منتديات بال مون  

العودة   منتديات بال مون > منتدى الفن والأدب > منتدى روايات عبير وأحلام > الروايات العربية

الروايات العربية قسم مختص بعرض أشهر الروايات العربية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-04-2016, 12:05 PM   رقم المشاركة : 5
:: عضو مميز ::

 
الصورة الرمزية أميرة الشوق






أميرة الشوق غير متواجد حالياً

أميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond repute


اغتيال فضيلة


فؤجئت ساريا بالسؤال وصممت برهة وكانها تفكر في رد مناسب ثم ردت بصوت ينذر بالخطر
" دي شنو دي ؟؟ صحوة ضمير مفاجاة ولا شنو ؟؟ يا حلوة خلاص فات الاوان على اننا نسال السؤال دة .. بدا صوتها يعلو بعصبية ... وبعدين اسالك سؤال منو البيحدد الصح والغلط ؟؟ احنا ؟؟ احنا مبسوطين كدة واي شئ بيبسطنا يبقى صح .. تاني منو ؟؟ أهلنا ؟؟ ابوي الما عنده شغلة غير الجري ورا النسوان وصرف قروشه عليهم ولا امي الخلتنا من احنا اطفال ومشت عرست ليها راجل تاني وولدت ونستنا خالص ؟؟ ابوكي الما جايب خبرك ولا امك العايشة في عالمها الخاص ؟؟
كانت لهجتها تزداد حدة بمرور الوقت " قولي لي تاني منو ؟؟ المجتمع والناس الحوالينا ؟؟ المجتمع عارف وشايف وساكت ما تساليني ساكت ليه لاني ما عارفة .. اهو ساكت وخلاص .. الناس الحوالينا ؟؟ ياتو ناس ؟؟ الاحنا منهم ولا الباقيين ؟؟ الاحنا منهم ما بيقدروا يقولوا علينا غلط عشان ما يشوفوا نفسهم غلط بالعكس هم محتاجين لينا اكتر مما احنا محتاجين ليهم والفرق بينا وبينهم انه هم متدسيين ورا اوهام الطهر والنقاء وهم اوسخ خلق الله .. لكن احنا معترفين وعارفين روحنا شنو ... باقي الناس ؟؟؟ ديل احنا بالنسبة ليهم صور باهتة وعالم غريب ما عاوزين يعرفوه ولا يصدقوا انو موجود .. وحتى العارفين والمصدقين بينكروا ويقولوا لا .. احنا ما عندنا كلام زي دة ... احنا مجتمع محافظ ... نضيف .. دي كلها اشاعات مغرضة ..ضحكت بمرارة ..ههة.. بيدسوا راسهم في الرمل زي النعام عشان ما يشوفونا .. وبما انهم ناكرين وجودنا احنا كمان ما بيهمنا رايهم ولا تفكيرهم .
كان صوتها قد اصبح مبحوحاً من شدة الانفعال .. وفي عينيها بدت لمعة غريبة كانها دمعة حبيسة وصمتت فجاة بعد ان استنفذت طاقتها في الكلام ثم تمتمت
" الله يلعنك يا مها انا كنت مبسوطة لغاية ما رميتي كلامك الزي السم دة وعكرتي مزاجي .. يا ريتك لو ما جيتي انتي لمن حاسة كدة الجابك شنو ما كنتي تقعدي في بيتكم ؟؟
هزت مها كتفيها وواجهت نظرات ساريا بتحدي
" انا بس شايفة انو الحتعملوه في فضيلة دة كتير شديد يا ساريا وحرام ...
قاطعتها ساريا بغضب جارف " تحرم عيشتك .. انتي يا مها جاية توريني الحلال والحرام ؟؟ انتي نسيتي دورك كان شنو في الموضوع دة ؟؟ هسة عاوزة تعملي لي فيها واعظ ؟؟ هوي يا مها .. فوقي وشوفي انتي بتتكلمي مع منو .. الحركات دي تعمليها على الناس التانيين الما عارفينك انتي شنو .. ما تعمليها على انا .. وبعدين تعالي شنو ماسكاني فضيلة فضيلة ؟؟ هي دي اول مرة نسويها ؟؟ ما جرّينا غيرها كتار .. اشمعنى دي يعني البقت ليك حارة ؟؟ شنو السر الفيها ؟؟
ولدهشة ساريا الشديدة اجابت مها بصوت باك ودموعها تسيل على خديها
" يمكن لاني كنت باتمنى اكون زيها .. بنفس اخلاقها ومبادئها .. نفس نضافتها وطهرها .. بافكر انا هسة شنو وكيف وليه بقيت كدة ؟؟
انعقد لسان ساريا من وقع الكلمات الحارة ثم انفجرت بصوت كالرعد
" غوري من وشي يا مها قبل ما ارتكب فيك جريمة .. اطلعي برة ... ما عاوزة اشوفك قدامي"
وهبت واقفة حتى خيل لمها انها قد تضربها فهرولت خارجة من الغرفة واغلقت الباب وراءها واستندت عليه بضعف وهي تجيل النظر فيما يدور حولها وازداد احساسها بالضياع مما تراه .. فتيات في عمر الزهور بملابس تكشف اكثر مما تغطي في اوضاع مخجلة .. شباب يحملون كؤوس الخمر وقد لعبت برؤوسهم فيتكلمون ويتصرفون بلا وعي .. مخدرات توزع بسخاء ... ابواب الغرف تفتح وتغلق في حركة دائبة .. ضحكات خليعة وهمسات مريبة .. احست براسها يدور وانفاسها تنحبس داخل حلقها وكان مرضا ألّم بها .. غمرها الخوف فتحاملت على نفسها وبخطوات متثاقلة جرت قدميها وخرجت وهي تجاهد لالتقاط انفاسها .. اتجهت الى سيارتها وبهدؤ قادتها الى خارج المزرعة .


الفصل الثالث عشر

كانت الساعة قد شارفت الحادية عشرة مساء ومبنى الداخلية ينعم بالجو المعتاد في هذا الوقت ... خطوات اماني القلقة تزرع ارضية الحمام الضيقة جيئة وذهاباً وهي تحمل بيدها زجاجة مليئة بسائل يميل لونه الى الاخضر ... كانت ترفعها وتنظر اليها ثم تواصل حركاتها الرتيبة فقد كان عقلها يستعيد تعليمات ساريا في آخر لقاء بينهما .
" الطريقة الوحيدة عشان تقنعي فضيلة انها تطلع معاك في وقت متاخر انك تكوني عيانة بالجد مش تمثيل ومافي مفر من انك تمشي المستشفى ... صاحبتك بتاعت المبادئ دي ما حيهون عليها تخليكي براكي في وقت وظرف زي دة .. انا حاديك شراب تشيليه معاكي ولمن تجي الساعة حداشر بالضبط اشربيه حيعمل ليك مغص شديد ما تخافي واصرخي على قدر ما تقدري خليها تحس انك فعلا بتتالمي واكيد هي الحتعرض عليك تمشوا المستشفى .. مفعول الشراب بيظهر بعد نص ساعة او اقل .. يعني لغاية 11:3 تقريباً وبما انو الوقت متاخر حيكون صعب تلاقوا تاكسي .. اقنعيها انك حتتصلي بواحدة من البنات البتعرفيهم عندها عربية عشان تجي وتوديكم وهي لمن تقولي ليها بت اكيد ما حترفض ... انا حارسل ليكم عربية والزولة السايقاها عارفة تتصرف كيف .. انتي بس خليها تركب وهي مقتنعة انها ماشة معاكي المستشفى والباقي ما ليكي دعوة بيه "
كانت اماني متخوفة من عدم امكانية تطبيق الخطة حسب ما تريد ساريا فيقع اللوم عليها " طيب يا ساريا لو انتبهت انو الطريق مختلف ؟؟ انتو قلتوا المزرعة بعيدة وهي اكيد حتحس اننا ما ماشيين لدكتور اذا الطريق طال شديد .. يمكن تصرخ وحتى تفتح الباب وتنط ... انتي ما بتعرفي فضيلة هي زكية وحتفهم الحاصل شنو ويمكن تفضل الموت على انها تجي مكان ما عاوزاه "
ردت ساريا باستهزاء " ما تخافي احنا عاملين حسابنا على كل حاجة ... العربية احدث موديل ومظللة شديد يعني ما أي شئ بيظهر من برة .. القفل بتاعها مركزي ولو كسرت رقبتها لا تقدر تفتح القزاز ولا الباب ولو ملت الدنيا صراخ ما في زول بيجيب خبرها .. المهم انتي اشغليها بيك وبحالتك لغاية ما تطلعوا برة شوية وبعد كدة في الخلا داك خليها تسوى البتقدر عليه "
" يا ساريا حتى لو وصلنا المزرعة ممكن تصرخ وتجري وما تقدروا تمسكوهها "
كانت ساريا قد بدات تشعر بالسام من مجادلة اماني فردت عليها بحدة " اماني بطلي النقة الكتيرة ... المزرعة دي عالمنا احنا وزي ما بيقولوا الداخل فيها مفقود والطالع منها مولود .. هي لو وصلت هنا خلاص ما عندها مفر ... مهما جرت حتمشي وين ؟؟ الا اذا كانت عاوزة تبقى وليمة لكل من هب ودب في المزرعة ... صدقيني هي لمن تشوف الوضع براها حتمشي مع امجد بدل ما اخلي كل الكلاب الهنا تنهشها .
واضافت ساريا بحنق " بس لو ما امجد رفض فكرة اننا نخدرها لغاية ما توصل هنا كنا ارتحنا من مشاكل وتعقيدات كتيرة .. قال شنو .. عاوزها واعية وفايقة عاوز يحس بكل حركاتها وما بيهمه لو صرخت لانو عارف ما في زول بيتجرا ويدخل الاوضة .. وهو زاتو الوقت داك منو الفاضي ولا واعي عشان يسمعها " وصمتت اماني وهي لا تجروء على مجرد التفكير فيما يمكن ان يحدث لو لم يلتزم عبد الفتاح بوعده في اخراجهم من هذه الورطة قبل وصولهم الى المزرعة .. وما ان خرجت من بيت ساريا واستقلت سيارة الاجرة حتى اتصلت به واخبرته بكل التفاصيل ... لقد شلّ الخوف تفكيرها من قتامة الصورة التي رسمتها ساريا لفضيلة .. استمع لها فتاح بكل انتباه ثم اخبرها ان تتبع خطة ساريا بحذافيرها ولكن عليها ان تتصل به قبل ان تشرب الشراب فاجابته بخوف حقيقي
" فتاح انت عارف لو ركبنا العربية دي معناها شنو ؟؟ معناها خلاص ما في أي شئ تاني ممكن يخلصنا .. انت متاكد انك بتقدر تتصرف قبل ما نوصل المزرعة ؟؟
كانت لهجة فتاح حازمة " اماني انتي لسة ما عرفتيني كويس ... ويمكن ما قادرة تتخيلي انا ممكن اعمل شنو عشان احافظ على فضيلة مستحيل اخلي أي انسان يلمس شعرة من راسها عشان كدة امشي في الموضوع وتاكدي انو ما في شئ حيحصل ليكم " لحظتها احست بالحزن لانه لم يخفي دافعه فهو يفعل كل هذا من اجل فضيلة فقط ولم يذكرها .. لكنها ابتلعت حسرتها وذكرّت نفسها بانها تستحق كل ما يحدث لها .. ليس مهما ان يراعي عبد الفتاح مشاعرها ... المهم ان ينقذهم من هذا الوضع .

مع دقات الساعة الحادية عشر توقفت خطواتها .. وبتردد هزّت الزجاجة وفتحتها وعلى الفور تصاعدت منها رائحة كريهة كانها اعشاب متعفنة ... اغمضت عينيها وسدت انفها بيد وبالاخرى تجرعت السائل دفعة واحدة .. احست برغبة في التقيؤ لكنها تماسكت واغلقت فمها باحكام حتى ابتلعت كل الشراب وضمنت وصوله الى معدتها ... وبخطوات مترنحة اتجهت نحو الغرفة .
عندما فتحت الباب كانت شاحبة كالاموات وجسدها يرتعش بقوة مما جعل فضيلة تقفز على قدميها وتتقدم نحوها وهي تسالها بانزعاج واضح " مالك يا اماني ؟؟ ليه شكلك كدة ؟؟ انتي عيانة ؟؟ حاسة بشنو ؟؟واحاطتها بذراعيها بحنان جعل الدموع تطفر من عيني اماني وتزايد خوف فضيلة وعلى صوتها القلق استيقظت الفتاة الاخرى ورمقتهم باستغراب " في شنو يا جماعة مالكم ؟؟ ردت فضيلة " معليش ازعجناك لكن اماني عيانة شديد تعالي ساعديني نختها في السرير "
وخلال فترة قصير بدا الالم يقطع احشاء اماني وغمرها العرق وانتفض جسدها بشدة وتعالت اناتها .. كانت فضيلة تشعر بالعجز امام حالة اماني المتدهورة فجلست قربها تحتضنها وتمسح العرق بيديها وهي تخاطبها " الليلة انتي اكلتي وين واكلتي شنو ؟؟ يكون تسمم ؟؟ لازم نمشي المستشفى حالاً انا حاقوم البس واجي البسك يا اماني " وتطوعت الفتاة الاخرى بالذهاب ايضاّ وهي تردد " الله اعلم نلاقي لينا تاكسي زي المواعيد دي " ومن بين انقباضات الالم تكلمت اماني بصوت ضعيف
" هاتي تلفوني من الشنطة يا فضيلة " التفتت الفتاتان بدهشة لطلبها " اماني !! تلفون شنو هسة كدي خليني البسك عشان نمشي سريع قبل ما تتعبي اكتر من كدة "
صرخت اماني من فرط الالم ومدت يدها تسحب حقيبتها وبعناء استطاعت ان تخرج جملة مترابطة " هاتي التلفون حاتصل بواحدة صاحبتي عندها عربية تجي تودينا .. ما حنلقى تكسي في الوقت دة "
رمقتها فضيلة بقلق فهي لا ترتاح لركوب سيارة غريبة حتى لو كان السائق فتاة .. ولكنها امام حالة اماني الحرجة لم تكن تملك الا الموافقة فاعطتها الهاتف وباصابع مرتجفة ضغت اماني على الرقم الذي اعطته لها ساريا لياتيها الرد فوراً .. وطلبت منها اماني الحضور بسرعة فقد كان الالم اقوى مما تخيلت وفاق قدرتها على التحمل .. احست وكان الحياة تتسرب من جسدها رويداً رويداً .. وبدات تفكر بان هذه قد تكون آخر لحظاتها في الدنيا .. وبدات تنتحب بصوت عال لفت انتباه جميع الغرف القريبة فاتت البنات وهن يتدافعن لمعرفة ما يدور ... كانت فضيلة تبكي لالم صديقتها وهي تواسيها .. اصبري يا اماني هسة نمشي المستشفى ويعالجوك وتبقي كويسة .. كانت تتطلع الى الساعة بقلق فقد مضت ربع ساعة منذ الاتصال اين هذه الفتاة ؟؟ وكأن الهاتف تجاوب مع تفكيرها فارتفع رنينه وردت زميلة الغرفة لتعلن وصول صاحبة السيارة ... نظرت اماني من بين دموعها وهالها العدد المتجمع من البنات امام باب الغرفة وعلى راسهم المشرفة على السكن وقد تطوع الجميع لمرافقتهم مما اشعرها بالياس فهمست في اذن فضيلة " فضيلة انا ما عاوزة أي زول يمشي معاي المستشفى غيرك .. ما تخلي زوي تاني يمشي معانا بس انتي يا فضيلة " واندهشت فضيلة من طلب اماني الغريب فقد ارادت ان تحظى برفقة زميلاتها والطمانينة التي توفرها في هذا الوقت المتاخر من الليل لكنها لم تجادل اماني خوفا عليها واعتذرت من الجميع برقة مؤكدة لهم بان صديقة اماني سوف توصلهم الى المستشفى وتعيدهم منها .. وساعدت اماني على النهوض وامسكتها باحكام وبخطوات وئيدة سار الجميع حتى الباب الخارجى حيث توقفت سيارة حديثة الطراز باللون السماوي الفاتح ونزلت من امام عجلة القيادة فتاة جميلة وانيقة .. فتحت الباب الخلفي فدخلت فضيلة واجلست اماني ووضعت راسها على حجرها لتهدئة ارتعاش جسدها وتحركت السيارة تحت نظر المجموعة القلقة التي رافقتهم حتى الباب.


الفصل الرابع عشر

كانت عروق ساريا تنتفض غضباً اثر نقاشها الحامي مع مها ... احست بتزايد حقدها تجاه فضيلة التي تسببت في وقوف صديقتها بوجهها لاول مرة خلال علاقتهما الطويلة .. كانت تحمل سيجارة بيد وكاس بالاخرى .. وبلا انذار فتح باب الغرفة والتفتت لترى امجد واقفا ويبدو عليه التوتر والانتشاء فقد شرب عدة كؤوس منذ وصوله وفقدت عيناه برودهما المعتاد ولمعتا ببريق حاد تعرفه ساريا حق المعرفة وراته في عدة مناسبات .. كان جسده متوترا كنمر يستعد للانقضاض على فريسته ومن خلال قميصه المفتوح حتى منتصف صدره رات ساريا تقلصات عضلاته القوية ... كانت تمسحه بعيون متفحصة وركزت نظراتها على منطقة معينة من جسده ثم ابتسمت بخبث وهي تخاطبه " امجد اهدا شوية .. كدة ما حينفع ... الجماعة ديل يادوبك اتحركوا من الداخلية ومحتاجين اقل شئ نص ساعة عشان يوصلوا هنا .. وبعد كدة احنا ما عارفين حنتعامل كيف مع الاسمها فضيلة دي ... قالوا عنيدة شديد وممكن تفضل الموت ولا تديك أي شئ برضاها ...
رد امجد بلامبالاته البغيضة " موت ؟! موت شنو ؟! كلهم بيقولوا كدة في البداية .. وبعد شوية بيكونوا ميتين في حاجة تانية ...بس انتو وصلوها لي هنا وخلوا الباقي عليّ ... والتفت بحركة عصبية " هم اتاخروا ليه يا ساريا ؟! انا تعبان وحاسي روحي حانفجر .. اضربي ليهم تلفون وقولي للزولة السايقة الشوراع فاضية زي المواعيد دي خليها تسوق سريع "
كانت حركاته القلقة وكلماته الموحية تنشر جوا غريبا في فضاء الغرفة جعل ساريا تتحرك تجاهه بنعومة وتشده الى الداخل وتغلق الباب ... تعلقت بيده وهي تتامل ملامحه الوسيمة " امجد .. تعال اقعد وروّق شوية انت بحالتك دي ما حتقدر تعمل أي حاجة ..ما تنسى انو البت ورقة جديدة ومحتاجة معاملة معينة وانت كدة ممكن تقتلها تحت ايدك .. خليني اهديك شوية .. وبدات تفك البقية الباقية من ازرار قميصه ويديها تتحرك بخبرة .. نظر اليها امجد بدهشة ... فساريا لا تعطي نفسها الا في حالات نادرة .. اضافة الى انها لا تجذبه من هذه الناحية لان ذوقه مختلف تماما عن تكوينها الصبياني النحيل .. لكنه لم يكن في حال يسمح له بالاختيار فتقبل تصرفها بامتنان لانه كان بحاجة فعلية للاسترخاء حتى يستطيع ان يتعامل مع فضيلة بهدؤ ... وسرعان ما تجاوب مع حركاتها الخبيرة لتدخله الى عالم يحفظان دروبه عن ظهر قلب ...

كانا منغمسين كلية لدرجة انهما لم يعيرا انتباهاً للصرخات الخائفة التي تعالت في الخارج .. ولا دبيب الاقدام الثقيلة وهي تقترب من باب الغرفة حتى انفتح الباب بعنف وضرب الحائط بصوت كانفجار قنبلة ... وقفز الاثنان برعب وهمّ أمجد باطلاق الشتيمة على من تجرا واقتحم عزلته لتواجهه نظرات صارمة لرجل يحيط به جو من السلطة فابتلع كلماته وتجمد في مكانه بينما انكمشت ساريا في طرف السرير وهي تتمسك بالغطاء وتحاول تغطية جسدها العاري ..
تكلم الرجل بصوت عميق " مباحث أمن الدولة" والتفت الى آخر يرافقه " شيلوهم وختوهم مع الباقيين في العربات " يلا قوموا " وهنا فقط تشجع امجد وحاول ان يبدو بمظهر القوي المتماسك ووجد صوته ليخاطب الرجلين " انتو منو الاداكم الاذن تدخلوا هنا ؟؟ انتو عارفين انا منو وابوي منو ؟؟ احسن ليكم تنسحبوا من سكات والا بتلفون واحد بكرة كلكم بتلقوا نفسكم في السجن ... وانحشرت بقية الكلمات في حلقه عندما راي النظرة الغريبة للرجل الذي كان يتقدم نحوه بخطوات ثابتة ومتحفزة "انعل ابوك وابو اليوم الخلى واحد زيه يقعد في مكان زي دة .. هو احنا الرجعنا ورا شنو غير نوعية ابوك دي ؟؟! ورفع يده الخشنة وهوى بها على وجه امجد بقوة جعلته يشهق وطعم الدم يملا فمه .. ووجه كلماته الى ساريا التي شارفت على الاغماء " قومي يا بت البسي هدومك ولا عاوزة تمشي كدة ؟؟
احست ساريا بخوف لم يرادوها طيلة حياتها ... اصبح جسدها كالهلام ... ولاول مرة منذ فترة طويلة يعود اليها ذلك الاحساس البغيض بعدم الامان وفقدان الثقة في نفسها وفي الظروف التي تحيط بها .. احساس كانت تظن انها قد تجاوزته منذ سنوات طويلة .. تحديدا منذ انفصال والديها وزواج امها برجل آخر ... كانت تنظر الى رجل المباحث بذعر واصابعها تقبض باحكام على الملاءة التي تلف بها جسدها .. رمى لها احد الرجلين ملابسها التي كانت مبعثرة في الارض وعقد ذراعيه ووقف يراقبها .. كانت تتعثر كطفلة صغيرة لا تعي ما يدور حولها فخاطبها الرجل ساخراً " مالك ؟؟ خجلانة ؟؟ هو نوعكم دة بيعرف الخجل ؟؟ يلا يا بت خلصينا ولا اجّرك من شعرك واوديك كدة ؟؟ وكان الآخر يعطي امجد ملابسه فامره الذي يبدو اعلى سلطة ... خليه يلبس الملابس الداخلية بس ويطلع البوكس كدة عشان نشوف ود منو حيعمل لينا شنو ؟؟
عندما خرجوا من الغرفة كانت ممرات الفيلا وطرقات المزرعة تعجّ بالرجال الصارمين وهم يقودون الفتيات المنهارات والرجال المذهولين الى سيارت الشرطة التي اصطفت في شريط طويل ... كانت علامات الصدمة مرسومة على كل الوجوه لم يكن احد يدري ماذا يجري أو لماذا اتت الشرطة ؟؟ بعض الفتيات اغمى عليهن من الخوف مما جعل وضعهن في السيارات اكثر صعوبة ..حتى حارس البوابة كان مذعوراً فعندما راي السيارات القادمة ظنها مزيدا من الضيوف وخرج من قفصه الزجاجي ليتحقق من الدعوات ليفاجا بسيارات الشرطة وهي تتبع بعضها بصمت وهدؤ ... امروه بفتح البوابة ولم يكن امامه خيار سوى الامتثال لاوامرهم وظل يراقبهم باستسلام وهم يداهمون الغرف والبقع المظلمة في المزرعة فجلس على الارض وهو يرى كل شئ حوله يتهاوى ولم تاته الجراة للاتصال بمالك المزرعة ليخبره ما يحدث ... وفي لحظات تم ضبط كل ما وجد من مشروبات روحية ، محدرات ، اجهزة الفيديو والافلام .. وخلال ساعة واحدة كانت المزرعة قد غرقت في ظلام دامس وصمت مميت ..


الفصل الخامس عشر

كان قسم الحوادث في مستشفى الخرطوم يعج بالحركة اثر وقوع حادث تصادم بين حافلة تحمل اسرة كاملة كانت في طريق عودتها من حفل عرس وسيارة صغيرة فقد قائدها السيطرة عليها نتيجة السرعة الزائدة مما ادى لمقتله هو وزوجته التي كانت تجلس في الكرسي المجاور على الفور في مكان الحادث كما اصيب معظم ركاب الحافلة اصابات بعد ان انقلبت الحافلة الصغيرة من شدة الصدمة .. انتشرت الدماء في كل مكان وتعالى أنين الجرحى وحشرجات المحتضرين ... كان الجو مشبعاً برائحة الموت .
أحست فضيلة بالضياع وسط هذه الفوضى .. كانت تسند اماني التي اصبحت كالخرقة البالية بكلتا يديها وهي تنادي طلباً للمساعدة .. لم يعرها احد انتباهاً فقد كان الجميع منهمكين في انقاذ مصابي الحادث .. لم تدري الى اين تتجه وبمن تستغيث بعد ان هجرتهم صديقة اماني عند بوابة المستشفى وولت الادبار كانها تهرب من عدو يلاحقها .. احست فضيلة بغرابة الموقف لكن وضع اماني المتدهور لم يترك لها مجالاً للتفكير .. فمنذ ان استقلوا السيارة لم تنطق الفتاة كلمة واحدة كانت تقود ببراعة وسرعة فظنت فضيلة انها تركّز على الطريق أمامها .. ثم بدات اماني تتقيأ باندفاع شديد اغرق كل شئ حولها ووصل رزازه الى عجلة القيادة مما جعل الفتاة تسب وتلعن بصوت مسموع وهي تخاطب اماني الفاقدة الوعي " يا الله وسختى لي العربية ... دة جلد اصلي الانتي استفرغتي فيه دة ... ما كان تستفرغي برة ولا تنتظري لمن نوصل ... هسة الريحة دي البيطلعها شنو ؟؟ الا اغيّر فرش العربية كلو "
احست فضيلة بالحرج وتمتمت معتذرة ... معليش هي ما حاسة بروحها وانا حانضف ليك العربية اول ما نوصل المستشفى ... حدجتها الفتاة بنظرة غاضبة خلال المرآة ولم تكلف نفسها عناء الرد وظلت تهمس بعبارات الاستياء التي جعلت فضيلة تفكر " سبحان الله ... العربية ولا البني آدم ؟؟ دي صاحبة شنو دي يا اماني ؟؟ انتي عاوزة تموتي وهي بتفكر في الفرش الاتوسخ " وفجاة بدات اماني تنتفض بقوة وصرخت فضيلة عندما رات لونها يتحول الى الازرق الداكن ولم يعد بمقدورها السيطرة على حركاتها .. اوقفت الفتاة السيارة ونظرت الى الخلف وهالها منظر الفتاتين الغارقتين في سائل اخضر كريه الرائحة وجسد اماني الذي فقد لونه وينتفض بقوة .. احست بالرعب فما رأته امامها لا يبشر بالخير وبدات تفكر ماذا سيحدث لو ماتت اماني الآن في سيارتها ؟؟ لقد وافقت على طلب ساريا باحضارهما الى المزرعة لكن الوضع الحالي اصبح شديد التعقيد وهى تجزم بعدم امكانية الوصول الي هناك مع حالة اماني التي تسؤ اكثر فاكثر في كل لحظة تمر .. هي تدين لساريا بالكثير ولكن ليس لدرجة تحمّل وجود جثة فتاة لا تعرفها في سيارتها ... وهي لا ترغب بالتورط في مثل هذا النوع من المشاكل ..
كانت لا تزال في وسط الخرطوم فكرت قليلاً ثم ادارت السيارة وعادت بها الى الاتجاه المعاكس نظرت اليها فضيلة بخوف " انتي راجعة ليه ؟؟ احنا لازم نوصل المستشفى سريع .. اماني تعبانة شديد " ردت الفتاة بحنق " ما احنا راجعيين المستشفى .. ولم تكن فضيلة في حال يسمح بالجدال فصبت اهتمامها على صديقتها التي اصبح جسدها باردا كالثلج .. وخلال بضع دقائق اوقفت الفتاة السيارة امام مبنى الحوادث وامرت فضيلة " يلا شيلي صاحبتك وانزلي سريع كفاية البلاوي الشفتها منكم " لم ترد عليها فضيلة وفتحت الباب وبدات في سحب جسد اماني وهي تفكر " ياتو نوع من الصحبات انتي الله يلعنك " وما ان انزلت قدمي اماني وهي تدور بعينيها بحثاً عن شخص يساعدها حتى قادت الفتاة سيارتها بسرعة كبيرة ودون ان تغلق الباب الخلفي .

اخيراً تطوع شاب لمساعدة فضيلة في ادخال اماني الى مبنى الحوادث وعندما راي ضحايا الحادث انتابه الشك في ان يهتم احد بحالتهما ... احس بالشفقة تجاه الفتاتين فاجلسهما واخبر فضيلة انه سوف يغيب بحثا عن احد اقربائه الذي يعمل طبيبا بالمستشفى ليعاين اماني ... وفي غيابه حاولت فضيلة ان تنادي احدى الممرضات لتشرح لها حالة صديقتها وتطلب عونها .. فرمقتها الممرضة بغيظ وردت عليها باستهزاء " الناس بتموت من حادث حركة وانتي بتقولي لي المعاك عندها مغص ؟؟ وديها الحمام احنا ما فاضيين لدلع البنات الفارغ دة " وغادرت بدون ان تعطي فضيلة فرصة لتوضيح وضع اماني الحرج احست فضيلة بالعجز وقلة الحيلة وسالت دموعها بغزارة .. من بعيد ظهر الشاب برفقة طبيب لا يكبره كثيرا في السن ... ونقلوا اماني الى احدى الحجرات الضيقة المتسخة .. وطلب الدكتور من ممرضة تنظيف الفوضى الناتجة عن التقيؤ حتى يستطيع معاينة اماني " الزولة دي شكلها متسممة ولازم نعمل ليها غسيل معدة حالاً ... كل الاعراض بتقول تسمم حاد .. انشاء الله نقدر نلحقها " اتت الممرضة مهرولة وهي تلهث " يا دكتور ما في أي غرفة عمليات فاضية بسبب الحادث الا ننتظر شوية " رد الدكتور بقلق " ما في طريقة ننتظر لو السم اتمكن منها اكتر من كدة حيفوت الاوان على انقاذها ... اقعدي معاها وانا حاتصرف " ركض خارج الغرفة وفضيلة تتبعه بعيون غائمة ..كانت تمسك بيد اماني وتحاول افاقتها " اماني قومي .. وريني مالك .. فيك شنو ؟؟ اصحي يا اماني ... اتكلمي معاي .. كانت تنظر الى عيني صديقتها المغمضتين بامل ولهفة .. وعندما جاوبها الصمت انهارت قواها وانخرطت في البكاء .. نظرت اليها الممرضة بفضول وهي تتامل خصلات شعرها التي انتشرت بفوضى آسرة على وجهها الجميل وسالتها " اختك ؟؟ " اومات فضيلة ايجاباً بعد ان اختفى صوتها من شدة البكاء... وهمست الممرضة لنفسها " سبحان الخالق الاداك الجمال دة كله .. الله يحفظك من العين الحاسدة يا بتي " .. رجع الطبيب وبانفاس مقطوعة قال للمرضة " يلا اسحبي معاي النقالة لقيت ليها غرفة عمليات فاضية " وتدافع الجميع لجَر النقالة في الممرات الطويلة القذرة حتى وصلوا الى غرفة بدت وكانها مهجورة .. ودخل الطبيب والممرضة بعد ان امر فضيلة بالانتظار خارجاً .

الفصل السادس عشر

صدرت صحف الصباح التالي ونبأ ضبط الشبكة التي تدير اعمالاً منافية للآداب يتصدر عناوين الصفحات الاولى .. كان الباعة المتجولون يحملون الصحف وهم يهتفون " تعالوا اقروا .. شبكة اولاد العزّ ... التفاصيل الكاملة " سجلت مبيعات الصحف في ذلك اليوم اعلى مستوى لها .. حتى الذين اعتادوا على تاجير الصحيفة او قراءتها وقوفا امام الباعة لم يستطيعوا مقاومة اغراء العناوين المثيرة فقاموا بشرائها








رد مع اقتباس
قديم 04-04-2016, 12:06 PM   رقم المشاركة : 6
:: عضو مميز ::

 
الصورة الرمزية أميرة الشوق






أميرة الشوق غير متواجد حالياً

أميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond repute


اغتيال فضيلة


( تورط ابناء شخصيات بارزة في الشبكة التي تم القبض عليها )
(احراز وضبط كميات كبيرة من الممنوعات داخل مبنى المزرعة )
غطت هذه الاخبار على كل ما عداها من احداث محلية وعالمية فلم يهتم احد لخبر حادث التصادم الاليم الذي نتج عنه وفاة عشرة اشخاص كما مر مرور الكرام نبا وفاة طالبة جامعية بحالة تسمم غذائي حيث استبعدت الشرطة احتمال الشبهة الجنائية وقررت تسليم الحثة الى ذويها .
خرجت القرية الصغيرة عن بكرة ابيها لاستقبال جثمان اماني وقد هزت صدمة وفاتها المفاجئة الجميع بلا استثناء .. لم يستطع والدها المنهار ان يذهب لاستلام جثة ابنته الشابة التي كان يعقد عليها امالا عريضة بعد تخرجها من الجامعة .. فتطوع الكثيرون من اهل القرية للذهاب .. تراصت النساء عند مدخل القرية وارتفعت اصوات العويل .. حتى الرجال والاطفال سالت دموعهم عند سماع كلمات اخواتها المنغمة وهن يخاطبن شقيقتهن التى خطفها الموت في غفلة من الجميع.. وانهارت معظم النساء لحظة انزال الجثمان من السيارة تمهيدا لغسله ودفنه ...
ومع الحزن الغامر اطلت الشفقة من عيون الجميع عند رؤية فضيلة المذهولة .. لم تكن تبكي بصوت مسموع ولكن على خديها الشاحبين انحفر اخدود من الدموع .. بدت وكانها تقدمت بالعمر عشر سنوات دفعة واحدة ... كانت تتحرك بصعوبة وهدؤ مخيف ... ارتمت بين ذراعي امها التي ضمتها طويلا وهي تحاول حملها على البكاء فقد اخافها صمت ابنتها الغريب .. وظلت فضيلة تتنقل بين الاذرع المواسية لفترة طويلة وهي لا تعي ما حولها فمنذ اللحظة التي خرج فيها الطبيب من غرفة العمليات منكساً راسه احست بان شيئا ما قد حدث لاماني .. حاول ان ينقل لها الخبر برقة ولكن كيف يكون خبر فقد الاحباب رقيقا ؟؟
" أنا آسف والله بذلت كل مجهودي لكن قضاء رب العالمين سبقنا .. السم كان خلاص اتمكن منها والغسيل ما جاب نتيجة ... اصبري واحتسبي .. الله يرحمها ويغفر ليها ... احنا حنتفظ بالجثة لغاية الصباح ولازم نبلغ البوليس .. بعد ما تخلص الاجراءات هم حيوضحوا ليك متين ممكن تجوا تستلموها .. انا حاكتب في تقريري انو تسمم غذائي .. واضح انها اكلت شئ لانو السائل الطلع كان تقريبا اعشاب وبقايا اكل عشان كدة انا شايف ما في داعي للتشريح الا اذا كان للبوليس وجهة نظر تانية " وصمت الطبيب عندما احس بانه يكلم الفراغ فقد تجمدت فضيلة تماماً ولم تعد تسمعه منذ ان اخبرها بوفاة اماني .. صديقة عمرها .. رفيقة طفولتها وصباها .. مستودع اسرارها .. في تلك اللحظة كان شريط ذكرياتهما معا يمر في عقلها ويحجب عنه استيعاب حقيقة موتها والالم الناجم عنه ... كانت ملامحها صورة مجسدة للحزن والصدمة مما اخاف الطبيب من احتمال تعرضها لانهيار عصبي .. فامسكها من ذراعها واجلسها على كنبة خارج باب الغرفة واسند ظهرها على الحائط ثم التفت الى الممرضة " جيبي لي حقنة مهدئة سريع وشوفي سرير فاضي حتى لو في عنبر وخلينا ننقلها لغاية ما يظهر زول بيعرفهم .. انا ماشي اكتب التقرير وابلغ البوليس بالحالة ...

عندما استيقظت فضيلة وجدت الشمس تغمر وجهها من نافذة عريضة خلف السرير ومن حولها رات مجموعة من العيون القلقة الباكية .. كانت نظرات زميلات السكن والمشرفة تدل على علمهم بما حدث لاماني .. فقد اهمهم تاخر الفتاتين حتى الصباح فاتين في وقت مبكر لاستكشاف الامر .. وكان وقع الصدمة قاسيا على الجميع .. تمكنوا من نقل فضيلة الى السكن وتولت المشرفة امر الاتصال بالقرية لارسال من يستلم الجثمان ومعه فضيلة الغائبة في عالم آخر .
احتاج اعادة فضيلة الى حالتها الطبيعية الكثير من الوقت والجهد .. فبعد ان تفرق الناس كل لحياته واصلت فضيلة صمتها المخيف ورفضت العودة الى الجامعة .. اعتزلت الجميع حتى شقيقها الحبيب محمد لم يستطع ان يخرجها من عزلتها وصمتها .. كان قلب والدها ينفطر حزناً كلما مر بالغرفة حيث تجلس متقوقعة في طرف السرير تحتضن المخدة وتنظر الى الفراغ.. واحست ست البنات بالقلق والحزن على فلذة كبدها وقتلها الخوف من فقدانها هي الاخرى .. كانت تتناوب مع زوجها للجلوس بالقرب من فضيلة وقراءة القرآن في راسها والتحدث معها لساعات طويلة وعندما يحل بهما الارهاق تاتي صفاء ومحمد ليحلوا مكانهم .. وعندما ظلت فضيلة على حالها استمع ابوها لمشورة كبار اهل القرية واقام عدة ليال لختم القرآن .. و رجع عبد الرحمن من السعودية مبتلعاً صدمته بفقدان اماني كي يواسي اخته المكلومة ...
بعد مرور شهر على وفاة اماني استيقظت صفاء على صوت آذان الفجر مختلطاً بصوت آخر غريب لم تستطيع ان تتبينه في البداية .. كانت الغرفة مظلمة الا من ضؤ خفيف ياتي عبر شق الباب من الممر الخارجي .. احست بالخوف فقد كان الصوت مكتوما .. متألماً كانه حيوان جريح يعاني سكرة الموت ... ثم تعالى ليصبح نشيجاً عميقاً متواصلاً ..قفزت صفاء بفزع واضاءت النور لتجد فضيلة جالسة في منتصف سريرها وهي تحتضن المخدة و تنتحب بحرقة ولوعة .. كان جسدها الذي صار نحيلاً من شدة الحزن يتحرك الى الامام والخلف بعنف رتيب بينما انهمرت دموعها كالسيل ... تضاربت داخل صفاء مشاعر الفرح والالم والخوف على شقيقتها الحبيبة التي لم تسمع صوتها ولو همسا منذ فترة طويلة .. وصرخت تنادي " امي الحقي فضيلة بتبكي .. ابوي تعال فضيلة بكت .. وفي لحظة تدافع الجميع الى داخل الغرفة وتسمروا في اماكنهم وهم يرقبونها .. كان الاستاذ اول من تحرك فرفع راسه وتمتم بدعاء شكر مع نهاية الآذان ثم هرول الى سرير ابنته واحتضنها بحنان وهو يغالب الدموع التي ابت الا ان تسيل لتبلل لحيته تبعته ست البنات وصفاء وعبد الرحمن ومحمد ليجتمع منزل الاستاذ كله في سرير صغير ...
تدريجيا بدات فضيلة تستعيد عافيتها وان ظلت شهيتها للاكل ضعيفة .. وبرغم قلة حديثها الا ان الجميع كان يحس بالسعادة عندما تنطق كلمة واحدة ... واجهشت ست البنات بالبكاء عندما رات شبح ابتسامة مرتسما على شفتي ابنتها وهي تستجيب لمداعبات شقيقها الصغير ... وبعد مرور شهرين على الوفاة ااصبحت فضيلة شبه طبيعية لكنها رفضت باصرار العودة الى الجامعة برغم محاولات اسرتها المستميتة لاقناعها بمواصلة دراستها ... وفي عصر احد الايام اتى والد اماني وطلب ال بفضيلة وجلس معها وقتا طويلاً وعندما خرجت من الغرفة كانت عيونها منتفخة من البكاء لكنها اعلنت بانها سوف ترجع الى الجامعة في بداية الاسبوع القادم وتحاول ان تعوّض ما فاتها ... لم يسال أي منهم عن فحوى الحديث او كيف اقنعها هذا العجوز بما عجز عنه الجميع لمدة شهر كامل
الفصل السابع عشر
عندما ظهرت فضيلة في مدخل الجامعة تجمع حولها الكثير من الزملاء والزميلات وهم يقدمون واجب العزاء ... ومن بعيد كان هناك شبح هائم بين الاشجار يرقب دخولها الذي انتظره منذ شهرين ...
عبد الفتاح الذي جعله حبه لفضيلة ورغبته المفرطة في حمايتها يبلغ الشرطة عن من كانوا صحبه ... وحتى يضمن اخذ بلاغه بجدية سعى للحصول على رقم احد اقرباء والدته العقيد في مباحث امن الدولة .. واتصل به في هاتفه المتحرك من هاتف عمومي .. ودون ان يعّرف عن نفسه اعطاه معلومات كاملة عن مكان المزرعة وصاحبها والممارسات التي تحدث فيها ... وحتى يضمن وصول قوات الشرطة قبل السيارة التي تقل فضيلة واماني بفترة طويلة .. تطوع بتمرير معلومة كاذبة عن صفقة مخدرات ضخمة سوف يتم تسليمها في المزرعة عند الساعة الحادية عشرة مساء .. استغل اللغط الذي يدور عن استغلال حسن البصيري لنفوذه والسلطة الممنوحة له في تحقيق مكاسب خاصة اضافة الى تورطه في العديد من الصفقات المشبوهة .. وادرك ان المعلومة التي ادلي بها سوف توافق هوى الكثيرين الذين يرغبون في الحصول على دليل يدعم الشائعات مما يسمح برفع الحصانة عنه واخضاعه للتحقيق... لم يحس بتانيب الضمير لكذبته لانه في قرارة نفسه كان مقتنعا بانهم يستحقون ما سوف يصيبهم .. وعندما قرا الاخبار في صحف اليوم التالي احس بالارتياح واستطاع ان يغفو قليلاً بعد ليلة طويلة امضاها ارقاً وهو يفكر في كل الاحتمالات .. خصوصا بعد ان حاول الاتصال بهاتف اماني عدة مرات بلا فائدة ..
ايقظه رنين الهاتف من نومه المتقطع لياتيه صوت مها المنزعج .. اصيب بدهشة حقيقية فقد تخيل انها ضمن المجموعة التي تم القبض عليها ورد عليها بصوت مذهول " مها ؟؟!ّ " وكانت لهفة مها للحديث اكبر من قدرتها على تمييز نبرة فتاح الغريبة " فتاح ؟؟ سمعت بالحصل ؟؟ انا ما قادرة اصدق .. حاسة اني باحلم .. احلم شنو ؟؟ دة كابوس .. مستحيل يكونوا قبضوا على ساريا وامجد وبقية اصحابنا .. وبدات تبكي بصوت هستيري فسالها عبد الفتاح بحذر " انتي مش كنتي هناك ؟؟ كيف قدرتي تهربي ؟؟ ومن بين شهقاتها شرحت له تفاصيل مشاجرتها مع ساريا والتي تركت بعدها الحفل وغادرت عائدة الى منزلها .. صمت عبد الفتاح فترة ثم رد عليها بصوت هادئ
" تعرفي يا مها برغم كل شئ لكن انتي ربنا بيحبك لانو مرقك من هناك قبل ما يحصل الحصل دة "
سكتت مها عن البكاء وتنهدت بعمق واجابته " والله يا فتاح انا ما بتذكر متين وقفت في مصلاية ولا صليت .. لكن الليلة الصباح لمن البت الشغالة جابت لي الجرايد وقريت الحصل اول شئ عملته مشيت اتوضيت وصليت .. قلت يمكن ربنا ما يقبل صلاتي لاني غلطت كتير في حياتي .. لكن برضه صليت وشكرته لانه طلّعني من الفضيحة دي وسالته يغفر لي .. واضافت بنبرة مستعطفة .. مش ممكن يغفر لي يا فتاح ولا خلاص ذنوبي بقت اكبر من الغفران ؟؟ ... لحظتها احس عبد الفتاح بسلام يغمر روحه من كلمات مها البسيطة المترجية واجابها بهدؤ " يا مها ان الله غفور رحيم وهو عالم بالجواك .. ولو انتي ولا انا ولا أي مخلوق رجع ليه بنية صافية اكيد حيغفر ويسامح "
وكانما اراحتها كلمات عبد الفتاح وفتحت امامها بابا من " يبقى انت برضه الله بيحبك يا فتاح عشان ما جيت من اصله .. الا انت ما مشيت ليه ؟؟.. رد فتاح بسرعة " أنا مشيت بس متاخر شوية ولمن وصلت هناك لقيت الموضوع خلاص انتهى "
" طيب يا فتاح هسة حنعمل شنو ؟؟ حنتخلى عن ساريا وامجد ؟؟ مش لازم نقيف معاهم ؟؟ ديل برضوا اصحابنا ..
" لا طبعا اكيد ما حنخليهم .. اول ما الامور تستقر ونعرف مكانهم بالتحديد نمشي نزورهم ونشوف الوضع كيف ..

كان عبد الفتاح يتابع تقدم ساريا البطئ وهو يسترجه وقائع زيارة ساريا وامجد كل في سجنه بعد اسبوع من القبض عليهم .. كان امجد حانقاً ولا مباليا وهو يتشدق .. " انا ما شايل هم .. بكرة ابوي يطلعني من هنا والكلاب العملوا كدة حيندموا على اللحظة الختوا فيها رجلهم جوة المزرعة "
اما ساريا فقد كانت منهارة وضعيفة وفقدت هالة القوة التي كانت تحيط بها ... قابلتهم بعيون دامعة وكلمات منكسرة
" تخيلي يا مها لا ابوي ولا واحد من اخواني جا زارني لغاية الان .. جاتني سهى مع امي بالدس منهم .. واضافت بسخرية ذكرت مها بصديقتها القديمة " اخيرا امي اتذكرت انو عندها بت وجات تشوفها .. بس يا خسارة بعد فوات الاوان "
بعد الزيارة علموا بان حسن البصيري قد اوكل اكبر المحامين للدفاع عن امجد بينما اقنع عبد الفتاح والده بتوكيل محام عن ساريا بعد ان رفض والدها التدخل في الموضوع وكان يقول امام الجميع " دي لا بتي ولا باعرفها .. دي ختت راسي في التراب وكسرت ظهري .. انا ضحيت بكل شئ عشانها هي واخوانها ... رفضت اتزوج عشان ما اجيب ليهم مرت ابو تعذبهم .. نسيت نفسي عشان خاطرهم .. وفرت ليها شئ ...كان ناقصها شنو عشان تعمل كدة ؟؟ خلوها تدخل السجن عشان تتادب ... انا متبري منها ليوم القيامة "
كانت القضية قد اصبحت قضية راي عام مما جعل اجراءتها تسير بسرعة وحددت لها جلسة قبل انقضاء الشهر ...قبل مواعيد الجلسة بيومين اختفى امجد البصيري من سجنه بطريقة غامضة ... وكثرت الاشاعات عن تورط عدد من رجال الشرطة في تدبير عملية هروبه خصوصا بعد تناثر الهمس عن المبالغ الطائلة التي دفعها والده لضمان تهريبه خارج البلاد قبل بدء المحاكمة ...
كان ينتظر انفضاض الجمع من حوال فضيلة بصبر وهو يتذكر تلك الايام عندما فشل المحامي في تخفيف الحكم عن ساريا خصوصا بعد هروب امجد فنالت حكما بالسجن لمدة اربعة سنوات بينما تراوحت بقية الاحكام ما بين ستة اشهر وسنة لبقية المجموعة .. تذكر انهيار ساريا في القفص وبكاء سهى التي عصت اوامر والدها وحضرت المحاكمة .. بعدها باسبوع اتصلت به مها لتودعه فقد قررت السفر مع خالها المقيم بالمدينة المنورة والبقاء هناك لفترة " طيب والجامعة يا مها ؟؟ انتي باقي ليك سنة واحدة حرام تضيعيها وتمشي .. ردت عليه بحزن غريب عن طبيعتها " جامعة شنو يا فتاح ؟؟ هو احنا لينا وش تاني نخت رجلنا في الجامعة ؟؟ احنا محسوبين على بعض وقضية ساريا وامجد انتهت مننا كلنا .. يمكن دة يكون عقابنا في الدنيا خليك من عقاب الاخرة .. انا قررت امشي مع خالي عشان اقعد في مسجد الرسول واتشفع بيه لربي يمكن يغفر لي ذنوبي العملتها ..انت بس ادعي لي يا فتاح وانا كمان حادعي ليك احتمال ربنا يقبل دعانا .. يلا مع السلامة وخلي بالك من نفسك ولو يوم قررت تجي السعودية اكتب عندك دة تلفون بيت خالي .. اتصل بي وحاكون سعيدة اسمع صوتك واعرف اخبارك .. اعطته الرقم واغلقت السماعة .

كانت فضيلة قد وصلت الى منتصف الممر عندما انسل عبد الفتاح من وراء الاشجار وقطع المسافة الباقية بسرعة قبل ان تخونه شجاعته .. فمنذ ان سمع بوفاة اماني وهو يشعر بالذنب لانه حثها على المضي في الخطة التي تسببت بموتها .. كثيرا ما سكنت احلامه خلال الفترة الماضية واحس بانه لن يستطيع التخلص من هذا الاحساس الا بعد مصارحة فضيلة بكل ما حدث وطلب الصفح منها ان لم يستطع طلبه من اماني .. كما كان بداخله امل ضئيل ان تحس بمدى حبه لها بعد ان تدرك ما فعله من اجلها ... وبهذا فقط استطاع ان يتحمل نظرات زملاؤه المستهجنة وغمزاتهم كل ما مرّ بهم وتجنبهم له كانه وباء معد .. لم يبال بالعزلة التي فرضت عليه فقد اعتادها ... لم يكترث بكل ما حوله واستمر في الحضور يوميا وكان يهيم في الممرات وبين القاعات بانتظار اليوم الذي تعود فيه فضيلة .. لقد طال انتظاره .. لكنها هاهي امامه .. لقد تغيرت كثيراً .. فقدت الكثير من وزنها واحاط بها جو ثقيل من الحزن انعكس في عينيها الجميلتين فبدتا اغمق لونا .. اكثر عمقا واشد لمعانا .. وكأن هناك دموع حبيسة تنتظر بلهفة كي تنهمر .. وبرغم هذا ما زالت رائعة الجمال .. اوجع حزنها قلبه وتمنى لو يستطيع ان يضمها الى صدره ويربت على شعرها .. تمنى ان يمتص المها ويخفف عنها ما تحس به ..
فؤجئت فضيلة بجسد عبد الفتاح يسد عليها الطريق فرفعت راسها ونظرت اليه بشرود .. في البدء لم تتعرف عليه فهو ايضا تغير كثيرا خلال الشهرين الماضيين ...اصبح نحيلاً.. وتوارت ملامحه خلف لحية كثيفة تغطي معظم وجهه .. اختفت النظرات العابثة وحلت مكانها نظرة هادئة متاملة متضرعة .. مد يده وهو يخاطبها " ازيك يا فضيلة .. البركة فيكم .. وفاة اماني كانت صدمة لينا كلنا ... الله يرحمها ويغفر ليها .. ويصبرك على فراقها "
بعد تردد مدت فضيلة يدها وبادلته التحية بصوت خفيض اذاب قلبه وسرت في جسده رعشة قوية عندما احس بملمس كفها الناعم وهو يغوص في عمق يده .. فاغمض عينيه حتى لا ترى مدى تاثيرها فيه .. وفتحهما عندما سمع صوتها القلق وهي تسحب يدها " انت من شلة ساريا مش كدة ؟؟ رد فتاح بسرعة " كنت ... هسة خلاص ما بقت في شلة زي ما اكيد عرفتي "
نظرت اليه فضيلة بوجوم " عرفت ؟؟ عرفت شنو ؟؟
كان واضحا انها لم تسمع بالاحداث التي اعقبت موت اماني فاحس فتاح بالحرج واجابها وهو يتفادى النظر في عينيها
" حصلت حاجات كتيرة يا فضيلة واتمنى لو تديني الفرصة عشان احكي ليك " هزت فضيلة راسها عدة مرات وردت عليه بحزم " معليش بس انا ما عاوزة اسمع أي شئ عنكم ... احنا الرابط الوحيد بينا كان اماني .. وتهدج صوتها وهي تضيف ...خلاص اماني راحت .. يبقى ما في داعي تحكي لي .. أي حاجة حتقولها ما بتهمني .. عن اذنك وراي محاضرة .. اعطته ظهرها وبدات المسير عندما سمعت كلمات فتاح التي جمدتها مكانها " حتى لو كان الحاقوله ليك عن اماني وسبب موتها ؟؟
ببطء شديد التفتت اليه وفي عينيها تعبير مصدوم وسالته بهمس متحشرج " سبب موت اماني ؟؟ اماني ماتت بتسمم من حاجة اكلتها برة الجامعة .. في سبب تاني غير كدة ؟؟ انت عارف حاجة تانية ؟؟ اتكلم .. قول لي في شنو ؟؟ وبدا صوتها يعلو مما اخاف عبد الفتاح من احتمال انهيارها ان هو اخبرها بما لديه من معلومات .. حاول تهدئتها " اسمعي يا فضيلة انا عارف حاجات كتيرة متاكد انو بيهمك تعرفيها .. بس دة لا الوقت ولا المكان المناسب عشان نتكلم فيها .. امشي خلصي محاضرتك وارجعي تلقيني منتظرك "
كانت علامات الشك والتردد تملا وجهها " لو عندك حاجة زي ما بتقول كلمني بيها هسة وهنا .. انا ما عندي استعداد اقعد معاك في أي مكان .. واشك انو اصلا عندك كلام عاوز تقوله .. شنو ؟؟ خلاص اماني ماتت عاوزين تقبلوا عليّ انا ؟؟
قاطعها فتاح بصرامة " لو سمحتي يا فضيلة .. انا جاد جدا وعندي فعلا معلومات عن سبب موت اماني بدليل صاحبتها الجات ساقتكم من الداخلية عشان توديكم المستشفى " وعلى الفور صمتت فضيلة فلهجة عبد الفتاح والمعلومة التي ادلى بها تدل على انه فعلا يعلم الكثير عن الموضوع .. التقت نظراتهما لفترة طويلة واحس فتاح كانها تحاول اختراق عقله وروحه لتعرف مدى صدقه واخيرا ردت عليه بكلمات مختصرة " قعدة برة الجامعة لا .. انتظرني في الكافتيريا بعد نهاية المحاضرات " وواصلت مسيرها بخطوات ثابتة تجاه قاعة المحاضرات .

اختار عبد الفتاح طاولة بعيدة في ركن منعزل وجلس بانتظار فضيلة .. كان يحاول ان يرتب افكاره ليحدد ما يجب قوله وما لا يجب .. في النهاية قرر ان يصارحها بكل شئ .. ربما يستطيع ان يكسب احترامها وثقتها ان لم يكن حبها .. أي احساس من فضيلة سوف يشعره بالرضا والسعادة ...
كانت جلسة طويلة ومؤلمة لكليهما .. لم تتوقف فيها دموع فضيلة من الجريان وكأن نهراً سكّن عينيها .. لكنه نهر مالح يصب مباشرة في قلب عبد الفتاح المثخن بالجراح .. كانت ملامحها تتبدل من الصدمة والحزن الى الخوف والذهول ثم الاشمئزاز والالم وهي تستمع لكلمات عبد الفتاح الذي حكى كل شئ بصراحة ووضوح .. عندما انتهى خبات فضيلة راسها في ذراعيها المضمومتين امامها على الطاولة وبكت كما لم تبك من قبل .. توزعت نظرات عبد الفتاح القلقة بينها وبين من حوله... شعر بالراحة لعدم وجود كثير من الطلاب في المكان ...
بعد فترة طويلة بدت لعبد الفتاح دهرا رفعت فضيلة راسها وهاله منظرها .. واحس فورا بالندم لاخبارها كل التفاصيل .. وايقن بانه قد خسرها للابد .. ومن نظراتها تاكد من استحالة الحصول على أي احساس منها غير الاحتقار والغضب .. وهل يستطيع ان يلومها ؟؟
كان لصوتها برودة الثلج وهي تخاطبه دون ان تنظر اليه " عمري ما كنت متخيلة انو في شر بالصورة دي .. ولا انو البني آدم ممكن ينقلب لشيطان .. انتو قايلين نفسكم شنو ؟؟ عشان الله اداكم القرش ممكن تشتروا أي شئ حتى الناس ؟؟ وحتى لو ما عارضين نفسهم للبيع ؟؟ .. انتو ما عندكم اخوات ؟؟ بترضوا العملتوه في بنات الناس دة يحصل ليهم ؟؟ ولا خلاص ضميركم مات لدرجة ما في شئ بقى يهمكم ؟؟
حاول ان يوقف سيل الحمم المنهمر من فمها فقد اوجعه الى حد كبير " فضيلة ارجوك اسمعيني " قاطعته بحدة وهي ترفع كفها الرقيق امام وجهه " ما عاوزة اسمع اكتر من كدة كفاية السمعته ... بس الحاجة العاوزة اقولها ليك انو ذنب موت اماني معلق في رقبتكم كلكم لغاية ما تخشوا التراب .. وانا لولا عاوزة استر صاحبتي بعد موتها عشان خاطرها وخاطر اهلها كنت مشيت البوليس وبلغت عن الانتوا عملتوه فيها وبالذات المخلوقة الاسمها ساريا دي .. دي مستحيل تكون انسان من لحم ودم .. دي الشيطان ذاته يخاف منها .. واضافت بلهجة تقطر مرارة " هي موجودة في ياتو سجن ؟؟" نظر لها فتاح باستغراب " في سجن امدرمان بتسالي ليه ؟؟
احتضنت دفاترها وحملت حقيبتها وغادرت دون ان ترد عليه ...
الفصل الثامن عشر

عندما دخلت ساريا غرفة الزيارات في السجن جالت بنظراتها تبحث عن وجه مالوف .. لقد شعرت بالدهشة عندما اخبروها بان هناك من اتى لزيارتها .. فمنذ صدور الحكم النهائي في قضيتها لم يزرها احد .. حتى سهى لم ترها مرة اخرى بعد الجلسة الاخيرة .. يبدو انها انصاعت لاوامر والدهما القاضية بنسيان اختها .. اما اصدقاء الامس الذين كانوا يستميتون في لقاءها ووصالها فقد اختفوا بكل هدؤ ... حتى عبد الفتاح زارها مرة واحدة فقط وبدا مرتبكاً وكان يتفادى النظر اليها مباشرة .. جلس معها فترة قصيرة لدرجة لم تتح لها فرصة شكره على وقوف والده بجانبها .. بدا وكانه يؤدي واجبا ثقيلا وسرعان ما تمتم بكلمات عن انشغاله ومضى لا يلوي على شئ ... احزنها موقفه دوناً عن الباقيين ..فقد توقعت وقفته بجانبها وتفهمه لوضعها .. هو الوحيد الذي رافقها منذ الصبا وعايش معها كل ما مرّت به في حياتها .. هو الوحيد الذي اعطته قلبها وفعلت كل ما فعلت من اجل الاحتفاظ به في حياتها .. لحظة مغادرته بعد الزيارة السريعة ادركت انها لن تراه مرة اخرى ..وفي هذه اللحظة فقط أحست انها فقدت كل شئ ..
توقفت عيناها فجأة عندما اصطدمتا بوجه فضيلة الساحر .. تجمدت في مكانها ولم تنتبه الى ان فمها ما زال فاغراً الا بعد ان احست بلفحة هواء تتغلغل داخل حلقها وتحرقه .. احست بامواج من الحقد والغيرة تتلاطم بداخلها ولم تجتهد لاخفائها فظهرت في عينيها وفي حركات جسدها .. تحركت بتثاقل تجاه فضيلة التي كانت تجلس بهدؤ مثير وعيناها مركزتان على ساريا التي بدت بملابس السجن المتواضعة وبدون مساحيق التجميل الباهظة الثمن كانها فتاة مشردة .. ضائعة .. ازداد جسدها نحولاً فاصبحت كصبي تنكَر في زي فتاة .. فقدت ملامحها الشاحبة كل مظاهر الغرور والتعالي .. وبدت عليها معاناة حياة السجن الشاقة ..
تقدمت وجلست بتحدي على الكرسي المواجه لفضيلة وتاملتها بوقاحة ونطقت بصوت يقطّر كرهاً ومرارة " انتي ؟؟ الجابك هنا شنو ؟؟ جاية تشمتي فيني ؟؟ متخيلة انك انتصرتي عليّ ؟؟ اصحح ليك معلومة يا شاطرة .. لازم تعرفي انو انا ساريا .. ومهما حصل حافضل ساريا .. بكرة الايام تمر وحاطلع من هنا يا فضيلة .. وصدقيني ما حانساك ووين ما تكوني حاوصلك .. ووقتها ما حارحمك .. انتي السبب في كل الحصل لي وحاعرف كيف انتقم منك ..

كانت فضيلة تنظر اليها بتركيز شديد وهي تستمع الى كلماتها الحاقدة .. واخيراً ردت عليها بصوت ثابت واضح النبرات ..
" تعرفي يا ساريا انا جيت هنا وفي راسي كلام كتير عاوزة اقوله ليك .. بس بعد ما شفتك وسمعت كلامك حسيت اني ما عاوزة اقول ليك غير حاجة واحدة .. انتي انسانة مريضة ومحتاجة علاج ..قفزت ساريا من كرسيها لدى سماعها هذه الجملة وصرخت " انتي بتقولي علي أنا مجنونة ؟؟ الجن اليجننك .. انتي جاية عشان تشتميني .. بتستغلي اني هنا وما حاقدر ارد عليك ؟؟ اصبري علي يا بتاعت الاقاليم انتي .. وشوفي ... قاطعتها فضيلة بلهجة صارمة ونظرات حازمة ..
" اسكتي واقعدي اسمعيني للنهاية .. تعرفي انا أول مرة في حياتي اكره لي انسان .. ايوة انا باكرهك يا ساريا وباتمنى تقعدي في السجن دة لغاية ما تموتي وتمشي للعقاب الحقيقي الحيخليك تتمني ترجعي الدنيا تاني وتقدري تصلحي العملتيه ... الزيك ما مفروض تعيش وسط الناس العاديين .. انتي شيطان ما انسان .. وواصلت بنفس القوة التي جعلت ساريا ترتمي على كرسيها وبعيون متسعة تنظر الى فضيلة التي منحها غضبها قوة وصلابة وزادها جمالاً .. كان صدرها يعلو ويهبط من فرط الانفعال .. تناثرت خصلات شعرها على وجهها في حلقات ناعمة .. ارتفع انفها الذي زاده نحول خديها شموخاً .. بدات الاعين الفضولية تنتبه للنقاش الحاد وساد صمت غريب الغرفة وكأن الجميع اصاخ السمع .. كانت الكلمات تندفع من فم فضيلة بحرارة والم .." انا عرفت كل حاجة انتي عملتيها عشان تجريني للوحل الكنتي عايشة فيه .. لكن للاسف في طريقك اتسببتي في موت انسانة بريئة ما ليها ذنب " ردت ساريا بسخرية " برئية ؟؟ دي منو البرئية دي ؟؟ ههة الظاهر عليك انك كنتي مغشوشة في صاحبتك .. قاطعتها فضيلة ببرود " اياك تقولي كلمة واحدة عن اماني .. على الاقل هي عاشت وماتت شريفة .. حتى لو غلطت انا مسامحاها وربنا حيغفر ليها لانه عالم بنيتها " الدور والباقي عليك انتي شوفي بعدين حتمشي وين من حسابه .. دة لو كنتي اصلا بتعرفي الله ..
هبت فضيلة من كرسيها ونظرت من علوها الى ساريا الجالسة وهي تكاد تنفجر غيظاً " كلمة اخيرة باقولها ليك يا ساريا ... احتمال انتي قدرتي تغتالي فضيلة بنات كتار وتخليهم يمشوا معاك في دربك المعووج .. لكن فضيلة محمد زين لا .. وتاكدي برضو انو في بنات كتار زيي وعمرك ما حتقدري توصلي ليهم مهما عملتي" عارفة ليه ؟؟ لانه عندهم حاجة انتي ما بتفهميها ولا بتعرفيها .. حاجة اسمها الشرف والاخلاق والدين والتربية .. ما تتخيلي انو اي واحدة ممكن تتنازل عن الحاجات دي عشان خاطر التوافه الانتو شايفنها مهمة .. وحاستناك يا ساريا لمن تطلعي واشوفك حتعملي شنو .. انا ما خايفة منك ومستعدة اقيف قصادك وصدقيني حتندمي لو فكرتي يوم تتعرضي لي ..
بخطوات واثقة فخورة غادرت فضيلة الغرفة تتبعها نظرات الموجودين المبهورة ...


الفصل التاسع عشر
كان صوت الرعد يصم الاذان .. ولمعات البرق تخترق النوافذ والابواب المغلقة ... تنهد محمد زين بضيق .. فالمطر المنهمر منذ بداية الليلة قد يمنعه من الوصول الى المسجد لاداء صلاة الفجر الذي صار وشيكاً ... كان يجلس في كرسيه المعتاد في وسط الصالة الدافئة وبيده المصحف وهو يتلو القرآن بصوت رخيم .. ومن خلال الباب المفتوح اتته رائحة اللبن المقنن واللقيمات مختلطة بعبق بخور التيمان الذي اعتادت ست البنات وضعه في المطبخ يوميا قبل الصلاة .. كانت همسات زوجته وابنته صفاء تاتيه متباعدة وهن يتجاذبن اطراف الحديث في المطبخ وبين الحين والآخر تعلو ضحكة تكتمها صاحبتها كي لا توقظ النائمين ... رفع محمد زين راسه على صوت عميق هادئ يحييه بود واحترام " صباح الخير يا حاج محمد " نظر باعزاز كبير الى زوج ابنته فضيلة .. كان شاباً طويلاً وسيماً اسمر البشرة يشع الذكاء من عينيه وتوحي ابتسامته العريضة بالطيبة ..







رد مع اقتباس
قديم 04-04-2016, 12:06 PM   رقم المشاركة : 7
:: عضو مميز ::

 
الصورة الرمزية أميرة الشوق






أميرة الشوق غير متواجد حالياً

أميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond repute


اغتيال فضيلة


واتسعت ابتسامة محمد عندما تدافعت الى راسه ذكرى اول لقاء بينه وبين فضيلة قبل عامين .. كان قد تعيّن كمعيد في الجامعة بعد حصوله على شهادة الماجستير في القانون الجنائي من جامعة اكسفورد العريقة ... اتته الفرصة لتدريس طلبة السنة الاخيرة بالكلية كبديل بعد ان تغيب دكتور المادة الاصلي لظروف صحية طارئة ... كان مرتبكاً من مواجهة طلاب لا يكبرونه في العمر كثيراً .. وتخوّف من امكانية عدم ايصال المعلومات اليهم بصورة مرضية ... دخل القاعة وهو منكّس الراس والقى السلام بصوت حاول ان يجعله واثقاً ومتمكناً .. تجنب رفع عينيه عن اوراقه حتى لا يرى العيون الشاخصة .. وبايجاز اوضح انه بديل مؤقت لحين عودة المحاضر الاصلي وجلس في كرسيه وبدا الشرح ... تدريجيا استعاد ثقته بنفسه وعاوده ذكاؤه الحاد الذي اهله للحصول على الماجستير في فترة وجيزة .. بسلاسة وطلاقة واصل المحاضرة حتى نهايتها .. صمت الطلاب كان يدل على استيعابهم لما يقوله برغم صعوبته .. وعندما شارف وقت المحاضرة على الانتهاء سمح لنفسه بتامل طلابه .. ووقعت عيناه عليها .. كانت لحظة لا توصف .. انحبست بقية الكلمات في حلقه .. احس بموجة حارة تعبر جسده من راسه وحتى اخمص قدميه .. ارتعشت حواسه بشكل غريب .. امتلا قلبه باحساس غامض وكأن طاقة سحرية فتحت امامه وادخلته الى عالم مضئ ملئ بالبهجة والامان .. لم يكن يدري ما اصابه .. فقد عاش فترة طويلة من حياته بالخارج وتنقل كثيرا .. وراي شتى انواع الجمال .. العربي والغربي لكنها المرة الاولى التي يهتز فيها لرؤية جمال امراة ... كان يفكر فيما دهاه .. وتساءل هل هذا ما يطلق عليه الحب من اول نظرة ؟؟ .. استفاق من شروده على اصوات الطلاب الهامسة المتغامزة وهم يتابعون اتجاه نظراته نحو فضيلة التي ارتفعت دماء الخجل الى وجهها فزادته جمالاً .. لقد احست بالحرج ورغم انها قد اعتادت على تاثير جمالها الطاغي على الرجال .. لكن نظرات المحاضر المركزّة اشعرتها بالخجل الشديد ... لكزتها زميلتها وهمست بابتسامة ماكرة شيئا ما في اذنها .. لكن فضيلة لم ترفع راسها وظلت تنظر الى كتابها بارتباك ... واخيرا استعاد المحاضر الشاب سيطرته على نفسه فانهى المحاضرة بلهجة معتذرة ولملم اوراقه على عجل وغادر القاعة .. كان يسير وكانه يطير هائماً في افكاره " سبحان الله مش الجمال وبس الانسانة دي فيها شئ غريب بياسر الروح .. انا لازم اعرف عنها كل حاجة " وتذكّر سعيه الحثيث لجمع المعلومات عنها وفرحته الغامرة عندما اتفق الجميع على ادبها الجمّ وسلوكها المميز .. تفوقها في دراستها .. والاهم من كل هذا عدم ارتباطها باي كان طوال فترة دراستها .. أخافه احتمال وجود ارتباط في موطنها فمن كانت مثلها لا يمكن ان تكون حرة ...واصبح التفكير في الامر هاجس سرق نومه وشغل صحوه

في عطلة نهاية الاسبوع كان يقرع باب منزل الاستاذ محمد زين في القرية بعد ان اهتدى اليها بصعوبة .. فتح الباب شقيقها فملامح الشبه واضحة .. قابله بترحاب وتساؤل فطلب مقابلة والده .. كان لقاء طويلاً تكلم فيه محمد كثيراً .. تطوع باعطاء كل المعلومات التي تدعَم طلبه عن اسرته ودراسته وطلب يد فضيلة للزواج ...
اندهش الاستاذ محمد زين عندما علم بانه قد اتاه مباشرة ودون ان يفاتح فضيلة في الموضوع فرد الشاب " انا عاوز ادخل البيت من بابه عشان كدة جيتك اول .. شاور فضيلة ولو وافقتوا انا مستعد اعمل الزواج بعد الامتحانات مباشرة ... كانت فرحة محمد زين مصحوبة بدهشة الاب الذي اكتشف لتوه ان ابنته قد كبرت واصبحت مطلوبة للزواج ... " ادينا فرصة نشاور اخوها الكبير في السعودية ونكلم اعمامها ونرد عليك " كان قد احس بالارتياح للشاب الوسيم وبدا ذلك واضحا في ابتسامته ونبرات صوته الودودة وهو يرافقه حتى باب سيارته امام المنزل ...
في مساء ذلك اليوم تلقت فضيلة اتصالاً من والدها يطلب منها العودة الى القرية في عطلة الاسبوع المقبل ... اصابها القلق فورا .. وكان صوتها ملئ بالخوف وهي تسال والدها عن والدتها وبقية اخوانها ... فطمانها بان الجميع بخير فقط في شوق لرؤيتها ... لم يهدا لها بال حتى وصلت الى المنزل ليستقبلها الجميع بابتسامة متواطئة ونظرات متبادلة .. وفرحة خفية ... واخيرا جلست بين والديها بينما وقف محمد وصفاء خلفها وبهدؤ اخبرها والدها عن الزيارة التي قام بها استاذها الشاب ورغبته في الزواج بها .. احست بالدهشة والاحترام لهذا الانسان الذي لم يحاول ان يفاتحها او يعترض طريقها واتى الى والدها مباشرة .. كان صمتها دليل قبول اشاع الفرح في البيت الصغير ... وتواردت المعلومات عن اسرة المحاضر الشاب وكانت مطمئنة فهو ولد وحيد وسط اربعة بنات لاسرة ميسورة الحال الام ربة منزل جامعية تفرغت لتربية اولادها والاب رجل اعمال كبير يؤمن باهمية التعليم فوفر لاولاده ارقى مستوى منه .. ثلاث بنات من الاربعة متزوجات من اسر محترمة ومعروفة .. صغيرة البيت ما زالت في سنتها قبل الاخيرة بكلية الطب ... كانت اسرة تتمتع بسمعة طيبة جعلت فضيلة توافق على الزواج شريطة ان يتم بعد التخرج وفي قريتها الصغيرة وسط اهلها وجيرانها ..

الفصل الغشرين و الاخير
كانت فضيلة قد انجبت التوام بعد زواجها بسنة واصبحوا قرة عين الاسرتين وعندما اختارت اسم اماني تذكّر الجميع الفقيدة التي رحلت منذ اربع سنوات وما زالت مقيمة في قلب فضيلة ... تزور قبرها لقراءة الفاتحة كلما اتت القرية .. تذهب الى والديها وتجلس معهم بالساعات الطوال .. وكثيراً ما تنسى وتنادي شقيقتها باسمها .. عندما تكون وحيدة تتذكر بحسرة ومرارة كيف فقدت حياتها .. احيانا كانت تستحضر صوراً باهتة لمن تسببوا في موتها فهي لم تسمع عنهم منذ فترة طويلة خصوصا عبد الفتاح وساريا .. اما مها فقد فوجئت بعد عودة اسرتها من الحج بصفاء تخبرها ان فتاة قابلتهم في مسجد الرسول (ص) في المدينة وترسل لها السلام وتطلب عفوها ... وعندما سالتها من التفاصيل ذكرت لها صفاء ان الفتاة تقاربها في العمر كانت موجودة بصورة شبه دائمة في كل الاوقات التي ذهبوا فيها للصلاة في المسجد وكانت تطيل النظر اليهم وفي يوم تقدمت بخطوات مترددة وسالت صفاء وست البنات " بتعرفوا واحدة اسمها فضيلة محمد زين ؟؟ بتشبهكم شديد ؟؟ وعندما ردت صفاء بانها شقيقتها وهذه والدتهما طفرت الدموع من عيون الفتاة وطلبت منهم ابلاغها السلام " قولوا ليها مها الامين .. الكانت صاحبة اماني الله يرحمها .. وخلوها تسامحنى .. يمكن الله يغفر لي لو هي سامحتني " وانسحبت بسرعة بعد هذه الكلمات ولم يصادفوها مرة اخرى حتى مغادرتهم .. عندما سالتها ست البنات لما تطلب منها هذه الفتاة السماح والعفو اجابت فضيلة بانها لاتذكر .. ربما اخطات في حقها ايام الجامعة واغلقت باب النقاش في الموضوع .. لقد قطعت وعداً على نفسها ان تظل سيرة اماني عطرة امام الجميع وان ما حدث سوف يظل حبيس صدرها الى الابد أما امجد فقد رات صورته تتصدر نعي يحتل صفحة كاملة في احدى الجرائد منذ شهرين وكتب فيه انه توفى اثر علة لم تمهله طويلاً وسمعت زوجها وهو يناقش والده في الخبر عندما جلس الجميع مساء كما اعتادوا " شفت خبر وفاة ولد الوزير السابق في الجريدة يا حاج ؟؟ .. واجاب والده بصوته الجهوري " ايوة شفته وفي ناس باعرفهم اكدوا لي انه جاه ايدز .. يا محمد ان الله يمهل ولا يهمل .. الولد دة ابوه هربّه برة البلد بعد القضية بتاعت الشبكة اياها .. متذكرها ولا انت كنت برة الوقت داك ؟؟ المهم قعد في اوربا حايم من بلد للتاني وابوه يصرف عليه من قروش البلد بدون حساب لغاية ما اخيرا الناس الفوق ديل صحوا وعرفوا انو الزول دة بينهب في اموال الدولة بدون حساب .. ولمن نزلوه من الوزارة هو زاته سافر برة بباقي اسرته لكن بعد ما شال مليارات وحولها في بنوك سويسرا وقال شنو طلب لجؤ لانه بقى معارض للنظام ؟؟ والله حاجة تضحك .. أي واحد بعد ما يشبع يطلع ويقول معارض للنظام ..
" كانت فضيلة تستمع بصمت للنقاش الدائر وذكرى اماني تتقافز امام عينيها .. بينا واصل والد زوجها كلامه بحكمة .. " ما في شماتة في الموت .. لكن يمكن دة يكون عقاب رب العالمين ليه .. شال منه ولده الكبير وهو في عز شبابه عشان يعرف ان الله حق وما في شئ بيمر بدون حساب "
يومها انسحبت فضيلة الى غرفتها واحتضنت ابنتيها وغرقت في بكاء طويل احست بعده براحة وسلام

تعالى صوت الاذان معلناً عن صلاة الفجر ... تمتم الجميع " صدق الحق " وهبّ الاستاذ محمد زين واقفاً تبعه الجميع " يلا يا اولاد الحمد لله المطرة وقفت عشان نمشي الجامع " اخذت فضيلة صغيرتها من بين ذراعي زوجها ووضعتها بين زراعي الجدة المتلهفة " امسكي امل يا امي انا حاجيب لابوي الطاقية والعصاية " كان زوجها ينظر اليها بوله شديد لم يحاول اخفاؤه .. كان جمالها قد ازداد نضجاً وجعلتها سعادتها مع زوجها وفرحتها ببناتها اكثر اشراقاً وتابع الاستاذ محمد زين نظرات زوج فضيلة واغمض عينيه وهو يشكر ربه بصمت فقد ذكّره بنفسه عندما تزوج ست البنات واطمان على ابنته الحبيبة وايقن في اعماق قلبه ان زوجها سوف يحبها ويدللها كما فعل هو مع زوجته ..
في طريقها الى خارج الغرفة وقفت فضيلة امام شقيقها الصغير وعدّلت من وضع الطاقية في راسه ثم قبلته بحرارة على خده مما جعله يحتج بشدة وحرج " يا فضيلة ما تبوسيني تاني انا خلاص بقيت راجل .. وهمس بخجل .. هسة راجلك يقول علي شنو ؟؟ لسة ولد صغير اخواته بيبوسوه ؟؟
ردت عليه فضيلة بمرح " والله يا محمد لو بقى عندك عشرة عيال حتفضل في نظري محمد الصغير البيحب البسكويت باللبن" وانسلت من امامه بسرعة قبل ان تاتيها احدى اجاباته السريعة .. وكتم الجميع ضحكاتهم وهم ينظرون الى وجه محمد الوسيم وهو يتضرج خجلاً ...
تنهد الاستاذ محمد زين بخفوت وهو ينظر الى اسرته الصغيرة باعزاز كبير وبرغم الحزن الذي شاب قلبه لغياب عبد الرحمن الطويل عن الوطن الا انه بات مطمئنا اكثر بعد ان تزوج بفتاة جميلة ورزق منها بطفلين ويعيش معهم سعيدا في غربته .. وشعر بنغزة الم في قلبه عندما تذكّر ان هذه آخر زيارة لفضيلة سوف تسافر بعدها مع زوجها لبريطانيا بعد ان حصل على منحة دكتوراه من اعرق الجامعات هناك .. لكنها وعدتهم بالعودة في اقرب وقت فهي لا تتحمل فراقهم لفترة طويلة ..
صفاء ايضا سوف تغادر مع بداية السنة الدراسية لتلتحق بكلية الطب .. ولن يبقى معهم سوى محمد .. كان يصبّر نفسه بانها سنة الحياة .. وغمره شعور بالفخر فقد غرس شجرة صغيرة ورعاها بكل كيانه فاينعت واشتدت فروعها واثمرت بعنفوان ..
خرج الاب وابنه وصهره الى شوارع القرية المليئة بمياه الامطار ... كان الهواء نقياً ومحملاً برائحة الدعاش .. الاشجار تتمايل بخفة مع هبات النسيم وقد لمعت اوراقها بخضرة زاهية .. من الحقول القريبة ارتفع نقيق الضفادع بايقاع رتيب يجاوبه رفيف اجنحة حشرات الخريف .. صياح الديكة يتردد من سطح بيت لآخر ... في الدروب الضيقة لمعت الاضواء وفتحت الابواب .. تزايد وقع الخطوات المتعجلة للوصول الى المسجد .. تحايا ودودة يتبادلها السائرون وهم يترافقون الدرب ويملاؤون صدورهم بالهواء البارد ...
كما هو الحال دائماً ... ياتي المطر محملاً بالخير .. يسقي الارض العطشى .. ويغسل النفوس المتعبة

تمت بحمد الله تعالى












رد مع اقتباس
قديم 04-04-2016, 12:06 PM   رقم المشاركة : 8
:: عضو مميز ::

 
الصورة الرمزية أميرة الشوق






أميرة الشوق غير متواجد حالياً

أميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond reputeأميرة الشوق has a reputation beyond repute


اغتيال فضيلة








رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة









الساعة الآن 04:05 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
منتديات بال مون - منتديات رومانس مون