد الفحم لشيّ اللحم. اختلط ضحكهم ومرحهم بدوي إطلاق الرصاص في الخارج، ركضتا إلى حامد وتكومتا بجانبه، سألتاه: ما هذا؟
قال وهو يمازحهما: ثمة في الخارج من يحتفل معنا! سأخرج وأرى ما حدث!
وضع كل منهم يده على قلبه. حاولتا منعه من الخروج. لم يقتنع بكلامهما، بل فتح الباب بحذر وصعد الدرج. غير بعيد عن باب القبو رجل ممدد على الأرض والدماء تنزف. اقترب منه ودقق النظر إلى وجهه، إنه الصلصال! شهق من هول المفاجأة، ما الذي جاء بالصلصال إلى هنا؟ أجاء يلاحق هلا أم هي المصادفة؟ سأل الموجودين عن الحادث، أحدهم قال:
- رأيت اثنين أطلقا النار عليه من سيارة مسرعة.
- ألم تأخذ رقم السيارة؟
- حصل ذلك خلال ثوان.
وصلت سيارات شرطة النجدة وسيارة إسعاف وسيارات أخرى إلى مكان الحادث. اجتمع الناس حول المصاب. أبعدتهم الشرطة التي ضربت طوقاً. الضابط المسؤول أمر سائق سيارة الإسعاف بنقله إلى المشفى، فتحت السيارة بوقها ومضت تقطع الشوارع باتجاه الجنوب.
عاد حامد مضطرباً. تجاهل أسئلة فرات وهلا. قرر الاحتفاظ بما عرفه في صدره وإبعادهما عن هذا الحدث، قال: كل ما عرفته أن اثنين أطلقا النار وهربا في السيارة التي معهما.
تابعوا الغناء والرقص. لم يعد مسروراً بمتابعة السهرة. وجهه يصفرّ ويسودّ. قبل منتصف الليل غادر تاركاً الفرح خلفه. ترى من وراء إطلاق النار؟ عشرات لهم المصلحة بقتله، منهم معلمه السابق ومهربون أخذ بضاعتهم ولم يسدد لهم ثمنها، تجار أخذ منهم عربوناً لبضاعة مهربة ولم تصلهم. تخلص حامد من ظنونه وهلوساته واتجه إلى المشافي يسأل عن مصير الصلصال، الذي أدخل العناية المشددة في مشفى المجتهد. ظل يزوره حتى قيل لـه إنه بدأ يتعافى. سأل الشرطي المكلف بحراسته عن وضعه، أجاب: "إنه في بداية وعيه، يهلوس ويقول كلاماً غير مفهوم حفظت منه الجملة التالية «هلا قتلتني!»"
لف أحياء المدينة القريبة والبعيدة لاستئجار شقة. عاد مسرعاً بسيارته لنقل سكنها إلى الشقة المستأجرة. هلا سعيدة في سكنها الجديد، شقة مضاءة مساحتها ستون متراً مربعاً في الطابق الثاني، إطلالتها على جهتي الشرق والجنوب، تغازلها الشمس طوال النهار، كل شيء فيها يغرد. مشتاقة للحياة، للعمل، تركض، تقطع الشوارع قفزاً وعدواً، تفتح ذراعيها للصباح، تقف أمام المرآة تلون شفتيها وتغطي وجهها بالكريمات والمساحيق، ثم تزهرّ وجنتيها بالكرز، فتبدو جذابة ورائعة، توزع ابتساماتها، تشعر أن جسدها خفيف، وأنها بنحافتها صارت أكثر مرونة ورشاقة. يوماً بعد يوم يعود الصفاء لروحها. تتحفز للحياة، تتأمل شعرها الذي طال أكثر مما يجب، ستذهب إلى صالون الحلاقة خلال اليومين القادمين. تفحصت بشرتها، كل ما فيها جذل. تستعيد قوتها وشبابها، تحقق ما تريد تحقيقه. تعتقد أنها الآن أكثر حيوية. الأحزان تهرب، تغادر جسدها، صحراؤها نخيل وواحات، أشجارها ذات ظلال وثمر وأنهارها عسل، كل شيء يدعو للمرح. البادية تخضر والأمل يعاودها، كل شيء أخضر حتى عقمها لم يعد محيراً، داعبها حامد بقوله: "أنت لست بعاقر يا هلا، المرحلة فرضت ذلك، لقد أثبت ماضيك غير ذلك، غداً بطريقة ما، بعملية ما تتخلصين منه."
هل ستأتيها الأتراح بعد الآن؟ ستظهر بأناقتها التامة وثيابها العصرية وعطرها الهادئ. الأطياف تتراقص على شفتيها وهي تجمع أحزانها في بقجة وتذروها للرياح، لقد حققت ما أرادت، السكن والصداقة والعمل. فتحت ذراعيها لنسمات الربوة، للشوارع، ومضت إلى مدرستها تستعيد حياتها وكيانها.
ــ 38 ــ


فرات استلمت جواز سفرها وعليه تأشيرة مغادرة. لقد باتت مستعدة للسفر، عليها أن تبرق لأخيها ليؤمن لها تذكرة الطائرة. لديها حلم قديم، لهفة لتحقيقه، أن تصير فنانة تشكيلية. تعد الأيام الباقية لوجودها. لديها أمر لا تعرف كيف تؤديه قبل سفرها، هل تذهب لوداع صديقيها؟ أم أن وداعهما سيذكرها بأشياء تفضل أن لا تتذكرها قبل سفرها. ثمة شيء تخافه، تجهله. ماذا تقول لحامد وكيف تودعه؟ بماذا ستجيبه إذا سألها عن الخطوبة والوعود الذهبية؟ هل تستطيع حبس دموعها؟ إنها في غنى عما سيسببه ذلك من آلام. ستكتفي برسالة إلى صديقتها تشرح فيها ما تعجز عن قوله مباشرة، وهي آخر ما ستقوم به قبل توجهها للمطار.
الصديقة هلا:
الوداع يضعني في أصعب المواقف أمام صديقة هي جزء من روحي. أكره لحظة الفراق، وما تسببه من فيض في دموعنا. أنا على أعتاب حياة جديدة، لا أحب أن أبدأها بالدموع. من مكاني أطبع آلاف القبل على شفتيك وخديك وكل مكان في جسدك الطاهر. إلى أجمل هلا في العالم أزف خبر سفري وأنا على وشك مغادرة القطر. لقد لبى أخي سمير ما طلبته. قبل ظهر هذا اليوم ستقلع الطائرة. عندما تستلمين رسالتي أكون قد وصلت إلى ألمانيا. قد تعتبين، معك حق، لكن قلبك الكبير سيغفر. بصراحة لا أريد لأحد أن يثنيني عن السفر. لا أحب السحب تغطي مساحة وجهك، تدفعك إلى ذرف عصارة قلبك، يكفينا ما ذرفنا. التمس العذر لتصرفي، فأنا أحبك أكثر من أي شخص آخر حتى لو كان أقرب الناس إليّ. لا أشك أنك امرأة قوية، قادرة على إثبات ذاتك وتحقيق نجاحات على الصعيدين الوظيفي والشخصي، ولو كنا مثلك لكان المجتمع بلا عقد ولا مشاكل.







رد مع اقتباس
قديم 05-04-2016, 11:08 AM   رقم المشاركة : 19
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


غرباء منتصف الطريق


في هذه اللحظة تتزاحم في مخيلتي بعض الأحداث، الماضي والآلام تصطف. أحاول جاهدة إبعادها والغوص في الحاضر. لن أنكر أن حامداً كان شهماً ورائعاً. حاولت أن أحقق رغبته، أن نعلن خطوبتنا، لكنني اكتشف أن حبنا كالحمل العنقودي، وأن ما يحدث أكبر منا. ليعذرني على الرغم من أنني أحببته في يوم ما من كل جوارحي. أما أنت يا مهجة القلب، التفتي إلى ذاتك ولا تضيعي وقتك في المراهقات السياسية. تدافعين عن شرائح لا تقدر المرأة، بل تدينها. لقد تناقشنا في هذا الموضوع وكنا على طرفي نقيض. أحترم رأيك لكنني أنصحك أن لا تحاولي حرق المراحل التاريخية، حتى لا تكوني وقودها.
أنا لم أخبرك أن ابن خالتي تقدم لخطوبتي، أمي وأعمامي وأخوالي موافقون، أخاف أن يجبروني على الزواج منه وأنا لا أحبه، ولا أطيق رؤيته، وهذا ما شجعني على السفر، كما أن أخي أخبرني بأنه سيتحدث مع ابن خالتي بعد وصولي وينصحه أن يخطب فتاة تحبه. لن تكون هذه إلا مقدمة لرسائل قادمة، بعد أن استقر ويصير لي عنوان سأراسلك.
مع المحبة
فرات
قرأت الرسالة مرات وتساءلت إن كان ما يحدث هو الصحيح، وهل السفر هو الحل؟ كيف ستواجه حامداً؟ لقد وضعتها في موقف لا تحسد عليه. تعلم مدى حبه وتعلقه بها. لماذا عليه أن يدفع ثمن حبها وبعدها؟ ثمن إخلاصه؟ لماذا تضعه وحيداً في مواجهة الحياة؟ مواجهة الحقيقة العارية. لماذا تكسر أغصانه وتحطم كل جميل؟ ما فائدة العتاب وفرات بعيدة آلاف الكيلومترات! في بلد لا يمت لماضينا بصلة ولا بحاضرنا.
سيأتي حامد بعد قليل، سيأتي وفي نيته أن يجدها، أن يجد الماء العذب الرقراق، أن يجد خصب العالم بين يديه. كيف ستتصرف وماذا تقول إليه؟ وكيف سيكون رد فعله؟ كان الله في عونه أمضى حياته ينتظر كلمة الموافقة. وعندما لانت وكان من الممكن التصريح بها، هربت وطارت أشبه بالحلم، بالحكايات. ها هو ذا قادم، طرقة الباب طرقته. خبأت الرسالة تحت الوسادة، حاولت أن تظهر طبيعية. فتحت الباب، نهر من الدموع تسلل من عينيها. اقترب منها، نشف دموعها، نظر إليها وابتسم:
- ما هذه الدموع، ألم ننته منها بعد؟
- لا شيء يا حامد.
- هل فرات مريضة؟
- لا ولكن...
- هيا تحدثي إنني أتحرق.
- لقد سافرت إلى ألمانيا ولم تخبرني!
- هل هذه أحجية؟
- بل الحقيقة، خذ أيها الصديق الرسالة اقرأها وستعرف الحقيقة.
تناول الرسالة بيد مرتجفة، فتحها. بدأت الزوابع والسحب تهب في رأسه، لم يتمالك نفسه، جلس على الكرسي، كل شيء فيه ذابل، شعر بألم في معدته، شعر بالعطش. استلقى على السرير، وضع يديه على عينيه، تركته وذهبت إلى المطبخ تحضر الشاي. تركته يذرف دموعه، من المعيب أن ترى الساقية وهي تفيض، أن تراه ينشف الدموع المتهاطلة، أن تتفحص وجهه الباكي. جاءت ومعها إبريق الشاي. صبت لـه كأساً، وطلبت إليه أن يشرب، أن يبلّ ريقه الذي جف، أن يواجه الواقع:
- هذه هي الحياة، عندما تظن أن المشاكل والصعوبات انتهت تفاجأ بأمور لا تتوقعها، اغفر لها تصرفها يا حامد، عليك أن تجد لها العذر!
- سامحها الله، هل أستطيع أن أقول غير ذلك؟ هل أستطيع أن أنعتها بغير التعابير الجميلة.
ها أنت زرعت يا حامد، أمضيت حياتك على أمل كاذب، وبدل أن تورق شجرتك وتبرعم وتعطي الثمار، ضمت أوراقها وثمارها وهربت. توقفت الدموع، بينما الهطل في الداخل مستمر. تتمزق أحشاؤك ويعاودك الألم والحزن. حاولت النهوض، أن تتمالك نفسك فلم تقدر. دعتك أن تبقى عندها، أن لا تذهب. ظننت أنها لم تفقد صدقها وعواطفها، وأنك أغلى ما في الدنيا، وأن قلبها الأخضر يجعل الحياة ربيعاً. الألحان الجميلة تتلاشى، الرياح تقرع طبولها في رأسك الذي يتمزق ألماً. كل شيء هدم في لحظة. الشمس تبدو صفراء، بهت نورها. الورود تنام وتذوي فلا تبدو سوى الأشواك. كم مرة أدميت أصابعك وأنت تقطف الورود وتهديها. في كل مرة تبتسم وتشكرك وتعتني بورودك وتحتفظ بهن في مكان خاص من خزانتها.
أشجار الغوطة تحني جذوعها، أغصانها تدفن أوراقها، الجذور فقدت قدرتها على امتصاص الغذاء. الهواء الثقيل فقد جزءاً من نقائه. قرر أن يغادر، أن يهب الشوارع بعض حزنه. يرمي الورود ويقطف الياسمين المعرش على البيوت. وقفت كالمارد في وجهه وأخبرته بأنها لن تدعه يغادر الآن، وإذا كان لابد من الذهاب، فبعد أن يهدأ ويستعيد جزءاً من قوته وتوازنه، إنها غير واثقة من وصوله سالماً. تحت إصراره خرجت معه، أوقفت تكسي وطلبت إليه أن يوصله إلى بيته في الغوطة.
-39-


مضت أيام ولم يظهر حامد. قررت هلا أن تزوره وليكن ما يكون. لا تستطيع أن تظل بعيدة لا تعلم شيئاً عن حالته، قرعت باب بيته. امرأة في نهاية العقد الرابع ترحب بها، بالتأكيد هي أمه. إنها المرة الأولى التي تجيء إلى بيته. عرفت على نفسها: هلا جودة صديقة حامد.
هللت ورحبت بها أم صالح والدة حامد، ضمتها إلى صدرها وهي فرحة، قبلتها وأدخلتها إلى غرفة تحتوي على ستة كراسي خيزران و«صوفايتين»، تحدثتا على ، سألتها عن معرفتها بابنها ومدى عمق العلاقة، أخبرتها أن حامداً حزين ومريض، معتكف في فراشه، أمضى حياته يركض خلف الشامية وفي الآخر تتركه. هؤلاء لسنا من ثوبهم. لم يفهم ابني معنى ذلك وأصرّ على أن الحب يعمل المعجزات، يتخطى الحواجز. لكن مقولاته الذهبية ذرتها الرياح. نظرت إليها، حدقت بوجهها وابتسمت ثم قالت:
- حدثيني يا هلا، ارتحت إليك، لهجتك قريبة منا، هل أنت من حوران؟
- أنا من الجولان.
- أهلاً وسهلاً نحن مصاب واحد.
جاء حامد مبتسماً، يرحب بضيفته ويعتبر مجيئها بادرة جيدة. علقت أمه:
- لماذا لم تعرفنا على هلا، ما شاء الله جمال وأدب. أقسم إنكِ أجمل وأرشق من فرات التي تركته وسافرت، وها هو حزين وكأن الأمهات لم تنجب بعد ولادتها!
- حامد معذور يا خالة، فرات إنسانة رائعة!
- الرائعة لا تتسلى بقلوب الآخرين!
- لا أظن أنه يوافقك الرأي، فرات أسيرة البيئة والعادات، لقد أحبت حامداً، انتصار الحب ليس حتمياً.
خرجا سوية. أم صالح تدعو الله أن تكون من نصيبه. عندما يعود ستحدثه عن ذلك وتشجعه على خطوبتها. مشيا في الشوارع على غير هدى، كلاهما لا يعرف أين ذاهبان. نظرا حولهما فإذا جبل قاسيون مازال شامخاً، والغوطة رائعة. الأرصفة العريضة تضمهما. الحدائق تنشر ضوع ورودها. كل شيء مبتهج. المحلات تزينت والشوارع أيضاً. وجوه الناس تبدو مشرقة على غير عادتها. شعر أن دمشق أليفة، وأنها تتسع لكل المحبين، تضمهما بجناحيها. فيه شيء تبدل، لم يعرف لِمَ لهلا هذا التأثير؟ أحسّ بالأمان. شعر أنه بحاجة إلى جلسة صفاء مع ذاته. لكن هلا لن تمنحه مثل هذه الفرصة، لن تمكنه أن يجتر أحزانه، أن يظل أسير الماضي، بل ستبحر معه إلى النجوم، ستأخذ بيده. ها هي تخاطبه بقولها:
- لن أدعك وحيداً، سنلتقي يا حامد. هل نسيت أن أمامنا أشياء كثيرة سنناقشها. لن نرجئ أية خطوة إلى عالم الغيب، بل سنواجه الواقع معاً.

ــ 4 ــ


قررتِ زيارة حامد باستمرار. ما دامتْ أمه قد ارتاحت إليك، ترحبُ بقدومك، تضعكِ في عينيها، تُسمعك كلاماً جميلاً يثني على جمالك ولطفك. في كل مرة تعيد أقوالها وأوصافها الرائعة. تمازحك، تجلس إلى جانبك. مسحة من المرح تبدو على محياها. تقترب منك حتى تلتصق بك. تهمس في أذنك. تجسُّ نبضك. تحلم أن تسمع منك كلمة واحدة، لتزغرد. معذورة تريد أن تفرح بابنها وتزوجه فتاة من طينتها.
تبدين في أحسن حالاتك. سعيدة في سكنك. الشمس تنام في كفك، وجدائلك يداعبها النسيم. الحب يسوّر الشوارع والأزقة. تمرحين وتدندنين بكلمات جميلة. تغنين رغم الآلام، تغنين للأيام القادمة. تحيين كشجرة قاومت الريح والعواصف، واستعادت خضرتها واستعدت للعطاء. تهيمين فالطقس يغري بالخروج. النجوم جذلى بمصابيحها، والفيض قادم فمرحى للحياة بعد اليباس. حياة كلها توق للمجهول، للنور يبدد عتمة الصدور. تحاولين المحافظة على اندفاعك للحياة وشجاعتك وعنفوانك. تصغين لأصوات في الخارج. يغزو التنين الشمس، يصعد عبر دروب سرية، يلتهم حصته من النور قبل أن يغيب في عالم البحار والظلمة. يترصد الفرصة المناسبة للظفر بالشمس والعودة بها إلى أعماق المحيطات، لتنير العالم السفلي. الإنسان في كل مرة يُفشل مشاريع التنين، الذي ينزعج من الصياح والطبول، يعتكف بعيداً عن الأضواء. ينتظر انشغال البشر بأمور بعيدة عن النور والحياة، ليكرر محاولاته مع أنه متأكد من عدم انتصاره.
بكِ رغبة للمقاومة. أدخلت في تركيبة جسدك عناصر زئبقية. أم صالح معجبة بقوة شخصيتك وشجاعتك، تدعوك أن تري الجمال على حقيقته، أن تعيدي قراءة حياتك. تدعو ابنها أن يقترن مع فتاة خبرها، أن لا يدع الورود تذبل. لقد ارتاحت إليكِ. تسأله عنك. تراك رائعة في قوامك، حديثك الشائق الذي يدلل على مستوى جيد من الثقافة، روحك الشفافة المرحة. فتسأل ابنها:
- أما آن لك أن تنفض ماضيك، وترى الآخرين كما يجب عليك أن تراهم؟
- لم أفهم قصدك؟
- بل تفهم وتعرف ما ترمي إليه كل كلمة من كلماتي! لماذا لا تتقدم لخطوبة هلا؟
- دعك من ذلك!
- أما زلت متعلقاً بالشامية؟
- وهل أنا قادر على غير ذلك؟
- لقد سافرت ونسيتك.
- فرات لا تستطيع الحياة بعيدة عن دمشق! أما هلا فهي صديقة، إنسانة رائعة! هي ذاتها لا تفكر بي كزوج.
- إذاً اترك الأمر لي!
خيبتِ آمال أم حامد حين أخبرتها أنكما صديقان، وأنك ترفضين الجلوس مكان فرات، قلب حامد لم يشغر بعد، حتى لو شغر، فإن هذا لا يغيّر من الأمر شيئاً، ما بينكما صداقة وعلاقة وطنية. ما أزعجك في الأيام الأخيرة شاب ينتظرك، يمشي خلفك كظلك. تستغلين الزحام، تضيعين منه وتتابعين مشوارك. حدثت حامد فسألك:
- هل أسمعك شيئاً؟
- أبداً إنه يترك بيني وبينه مسافة. عندما أقف يقف. أحاول دفعه للحديث وسؤاله عن سبب سيره خلفي، يصمت ويبتعد قليلاً، لكن عينيه تراقبني.
- هذه تصرفات رجال المكتب الثاني، دعي الأمر، يومان أو ثلاثة وأكتشف السر الذي يخفيه.
كان لابد من العودة للتخفي، ومراقبة الشاب التي لن تكون سهلة، لكنها ليست أصعب من مراقبة الصلصال. بعد أسبوع رأى أن على هلا أن ترحل من بيتها بسرعة. في صباح اليوم التالي ومع ارتفاع الأذان كانت وعفشها في إحدى غرف بيت أم صالح.
تهب رياح الماضي، روائحه وبخوره وعطوره، مراراته، الطرق التي حملت حكاياتها، وحكايات أخرى، العيد مناسبة للفرح، لزيارة الأقارب. تتزينين. ينتشر عطرك يختلط بالنسيمات المنعشة التي تشعرك بالحنين، بالحب للأرض. يقف الماضي على قدم خشبية يناديك. تتذكرين والدك وعكازتيه:
- آه يا والدي لقد نسيتك، سامحني!
تشعرين أنك خسرت الكثير. لكنك كسبت نفسك. الأحلام تداعبك. تبنين جداراً من المحبة مع الآخرين. اشتقتِ إلى أخيك وزوجته وأبنائه. طرت إليهم تضمينهم إلى صدرك. استفاق الحزن والفرح معاً. صباح العيد ذهبت مع حسن إلى قبر والدكما، تلبستك حالة وجد، كأن والدك توفى البارحة، ما أزعجك أكثر خراب القبر وكسر الشاهدة. سويتما التراب. زرعتما الريحان وقررتما إحضار شاهدة جديدة تسجلان عليها:
الفاتحة هذا قبر زكي الجودة. قاوم الاحتلال وفقد زوجته وأطفاله. توفي في تجمع النازحين في عرطوز.








رد مع اقتباس
قديم 05-04-2016, 11:09 AM   رقم المشاركة : 20
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


غرباء منتصف الطريق


ــ 41 ــ

في زمن لم تعرفي قيمة لحظاته تبعتك القوافل الخلبية. تمرح التناويح يفلت الماضي من يديك. تبدئين فصول حكاية جديدة. بقيتِ عشرة أيام صامتةً، تسألين، تراقبين، تخرجين إلى الشوارع. شقيقك سمير اعتبر سكوتك علامة رضا على كلامه وتصرفاته. فتح قلبه وبدأ يحدثك عن حياته، حتى وصلت إلى درجة الانفجار. قذفت سمومك في وجهه وندمت على اليوم الذي جئت إليه. رأيت منه العجب. هو وسط مجتمع نشيط، هو وزوجته «ألبينا» يميلان إلى الكسل ويتصرفان بعيداً عن الأخلاق، لم تتوقعي أنك ستخاصمينه يوماً. يفخر أنه حصل على الجنسية، بدّل اسمه وكنيته. واجهته:
- ما الذي يجمعني بك؟
- لا يا فرات أنت شقيقتي حملنا بطن واحد، وتجري في عروقنا الدماء ذاتها!
كنتِ مطمئنة على أخيك وأنت في دمشق، أما اليوم فكل ما فيه يخيفك: «أين أنت يا والدي ترى ابنك المدلل الذي حلمت به رجلاً يحمل أعلى الشهادات ويرفع رأسك عالياً، يغوص في جسد ألبينا».
يشتعل جسدكِ ألماً. تمر الأيام ثقيلة وكئيبة. الصراع لازمك منذ وصولك إلى بيته. شيء غير معقول أن يحدثك وكأنه نسي أصله! تختلفين معه في الصداقة، في الحب، وفي اختيار شريك الحياة، والنظرة إلى الأهل والمستقبل. لم تتصوري أن الوطن بات من منسياته، تقزم ليصير المكان الذي يمنحه الجنسية، فقد الغيرة، لا يخاف على زوجته أنى ذهبت ومهما فعلت، ما دام قد تخلى عما تؤمنين به. بدا عليك الانفعال رددت عليه:
- المرأة كما تصفها مستهترة وتصنف كعاهرة.
عودتك الحياة على مرّها منذ وفاة والدك، إلا أن الأكثر مرارة حياتك في الغربة. ماتت الأحلام وسافر الربيع. لا شيء يغري. الليل يطول والساهرون ذوو دم ثقيل، تثقب نظراتهم جسدك. تتركين السهرة، تحط الجبال على صدرك. تقذف عيناك البراكين، وتلومين نفسك.
ألبينا أنسته الدراسة. فهي ليست امرأة عادية، إنها من المرمر ممشوقة ومكتنزة، عيناها تحاكيان الزرقة اللازوردية، تقطر أنوثة. حديقتها بلا عبير رائعة من الخارج، لكن ما إن تدخلها أو تكتشفها حتى ترى آثار الأيدي التي تعبث بمحتوياتها.
أسئلة خبأتها في جفنيكِ حتى لا تبدي متخلفة أو من العصور الوسطى، مع أنك متحررة لدرجة أنهم نعتوك في الغوطة بألقاب لا تليق بابنة الشارع. خرجت إلى أمستردام الخضراء المشبعة بالرطوبة، المفتوحة شمالاً، بينما تأخذ شكلاً منحنياً أو نصف دائرة من الجهات الأخرى، شوارعها عريضة ونظيفة وحدائقها العامة واسعة ومنتشرة في الأحياء. الشيء الذي أحببته ركوب الدراجة كوسيلة نقل عامة منتشرة بعشرات الآلاف على الأرصفة.
الريح تنفث سمومها في رأسك. تصابين بالزكام. ترتجفين على الرغم من الدفء المنتشر في البيت. تحاولين تفسير نظرات رفاقه، فتجدينها أشبه بنظرات كلب نابح، مستعد للقنص. تجولت في الشوارع العريضة والحدائق العامة وفي النوادي. بعض الأماكن اشترطت على زوارها أن يعودوا إلى بدائيتهم. الكآبة داخلهم لا يمحوها التعري، ولا العويل المنبعث من الصدور.
ازداد الشق وانهار الجدار. قدماك تقودانك إلى المجهول. لا تعرفين طعم الفرح. الابتسامة فارقت محياك، قلبك ينط، ينكمش. لا تحتملين الآراء الغريبة من شخص عادي، فكيف إذا كان شقيقك الذي افتخرت به أمام حامد. يطرح عليك المستحيل. أن تبحثي عن شاب قادر أن يصرف عليك. أجبته:
- أنا أرفض التسول!
- الحياة تفرض الجنس الآخر.
- لم أعتقد أن كرامتي ستهدر في بيتك وبمعرفتك!
سألك. قررت الصمت، أن تحاوريه بنظراتك. لم تجيبي على أسئلة أخرى أكثر وقاحة. دخلت الغرفة ومسحت دموعك. ماذا تفعلين لتخففي من الضياع الذي تعيشينه؟ تناولت ورقة وقلماً وبدأت تخطين عليها شيئاً من روحك:
الصديق حامد:
بداية أعذرني على ما سببته لك من آلام، أنا ذاتي لم أنج منها، لحظة نزولي من الطائرة، تلقاني أخي ودعاني إلى بيته، سافرنا بالقطار من بون إلى أمستردام، فاجأني بنقل سكنه إلى هولندا، بعد أن قرر العيش في بلد زوجته والتمتع بجنسيتها.
كل ما في أخي صدمني. كنت أعتقد أنني قوية، وأن سفري ما هو إلا التعبير عن ذلك، لكنني اكتشفت أن هذا هو الظاهر. أما الحقيقة فإنني ما زلت ضعيفة، ما زلت بحاجة إليك وأنا في وسط أمستردام! ما رأيك يا حامد أنني فقدت عزيمتي؟ وأن تصرفات أخي وضعتني على حافة الانهيار. أما زلت قادراً على منحي الثقة والقوة؟ كل ما بنيته في خيالي تبخر. هنا حياة أخرى وأناس آخرون حياة كلها مادة تقتل الروح.
أشعر أنني افتقدتُ إنساناً غالياً. لقد ظلمتك. لو كانت هولندا تصلح للقائنا، لدعوتكَ وعملت المستحيل، لكن الأحلام شيء والواقع شيء مختلف. طرح عليّ شقيقي اللجوء الإنساني وترك الشام إلى الأبد. جننت، هذا أمر لا أقدر عليه. تصوّر أن الحنين راودني وأنا في مطار دمشق، قبل إقلاع الطائرة تنازعتني أفكار متناقضة. وددت التخلي عن السفر. روح المغامرة والمجهول دفعاني إلى صعود الطائرة. اليوم أندم. كل شيء مختلف، حتى أخي تغيّر. تخيل أنه يشجعني على نسيان الماضي، نسيان دمشق أمي وزادي!
في الواقع المدينة هادئة، والليل أكثر هدوءاً، حتى تكاد تخلو شوارعها من المارة، إلا أن هذا لا يدفعني إلى النوم. أنتظر النعاس فلا يأتيني إلا بعد الإعياء. أغفو ليطالعني الحلم أو الكابوس. أفيق وأنا أكثر توعكاً وتوجعاً. كل شيء ينطفئ ويتحول إلى رماد. أنفخ على الجمر في محاولة يائسة لبث الروح، فأفشل. آه لو كنت إلى جانبي! أتذكرك دائماً. رسمتك على ورقة ووضعتها في حقيبتي.
أخي وزوجته لم ينجبا، وليس في نيتهما بناء أسرة. من دمشق تصلني تهديدات أمي عبر الهاتف، سترسل ابن أختها خلفي إذا لم أعد. ما زالت تصرّ على زواجنا. أنا في كل الحالات ضائعة، لم أحقق وجودي هنا، ولن أحققه حتى في بلدي! ضاعت أحلامي، ما رأيك؟
راسلني على العنوان المدون على غلاف الرسالة. طمئني عن هلا أرشدني إلى ما يجب عليّ عمله، ولا تتأخر في الرد، وسأعمل برأيك.
مع خالص المحبة والشوق
فرات الوردان
***
الماضي يحاصرك، عيونه تثرثر، مراياه تطالعك، وفصوله تعيد تشكيل ذاتها. تركضان على رصيف الربوة. أوراق الخريف تتكسر تحت أقدامكما، بينما تتصارع السحب في الأعالي. تمثالكما الثلجي يتشكل. ترشقك فرات بالكرات البيض، تنفخ على يديها، تحتمي بصدرك وهي تبحث عن الدفء. تتصببان عرقاً وأنتما تسيران في شق معلولا. لوحة تعيد النسمات خلقها. دروب الشام تجلو غربتها وتطلق أسرابها. الشوارع بيض وإشارات المرور خضر. النساء يحملن اللبن والعسل والحب. على صدورهن ملايين النجوم. الياسمين أغنية في أجسادهن، يمرح مع رقصاتهن. يغرق القمر في أضواء المدينة. يشق الصهيل الأسماع. تشتعل النيران في الرماد. روائح البخور والحمضيات. ترتدي دمشق حلتها وتكتب بالشموع موالها.
تحاملت على يديك ونهضت. تعيد قراءة الرسالة. تنظر نظرة طويلة إلى من حولك وتنطلق......


تمت بحمد الله








رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة









الساعة الآن 08:42 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
منتديات بال مون - منتديات رومانس مون