منتديات بال مون  

العودة   منتديات بال مون > منتدى الفن والأدب > منتدى روايات عبير وأحلام > الروايات العربية

الروايات العربية قسم مختص بعرض أشهر الروايات العربية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-04-2016, 11:07 AM   رقم المشاركة : 13
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


غرباء منتصف الطريق


التقوا صباح اليوم التالي في مركز انطلاق سيارات القلمون في الزبلطاني، ركبوا في الحافلة التي اختارت طريق دمشق حمص، عند خان العروس انحرفت يساراً في مفرق صاعد يستمر ارتفاعه حتى ألف وستمئة متر، مروا على أراض جرداء مقفرة متماوجة، تلال على الجانبين وسهول معظمها غير مزروعة، مراع بكر، وصلوا إلى هضبة تقف كالجدار، اخترقتها السيارة لتنفتح أمامهم شيئاً فشيئاً معالم الحياة، وما هي إلا دقيقة أو أكثر فإذا بهم في حضن بلدة قديمة، بلدة كأنها أنزلت بطائرة مروحية، انتشرت عند مدخلها وقربها بعض شجيرات العنب وكروم التين الهرمة التي تتقصف أغصانها، طرق ترابية على جانبي الشارع العام توصل إلى أراض مزروعة حديثاً ومنطقة مفتوحة تحدها المرتفعات، تتخللها ممرات ضيقة ومتعرجة بعضها مسقوفة، على جانبيها بيوت مبنية جدرانها من الحجارة، أما أسقفها المائلة فمن جذوع الأشجار المكسوة بطبقة من الطين المجبول بالقش، هذه «معلولا» التي وصلوها بعد ساعة من انطلاقهم، تبدو الطبيعة متناقضة، منفتحة ومغلقة في الوقت ذاته، إحساس بالوحشة والألفة، وكما ترافقهم الوحشة فإن أماكن جديدة تتوالد ترحب بهم، كهوف ومغاور وطبيعة متمردة حاولوا استنطاقها، وصلوا إلى الشق الذي على يمينهم، الأرض مشبعة بروح الله وقدسيته، تفتح صدرها وتباعد ما بين يديها، يمرون في الانهدام، يشمون رائحة بخور معتق، بخور من آلاف السنين، حيث امرأة كبحت أنوثتها وصنعت أسطورة، فكانت بطلة هذا الفج، الذي جعله الله سالكاً لنجاتها، مع الزمن تمدد ليصل إلى الهضبة، حيث الصخور التي تتلقى النسيم العليل وندى الصباح وعذوبته على مدار السنة، طبيعة منكسرة ترتفع تارة وتنبسط أخرى محتفظة بصخورها في أعلاها، هذه الصخور التي عايشت الناس منذ آلاف السنين، بدت أليفة لا خوف من تدحرجها، حتى ولا من زلزال، إلى يسارهم البلدة القديمة التي تتسلق الجبل بأزقتها وأبنيتها، وكأن كل بناء يهيء للذي يليه، ساروا داخل الشق الموصل إلى دير القديسة تقلا، ومن هناك امتطوا المناطق الزراعية والهضاب.
الطبيعة غافية، أيقظتها رائحة الأنوثة والأحاديث الطرية، صحا كل شيء، فإذا الرياح تغرد، العصافير طائرة تزقزق، تهرب لتعود ثانية في حركة رياضية، الطبيعة مليئة بالتطريز كثوب أم حامد، توجهوا عبر المناطق الزراعية والأراضي الوعرة، حيث أوصلهم المسير إلى دير مارسركيس ذي البوابة المستطيلة المصفحة بما لا يقل عن مئة مسمار ذي طبعة مربعة.
طافوا في شوارع معلولا وأزقتها، ما بين ترحيب الأهالي وابتساماتهم ومرح الطبيعة، شعروا أنهم في حضرة التاريخ، في حضرة أجدادهم، خاصة وهم يرون الأزياء القديمة. يتحدث الأهالي بلغة غير مفهومة لهم، إلا أنها غير غريبة على أسماعهم، سألوا عنها، فعرفوا أنهم يتحدثون السريانية بطلاقة، بعد الظهر توجهوا إلى مطعم صغير يقع في واجهة البلدة، فيه عدد من الطاولات وعاملان، أحدهما يلبي طلبات أربعة سياح، على الجدران ثلاث لوحات، الأولى للسيدة العذراء، ولوحة تمثل صلب السيد المسيح والثالثة منظر عام للبلدة، بجانبها ترخيص صحي، خلف الزجاج سحب متفرقة تغزو السماء، وشمس خففت كثيراً من وهج حرارتها، شدتهم التغيّرات الجوية، تحدثوا عن الخريف وتقلباته، جاءهم النادل بقائمة المأكولات، طلبوا وجبة غداء، بدوا فرحين يتبادلون المزاح وهم في فرح عارم، تناول حامد قطعة لحم وقدمها إلى فرات، نظرت إليه تستهجن ما يقوم به، احمرّ وجهها وقالت: أنا أتناول بيدي!
- خذي أيتها الجميلة!
ابتسمت هلا وطلبت إلى صديقتها أن تعامل حامداً بالمثل، وتقدم لـه الطعام بيدها، بخجل تناولت قطعة لحم وقدمتها، تناولها وحاول قضم أصابعها بحركة متعمدة وهو يحدق بعينيها، نظرت إليه وقالت: آخ يا متوحش!
تأمل فرات سماع المزيد من تعليقاته، إلا أنه صمت، عيناه تفيضان بالتساؤل تائهتان فيهما قلق ورغبة في إبداع الحياة من جديد. غادروا المطعم وحامد وسطهما، أسرعت إلى الفج مهرولة أمام فرات وحامد: "إلى أين؟"
ابتعدت عنهما، تجاهلت السؤال وصار من الصعب اللحاق بك، علقت فرات: "آه يا ملعونة!"
على بعد أمتار من بداية الشق جلس يحدق إلى وجه فرات، من بعيد صوت فيروز «بكتب اسمك...» حفر اسمه واسمها بخط أنيق وإلى جانبهما رسمت قلبين متعانقين، وضع يده فوق كفها بعد أن أكملت الرسم، كل شيء فيها متفتح وناهض ورشيق، بدا الخريف ربيعاً، نظر إلى بؤبؤ عينيها، الربيع في عينيها وابتسامتها، كل الفصول في فوضى وارتباك.
نظرت إليه وبدأت تحدثه عن الأيام التي تنتظرهما. تقف دموعها في مقلتيها. شيء ما يفتت أعصابه، يشعل النيران في دمه. عيناها سحابة تغسل القلب وتنقيه. احتضنت النسيمات بعض القطرات المنحدرة على خديها. الشمس تقبل الجداول برفق، فتبدو ألوان الطيف متراقصة: "هل للغيوم مخاض آخر بعيداً عن عينيك؟ أرثي سماء تستجر مطرها، تعاني المحل على الرغم من اتساع البحار."
سارا صامتين، في أعماقهما يشتعل الحلم. خيالها النشيط يجعلها تهيم في عالمه. يولد صوراً رائعة ونشوة تسكن جسدها. تحس بالدفء، بالمرح يتغلغل في كيانها، وتنساب تاركة إياه في حالة ارتباك. الأرض غنية معطاءة، خصبة كالحلم، كالخيال، كجسدها الرشيق الذي يفيض أنوثة. السماء تغازل اليابسة بالنتف الرمادية التي تفقد شكلها وذاتها لحظة وصول الشمس إلى منتصف القبة، لتنشر نورها وتبدد ما تبقى من غمام. لِمَ لا تهرب فرات ما دامت أمها ترفض خطيبها؟ هيهات أن تتوحد والأميرة تقلا على الرغم من أنهما من نبع الجمال ذاته. عقليتهما وتفكيرهما مختلفان! طلب إليها أن تتوقف، فهما ليسا في سباق الضاحية، لن تنال أية جائزة، حتى ولو ابتعدت عنه ميلين، ستظل مشدودة إليه، ثمة خيط يربط قلبيهما:
- قفي أيتها اليمامة، دعينا نرتب حياتنا كما يحلو لنا، لقد ذهبت الأيام الموجعة، وفردت الشمس نورها على الدنيا، لا تحاولي إغماض عينيك. الكواكب ترقص والشمس تغني، لونت أشعتها ابتسامتك بندى الربيع وقوسها الرائع، تنظرين إلي وتبتسمين، ألسنا قادرين على جعل الحياة جميلة دائماً؟
- لا تعدني إلى الواقع، دعني أسبح في المجرة، دعني طفلة تلهو، أعيش الحلم والخيال!
- لا تهربي يا عصارة الورد، ضعي يدك في كفي، لنخلق ابتسامتنا التي لا تستطيع كل نكبات العالم أن تمحوها، ألا تحسين برقص الطبيعة، بمذاق الفرح وتشكله في ذاتنا؟
حركت كلماته داخلها. الماضي في عينيها غيمة عاقر وغير قادرة على فرد أجنحتها، وتحويل القطرات المنسكبة إلى مطر وخصب. تحفر في الذات مجراها، تتوضع في داخلها الألوان القاتمة، تظهر على تقاطيع وجهها الباكي، تقاطيع تسبح في عالم الحزن والقهر، فتبدو عصية على المرح. الحياة تطعن الطيبين. يهزل الحق. الصراخ والعويل لا يهدم الجدران السميكة. تهرب النجود والسهول، شيء ما يفتت صدرها الفتي ويلتهم فؤادها، تحزن حين تتذكر أبا سبحة صاحب الوجه الجميل الذي ترك بصمته على حياتها. منذ خطوبتها غيرت الكثير من عاداتها، تخلت عن سفورها، اقتنعت بالمنديل تدليلاً على حسن نيتها، غطت ثلاثة أرباع شعرها، تركت الخصلات الأمامية تغازل جبينها ونهاياته تتكئ على كتفيها، وهي كأية فتاة شرقية إذا اعتادت على شيء يصير جزءاً مكملاً لشخصيتها، لا تستطيع التخلي عنه بسهولة، فكيف إذا كانت تميل إلى ترويض ذاتها على الأسوأ وقبول الواقع بعجزه؟ الأزمات لا تزيدها إلا رضوخاً و إذلالاً. قوانين المجتمع وأعراف الناس تفرض عليها أن تعيش مقهورة، وترضى بالقسمة والنصيب، وألا تقول أف!
تتلاعب النسائم بقميصها، تعانق محياها. تفتح ذراعيها وتطير عبر دروب العشق، تتدفق الكلمات إلى فمها وقبل أن تنطق يناديها. يطلب إليها الوقوف. يتأمل وجهها وصدرها وباقي تقاطيع جسدها. يجفف عرقها. الدم يتدفق إلى وجهها، يتورد كفتاة صفق لها زملاؤها. تحني رأسها. أناس يمرون من هناك، تمشي. قوام بديع متناسق كما لو أنها ذاهبة لتأدية حركات بهلوانية. يتراجع قليلاً ليأخذ لها صورة. عيناه تدققان في مباهج جسدها، صدرها وساقيها وردفيها. تحتضن الكلام الجميل. غزل يجعل هامتها تكتشف المزن، تكتشف أنها أجمل مما تتصور، تكتشف لحنها الرائع، تتوحد مع الجمال، النسمة تصير ألطف وأنعم على صدرها. ذبَّلت عينيها. أنثى معجونة بالحياء، خداها تفاح عرنة التي تتسلق جبل الشيخ. في روحها إصرار على أنها أميرة الجرود. غادرت الغيوم وبدت النجوم لامعة في عينيها، قال:
- أحسست أن النسيمات التي انطلقت، قد حملت معها أروع رسم تتباهى به، وسيرى القادمون بعد عام وفي مثل هذا اليوم تمثالك، تمثالاً من هواء!
- أنت اليوم شاعر! ذهب خيالك بعيداً، لماذا لا تقول إن النسيمات قد حفظت كلامنا وستعيده وسيسمعه القادمون إلى هنا بعد عام!
- رائعة، سبقتني إلى هذا التصور، عندما تهب نسيمات عليلة حنونة، ستسمعين غزلاً تعيده ذرات النسيم، وترين صورتك لثوان حيث وقفنا!
شعرتما أن الرياح احتفظت بهذه اللقطة التي لن تتركها أو تتخلى عنها:
- مجنون يا حامد!
- من يقترب منك ولا يصاب بلوثة ليس إنساناً!
اقترب منها، احتوى خصرها بيده، جذبها إليه وقرب شفتيه من فمها، ابتعدت عنه محذرة أن يراهما أحد.
النسمات تجعلهما أكثر انتعاشاً وحيوية. ابتعدا أكثر عن عيون الناس. أمواج البهجة لم تتركهما، سارت معهما طوال الوقت. فرات ذات مزاج غير مستقر، تقسو عليه، تهرب من أسئلته، من نظراته، صارحها بحبه ونظرته للمستقبل، ردت بنظرة متشائمة، مهرة غير قابلة للترويض، قعدا على الصخور كقديسين، تململت في جلستها، ابنة مدينة تخاف الأماكن المقفرة، فرت من بين يديه، لحق بها، غطى عطرها ووجودها المكان، فصار للمكان والزمان طعم آخر، تنتعل خفاً من المطاط يساعدها على الرشاقة. تركض أمامه. تبددت ظنونه ولم يقطف ولو قبلة. حافظت على فاصل بينهما، سعيدة بحركاتها، بالنزهة. تصغي لحامد حين يطالبها أن تفتح قلبها أن تقول كل ما عندها، أن تكون جريئة تفرض رأيها، تجابهه والدمعة على رمشها. تشكو التربية التي تجعلها عجينة في يد أمها، لا تستطيع أن تقول شيئاً، حاصرها بأسئلته، بعجزها عن الفعل، بالذريعة التي تحتج بها، قالت: "دعني أحلم، ابعدني عن الواقع، أنا حائرة، أأسافر أم أبقى؟ لن أخفي عليك أنني تلقيت رسالة قصيرة من أخي."
«العزيزة فرات:
كلما مرّ الزمن أشتاق إليك، أنت وشقيقتي ووالدتي، أنتن كل ما تبقى لي من هذه الدنيا، تأثرت كثيراً للتجربة التي مررت بها، ألم يكن من الممكن تجاوزها؟ سامح الله ماما، الآن أستطيع أن أدعوك لزيارتي والإقامة معي، يمكنك أن تتابعي دراستك هنا في أية جامعة، والعيش دون تعقيد، هنا كل شيء متوفر، لا أزمة على المواد التموينية، ولا أزمة في التعامل، لن تعاني من الأزمات التي حدثتني عنها... أنا بانتظار رسالة منك لأبدأ بالتحضير لإجراءات سفرك كالتأشيرة وغيرها».
بقية الرسالة لا تهمك، هل عرفت الآن ما أنا فيه، أنا بين نارين، بين خيارين، أيهما أختار؟
- ألم تحسبي حسابي؟
- أنت ألمي وفرحي، أنت من يدفعني للتردد، وإلا لكنت أبلغته بقرار السفر!
جاءت هلا وانضمت إليهما عند الصعود إلى السيارة والعودة إلى دمشق.

-27-


قررت أن تعلقي صورة والدك مقابل سريرك، هذه الصورة التي رسمتها بريشتك عزيزة عليك، ستشاورينه في كل أمر، سيهبك قوة تواجهين بها الحياة، من الطبيعي أن تستمري بزيارة قبره وتحدثيه كلما ضاقت الأيام في وجهك، وتظلي إلى جانبه ساعات تطلبين رأيه السديد.
حرمت نفسك من الخربشات الرائعة التي تصنع لوحة، هل تعودين إلى الرسم وتشعلين البراكين التي خمدت؟ أمك تقف في طريقك، هل تتجاوزين آراءها وترسمين المكان الذي تحلمين فيه وزمانه؟ الغيوم المسافرة والأفق الذي يعطي أفكارك رحابة؟ تدهمك رائحة المجاري وعفن الأراضي التي ترتوي بها، تغلقين النوافذ، تسدين أنفك وتمضين:
- الأنف يا فرات يشم عبق الغوطة وورودها، لا تدعي الروائح الواخزة تميت كل جميل فيك!
- أنت تشعرني بالحياة يا حامد، لولاك لدفنت جسدي وروحي.
- أنت شجرة تورق وتثمر من جديد.
- بل أنا شجرة جردها الخريف من عناصر الاستمرار.
من يوم أعتم النهار، أخرجت كل الأحلام من صدرك، ارتحل عنفوان احتضنه جسدك، سافر ذاك البريق المشع من عينيك، وتبخرت أنوثتك حتى غدوت فتاة تتسول شخصيتها. تكره النظر في المرآة حتى لا تذكرها بجمالها الضائع. صرت كالمياه الراكدة. شعرت بثقل الماضي. تخلصت في البداية من ذاكرته، من هلوساتك، من طبقة العفونة، من تجاعيد الزمن والمعطف المهترئ، تتمزق الوجوه التي ترتدينها، ترتدين ثياباً جديدة ووجهاً جديداً، شعرت بأحاسيس وقلق، أيكون الحب الذي تحرك داخلك؟ تحملين روحك على راحتيك، تحاكين الطبيعة، تغازلين الزرقة وتتماوجين مع الخضرة، تهيمين كالفراشة التي لا تقدر على التفريق بين السماء والماء، تتبدل التعابير في عينيك، تكشف تعبيرات وجهك عن داخل قلق وأيام مجهولة، وهذا لم يمنعك أن ترسمي لوحة جميلة مناقضة للمستنقعات، لوحة لمدينة، لشوارع عريضة، لواحة. خيوط فضية فتحت كوى. عواطف تداعب شرايينك. تبحثين عن أبجديتك. ذاكرتك تسبح. فؤادك يمنعك من النوم. يقظة تبحرين في عوالم سريالية. تتركين الرياح والأوهام تستنزفك من الداخل. صحوت على صوت عواء. استنهضت ذاتك وبقايا عنفوانك، ونظرة الآخرين إليك. تحملين شهادة الدراسة الثانوية. أنت معدة للفراش والمطبخ حسب تفصيل الثقافة المطلوبة من أية أنثى ستتزوج. هل هذه هي الثقافة التي حلمت وتحلمين بها طوال عمرك؟ اعتقدت في بداية حياتك أن معادلة الثقافة والجسد لا يجتمعان ولا يتفقان. الاختيار صعب، إذ يظل نداء الجسد هو الصوت الذي لا يعلو عليه أي صوت آخر. الآن تدركين أن بينك وبين الكتاب مسافة من الصعب تجاوزها، عليك أن تنهلي من ينابيع الثقافة في ظل أحد الخيارين اللذين طرحتيهما كبديل لهزيمتك، السفر إلى الخارج للدراسة أو الخطوبة من حامد الذي هاجم حياتك وأخذ نصيبه من الانتباه والاهتمام. وانتصاراً لخيار والدك الذي كانت أمنيته أن يراك كبيرة، تزينين دمشق بعلمك وفنك، تكبر بك وترفع رأسها، تفضلين إتمام دراستك.
عالم الأنثى يحيرك، أنت في الغوطة أنثى عليها واجبات أما الحقوق ففي عالم الغيب. تاه خيالك في هذا العالم، في الأم التي تضطهد ابنتها. حفظت تقسيمها لبنات جنسها، فالنساء حسب رأيها ثلاث، واحدة تعشق لتتزوج، تقيس خطواتها وتصرفاتها وكل كلمة تتفوه بها، كلما لانت تتذكر أنها ستكون زوجة، فتكبح جماحها وتعود إلى طبيعتها، أما إذا فقدت الأمل، فإنها تدوس على قلبها وتقطع علاقاتها غير آسفة على شخص لا يقدر عظمتها، تبحث عن غيره مسلحة بتجربة لتكون أكثر دهاء فارضة سلوكها على سير العلاقة، أما الثانية فتعشق لترضي غرورها. تمشي مع عشيقها وتلاطفه طالما هو في نظرها الأفضل، مزاجية الأهواء، معطاءة وقليلة الشكوى لا تعرف الحزن، جسدها فاكهة وأغنية، الحياة معها قصيرة، هي في بحث دائم عن الأفضل. وثالثة للذتها، جسدها شارع إشارته خضراء في أي وقت وتحت أي ظرف، تفجر ينابيع المتعة، فضاؤها خصب وثغرها مبتسم.
طمح والدك ألا تكوني من أي منهن، أن تكوني خارج التصنيف، متمردة وفنانة كبيرة، تقولي بلوحاتك ما لا يستطيع قوله أعتى الرجال. تقفين أمام صورتك تسألين، من أي النساء أنت، عليك أن تقرري بمحض إرادتك من تكونين. تفرضين ذاتك، تتوقين ألا تكوني من الثلاث، وأن تكون في المستقبل تصنيفات أخرى للمرأة.
تتحصنين بماضيك، تستنجدين بأسرتك العريقة، تحلمين بإعادة بناء المجد الذي تلاشى بوفاة والدك، وقد يطغى هذا الحلم على ما عداه، إذ كلما حققت معادلة ذاتك، تتوقين إلى ذاك العالم الذي تتفوقين فيه على العائلات المثيلة لك، تسألين عن تدني مكانة أسرتك الاجتماعية، تحارين في أسباب ذلك، أهو الرحيل إلى الغوطة أم المال أم العلم؟ جادة في إعادة ما سلب، لن تتهاوني ولن تستسلمي للزمن. يمامة تعشق الفضاء والنور يصعب صيدك، تفرين لدى رؤيتك للصّياد، وأحياناً يدفعك خيالك للتحليق، يعيدك الواقع إلى مرارته، تبحثين عن الزوج حتى كدت أن تغطسي في مستنقعه، من يومها قررت أن لا تظلي صحراء، زرعت النخل وأغلقت الدروب المؤدية إلى قلبك، تنتظرين الثمار وأنت تعلمين أن النخل لا يعطي في أعوام قليلة. لم تسمحي لأحد بتسلق نخلاتك، شباب اليوم يخدشون كبرياء المرأة حتى لو مرت من أمامهم، فكيف إذا أقامت علاقة مع أحدهم؟ لكنك التقيت بمن لا يخدش ثمارك وكبرياءك، يحترمك و يعاملك كقديسة، لم تتوقعي أن رجلاً مثل هذا موجود حتى في الأحلام.
حامد نسف مقولاتك، أعاد لك إنسانيتك واعتبارك. كنت ضد إقامة أية علاقة، لكن الأمور اختلفت عندما اصطدمت بالواقع، شعرت أن الغشاوة التي تلفك تزول، وأن ما يحدث معك، يخرج على نطاق الذات وسيطرتها. عدت إلى بيتك، أحسست أن يومك مختلف، كل شيء بدأ يتغير، ماذا تريدين منه وماذا يريد؟ تطلعت إليه وابتسمت فبان الشعاع والألق اللذان عادا إلى عينيك.
في الصف لم تستطيعي أن تعطي تلميذاتك أي درس في ذاك اليوم، كتبت التاريخ على السبورة، وطلبت إلى العريفة أن تسمع الدروس. في الحصتين الثالثة والرابعة كتبنه، وفي الحصة الأخيرة رسمن الورود. تضعين يدك على خدك وتسرحين، تسألين نفسك، كيف قبلت الورد؟ أأنت مهيأة لعلاقة غرام أو خطوبة؟ لقد حدث ذلك دون إرادة وتفكير، امتدت يدك وتناولت الوردات، ثم بدأ سيل من الأسئلة، ما نهاية مثل هكذا علاقة؟ أتحدثين أمك وأختك أم تتركين كل شيء دون تخطيط؟ أيعقل أن تنسجي علاقة دون تفكير، وأنت ابنة مدينة تحسب لكل شيء حسابه؟ سألت بطريقتك عنه وعن أهله، عرفت الكثير، المؤلم أنه ليس شامياً، وأن الاقتران به لن يشكل رفعة لعائلتك، تناسيت ذلك وبدأت تتهيَّئين للأيام القادمة، لتنامي الإعجاب الذي قد يجر إلى الخطوبة والزواج. فكرك يكاد ينفجر، لن تحملي عناء الإجابة، ستتركين ذلك للزمن. هل تورطتِ حين ذهبت معه مشاوير؟ لو لم تقتنعي أنه الشخص المناسب لكنت رفضت وروده، لكنه مع ذلك لم يأتك على ظهر حصان أبلق، جاءت عائلته مهرولة من الجليل، وهذا لا يناسب أمك وأنت لن تتزوجي دون موافقتها، وإذا لم تقل مبروك بالرفاء والبنين، ستظلين تراوحين في مكانك، شعرت أن معرفتك به هي بداية سلسلة من الآلام والأحزان، لا تعرفين متى ولا كيف تنتهي.

-28-


الغمام يتبرج، يبحث عن سماء لا بروق فيها ولا رعود، يهرب دون وعي، يضل الاتجاه ويتبدد في المجهول، يحسُّ بالضياع ويستعذب الفوضى والبكاء، إلا أنه بهذا التصرف لا يزرع الفرح، بل يبقي الحزن في الصدور، فبدل أن تبدو الغيوم وهاجة مضيئة فضية معطاءة، تبدو أشبه بقافلة من الغجر. يحزن القمر للعجاج الذي ملأ رئتيه، يغطي وجهه بكفيه، يحاول أن يبتعد عن الدخان، يحاول أن يفلت من الجاذبية.
في هذا الجو الملبد حلمت فرات وهلا بحياة هانئة، مع من يستطيع انتزاع الأشواك من قلبيهما، ويعيدهما للمرح الذي هجرتاه. حلمتا بالحب، بصدر واسع يتسع لماضيهما، يغفر الهفوات، وكما يسكن الفرح في الصدور ولا يخرج، فقد أسكنت فرات حامداً في فؤادها، كالمزن التي احتضنت غناءها، آملة أن تتخلص من السواد. ظهوره مثّل بداية مرحلة جديدة في حياتها، ضخ فيها دماء جديدة، أفكاراً جديدة، خلصتها من عثرات الدروب، رش العطر في طريقها، عادت إليها حياتها وثقتها وتفاؤلها. فاجأتها هلا بنزيف فؤادها، وهروبها، وخوفها من الناس، من مجهول لا تعرفه، كلّ ما تريده أن يكف الجاني عن البحث عن ضحيته، تقبلت ما حل بها واعتبرته درساً.
قررت أن تتجاوز آلامها، تعيد الثقة لروحها، لا طريق إلا هذا النهج، ما حصل أكبر من أن تتصوره أو تتقبله، لماذا لم يحصل إلا معها؟ لم تسلك يوماً الدروب الوعرة، حلمت بالتخرج لتتقدم لمسابقة انتقاء المدرسين، تُدرس مادة اختصاصها ويتحسن وضعها المادي، إن بقاءها مدرسة للصف الثالث حجر دماغها، لم تعد قادرة على تطوير أساليب التدريس، بحاجة إلى دورة إنعاشية، ومع ذلك كانت الحياة رائعة، الشمس تشرق كل يوم، ومع شروقها يبدأ العمل، تجاهد لتصل إلى عملها دون متاعب، وجوه زميلاتها كالورود والفراشات، كلهن في سن العشرينات أو بداية الثلاثينات باستثناء المديرة التي تجاوزت الأربعين. تدخل إلى الصف تشعر بالأمومة، بالصغيرات وهن يبتسمن ويقدمن الياسمين، تبدأ يومها بابتسامة، أيامها عادية. الآن تدرك كم كانت رائعة تلك الصباحات والأمسيات! وكم للمرح والمزاح روح شفافة! تضحك فإذا قهقهاتها تتسلل إلى الباحة، إلى آذان التلميذات اللواتي يسألنها بكل وداعة وطفولة عن سر ضحكتها، تبتسم ولا تجيب، تسأل نفسها إن كانت قادرة على ابتسامة واحدة من قلبها؟ تشتهي أن تلبس ما يجعلها محط أنظار الآخرين، وعندما ينحسر فستانها عن فخذين رائعتين كحدائق بابل المعلقة، تدعه على حريته، ولا تخجل من العيون التي تلتهم الجمال. تحب المديح كالصغار. تهرب إلى ذاكرة الطفولة المعذبة يوم كانت تلميذة في المرحلة الابتدائية، تسألها الآنسة عن عدم اشتراكها في الرحلات المدرسية، تستدرجها للحديث، يجرها ذلك للسؤال عن والديها، وعن سكنها الحالي، يتجمد الدمع في عيني المدرّسة وفي عيون التلميذات، تتأكد مما قالته تلميذتها عن فاجعتها بمقتل أمها وإخوتها في الجولان. تتعاطف معها، تشجعها، وتتبرع لها بمئة ليرة في كل شهر، صارت شغلها الشاغل، في الرحلات تأخذها وتتكفل بمصروفها، تأكل مع الآنسات، تلتهم اللحم المشوي اللذيذ وهي خجولة، متفردة في حزنها وفي أفراحها.
الآن تأكدت أنها تهرب إلى الفرح الذي غادرها، حملته كما تحمل دفترها، عافت جسدها الذي حلمت بنضوجه، ودت لو يشيخ، أن تعود إلى صحرائها، إلى الرمال والعجاج، أن تلبس ثياب التصوف. علقت حزنها على وجهها، على باب قلبها، تشتهي الأقمار والشموس، تركض إلى الحلم الذي يعاندها ويبتعد، تهرول خلفه ولو كان بعيد المنال، تشتهي أن تأتيها الأيام طائعة، تعتذر عن كل آلامها، أخوها حسن الوحيد الباقي من أسرتها بعد وفاة والدها، يثق بها ولا يسألها عن شيء تفعله، تطلب إذنه في بعض الأمور، خلصها من الإحراج بقولـه: "هلا أنت فتاة متعلمة ومثقفة، صبرت معي على مرّ الحياة واليتم، أنت ما تبقى لي، كيف لا أحبك وأهبك ما تستحقين؟ كيف لا أثق بك؟!"
سنوات مرت وتزوج حسن، خيّرها أن تسكن معه في مدينة دمشق، أو مع عمه في «كوكب» الملاصقة لبلدة عرطوز، تلك التلة التي اختارها لارتفاعها لتستقبل النسمات الآتية من الجولان.
قررتْ أن تحمل آلامها بعيداً عن أخيها وأقاربها، وأن تتسلح بعزيمة فولاذية لتتجاوز الحاضر، مقاومتها تدفعها للتحدي، أن تبتعد عن هواجسها وضعفها، تعيد شحن ذاتها، مستعدة أن تهدم الكون وتلهب قلبها وقلوب الآخرين، أدركت أنها على شفا هاوية، وعلى قرارها يتحدد مستقبلها، أهي قادرة على التحدي أم تظل رهينة قفصها الصدري؟ ذهنها يعج بالتساؤلات، غير قادرة على تركيز أفكارها، ما يحزنها أنها مثقفة وغلطتها بمليون، تذكرت حيويتها، حياتها، صداقاتها، ما كانت تقوله لرفاقها. التغييرات التي حدثت جعلتها خرساء، لا تتحدث لا في السياسة ولا في الاقتصاد، ولا تبدي وجهة نظرها التي تستمدها من النظرية المادية، ترى أن ما حدث هو انعكاس للواقع والحياة الهامشية والوضع المعيش، الآن تدرك أنها تعيش وضعاً مأساوياً، يريدون أن يجردوها من آخر قوة تملكها.
هلا عينان ذابلتان، دموع شفافة، وجه شمعي وحزن بحجم الدم الذي يجري في عروقها. البراعم شربت من بقايا دموعها، ومن بقايا الدم الذي تضخه في أوردتها وشرايينها. أورق الدمع حنظلاً، عليها أن تصمت إن كانت تود لحياتها الاستمرار. التنهيدات تلال من القهر، دموع حمراء تفيض على الكبد، أوجاع في الدماغ، وفم لا يأكل ولا يتكلم، هل هناك ألم أكثر من ذلك؟
القمر الشاحب يغطي وجهه، يهرب بعيداً غير قادر على سماع تفاصيل مأساتها. الينابيع التي تدفعها الجبال لا تعرف لِمَ زيادة كمية المياه المتدفقة؟ الفرح في العيون تمحوه الفيضانات. تفقد عيناها تدرج الألوان في لحظة جنون الذاكرة، لا ترى إلا لوناً واحداً. الجنون عنوان عريض يتلبس حياتها، لا سبيل إلا الوحدة ما دام نبع الحياة لا يجدد مياهه. أمامها كومة أحداث وتجارب، عليها أن تلتفت إلى الواقع ما دامت الحياة مستمرة على الرغم مما حصل، لن تستسلم، على ماذا تخاف؟ لا شيء تخسره بعد خسارتها، ستظل تحاول أن تخرج من النفق الذي حشرت تفكيرها فيه، أبعدت الهواجس، أمامها أعمال ستنجزها، قد تفعل ما لم تفعله منذ زمن، مقتنعة أن الشمس ستنفض عنها الأتربة، وستهديها الأمطار أحلى الأطياف، وتزين جيدها الأنوار. لم تنتبه إلى شاب يباريها كطفل يلحق بأمه، كان هذا مصطفى طالب الحقوق الذي لم يتخرج، ما يزال في السنة الأخيرة، ينتمي إلى أسرة الحفا العريقة بتدينها وخدماتها المجانية. جدهم منذ زمن الأمويين يمشي حافياً، طوال يومه ينظف سجاد الجامع الأموي ومفروشاته، هذا الجامع الكائن في نهاية سوق الحميدية، لم يره أحد من معارفه ينتعل حذاء طوال سنوات حياته التي قضاها أميناً للنظافة، لا يعود إلى بيته إلا ليلاً ويغادره قبيل صلاة الصبح، عائلته تفخر بعملها وبنسبها الذي يتصل بقبيلة قريش، والذي أهلّها لمثل هذا الشرف، لديها شجرة نسب تثبت ذلك، الجد الخادم للجامع لا يتقاضى عن ذلك أي أجر، بل ينفق من أمواله على الجامع، لديه بساتين في منطقة المزرعة ومعصرة زيتون، من إيرادهما يصرف وما يفيض عن حاجته يهبه لبعض العائلات المستورة.
الحفا شاب فيه شيء من خجل أجداده، راقب هلا دون أن تشعر، لم تلتفت أو تكلم أحداً، ماذا تريد من الشباب؟ لا شيء وراءهم سوى الشر، مصطفى أعجب بجمال جسدها وروحها وكبريائها، يصر على التحرش، وهي تصر على تجاهله، وهذا ما جعله يفور ويغلي، مستعد أن يخرب العالم مقابل أن يسمع كلمة. اعتنى بأناقته وهندامه، لم تنتبه ولا تعلم إن كان يطاردها أم رؤيته من قبيل المصادفة. الحياة علمتها أن لا تأمن لأحد، طوال المدة الماضية التزمت في ذهابها من بيتها إلى المدرسة وبالعكس توقيتاً لا تحيد عنه، قال بينه وبين ذاته إنها الفتاة المطلوبة، كبرياء يصل إلى السماء وأنوثة ورقة قلّ نظيرهما.
ذات صباح تحرش بها. وقع دفتر تحضيرها، تناوله وناداها باسمها طالباً إليها أن تتوقف. التفتت بانزعاج وقالت:








رد مع اقتباس
قديم 05-04-2016, 11:07 AM   رقم المشاركة : 14
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


غرباء منتصف الطريق


- دفترك يا آنسة هلا!
- من دلك على اسمي؟
- دفترك!
ارتعشت وهو يلفظ اسمها، نظرت إلى يدها اليسرى لا شيء سوى محفظتها. بدا عليها الارتباك. امتدت يدها لتأخذ دفترها. شعر بارتياح. ابتسمت وأجابته برقة: "شكراً!"
ناولها الدفتر وأخبرها بأن طريقهما واحد. توقفت وحدقت به، وطالبته متابعة سيره، أخبرته أنها لا ترافق أحداً، وهي تعرف طريقها. ابتسم ومشى خلفها، التفتت إليه، خجل وغيّر طريقه واختفى، أثارت حركاته فضولها. ذات صباح توقفت ووبخته، لم تقتنع أن المعجب يحق لـه ما لا يحق لغيره، اعتذر وطالبها أن لا يذهب فكرها بعيداً. نكس رأسه حين أخبرته أن لها بيتاً، أحرجته هذه الكلمات، لكنه عندما فكر بمضمونها، عادت لـه الابتسامة، بدأ يفسر كلامها، ما عليه إلا السير إلى جوارها في المرات القادمة، وتعريفها بنفسه وأسرته وهذا ما فعله.
بعد هذه الحادثة صارت تسلم عليه، تسمح لـه بمرافقتها لمسافة قصيرة، بعد شهر سمحت لـه أن يوصلها إلى المدرسة، تجرأ ودعاها إلى بيت شقيقته في الزبداني، وإلى بيت خاله في الشيخ محي الدين، وإلى تناول الطعام في مكان عام حيث كانت أمه تنتظرهما، وفي المرة الرابعة زارت بيته وبقيت مع أمه التي قدمت لها الشاي ثم القهوة. سرت أمه بهلا ووصفتها بأنها فتاة مهذبة وجميلة، عيناها سبحان الخالق، وجسدها معجون بالحنطة، أخبرته أنها ستسأل عنها بطريقتها الخاصة.
هلا لم تستطع التخلص من ماضيها، من أوهامها، أفكارها السوداء تحفر عميقاً في صدرها، تصير جزءاً منها، سألت نفسها إن كانت الذكريات قد بدأت تتلاشى. مرّ كل شيء حتى الخطوبة على مايرام. إنها خطيبته وعليها أن تعيش حياتها.
غيوم تشيخ تدفعها الحرارة والتغييرات الجوية إلى التلاشي في عالم اللاوعي. الذكرى تلملم شتاتها. لحن أزلي يرشقها في دائرة اللاوعي، تاركاً آثاراً غير مرئية. الأحزان والأفراح جيوش تتقاتل في مجرى وتلافيف الدماغ، لتثبت أيها الفعال، ليصير لإحداها الحضور، أما ما يغيب فيتراجع تحت ظروف قاهرة، قد يأتي زمن ويحفزها ثانية لتتبوأ الصدارة دون افتعال، كل شيء قابل للتغيير، فهذه تتحكم فيها عروق دقيقة في المخ لا سيطرة عليها.
أفكار تتهاوى وأوراق تسقط، تعيش حاضرها، لا تطاردها أفكار أخرى، عليها أن تردم كل ما هو غير إنساني، تحاول أن تعيد التوازن إلى شخصيتها، أن تعيش كبقية النساء، تحلم وتحب، تفكر بالحياة مع خطيبها، بالبيت الذي سيضمهما، تحس بغصة في حلقها وبنبضات متسارعة لقلبها، تبعد الآلام، لكنها لا تملك حق النسيان، حياتها تطاردها، جرحها ينز، تبدو عصبية، أميرة تُصدر الأوامر لتطاع، كما وصفها خطيبها، تجهز نفسها للانتقال إلى بيته، والتعامل مع عائلته التي تفخر بماضيها، الذي يمثل جزءاً من وجودها. التقاليد متوارثة لا فصل ما بين الماضي والحاضر، فكيف ستكيف حياتها؟ قررت قطع أي غزل بينها وبين السياسة، الواقع يفرض عليها بناء شخصية جديدة في ظل قوانين وأعراف جديدة، ما عليها إلا الإيجاب بنعم، واحترام الشجرة التي أثمرت خطيبها، احترام الماضي الذي هو الحاضر بثوب جديد، وعدها بحياة هانئة، تنسى حتى ثقافتها وفلسفتها وتفقد كل ما بنته، إنها أمام تجربة ومع ذلك تبدو لا مبالية وواثقة من نجاحها، لا تعترف بالفشل، حتى وإن حل فلن يكون الأسوأ، لو اكتشف أمرها وطلقها، ستعلن أنها مطلقة، لن تنتهي الحياة بل تبدأ من جديد، ابتسمت وهي تدقق بحاضرها، هي والذاكرة في سباق، فأيهما يثبت في اللحظة الأخيرة، غير مهتمة بالنتيجة، عروس تعيش دقات قلبها وهي تضع يدها بيده، بدأت ترتاح لمن سيغير بعد لحظات خاتم الخطوبة من البنصر الأيمن إلى الأيسر، شردت وأطبقت عينيها على حلم السعادة.
كان للفرح عيون في كل مكان من الحفلة، فرات وحامد أحضرا طاقة ورد باسميهما، جلسا بعيدين عن المدعوين، انضم إليهما العروسان. بعد سماع المولد النبوي وزعت صرر الملبس وغادر المدعوون، السؤال الذي يتردد، كيف ستتصرف هلا في ليلتها الأولى؟ هلا ذكية وتستطيع فعل الكثير، لم يجرؤا على سؤالها، لا يريدان أن يذكراها بالماضي، ظلت في عراك ودعابة حتى ساعات الصباح الأولى، انتهى كل شيء كما أرادت.
الماضي لوحة أمامها ينكشف أولاً بأول، زوجها لـه ماض، أخبروها أنه أحب ابنة خاله قبل معرفتها، عرفت أشياء كثيرة من أمه، لم تهتز لذلك قالت: الماضي ملكه!
لم يتصور أقارب زوجها أنها أريحية لهذه الدرجة، ولن تبالي بما تسمع، وهذا ما زادهم عجباً، منهم من احترم رأيها واعتبرها موضوعية ودافع عنه، ومنهم من احتقره واعتبرها لا تحبه، تباينت الآراء بين أن تكون عظيمة أو تافهة، وجهان لا يمكن أن يتحدا أو يغيب أحدهما في الآخر، تداخلا في الاحتفال الذي أضفى أناقة على العروسين. بدت عظيمة في نظر زوجها وعائلته، فوق الشبهات وصغائر الأمور. ساد الصمت الذي يكشف عن خبايا النفس، ظهرت الدهشة، كيف لامرأة تسمع قصصاً عن زوجها ولا تفعل شيئاً؟ تقف سلبية، أين حرارة الغيرة؟ ظلت شامخة كالنخيل، أعجب مصطفى بكل ما قالته، وبعدم مبادرتها إلى محاسبته، ولكونها قدمت تنازلات لم يحلم بمثلها، تركت التدريس، ودّعت آخر يوم دراسي، قالت لزميلاتها إنها لن تعود إلى التدريس في السنة القادمة، ودّعت العمل بما يحمله من معان إيجابية، ودّعت ذاتها وطموحها، غادرت الحياة والعطاء، لتقبع بين أربعة جدران، تنتظر زوجها، وإذا تأخر تقلق وتحسب ألف حساب.
لم يكن سهلاً عليها أن تودع التدريس، تودع الطريق والسيارات، الأفراح والأتراح، والحرية الشخصية. في البداية رأت أنه الحل الأمثل، لكن مع مرور الأيام أدركت كم كانت غبية ومتسرعة! ماذا يفيد الندم؟ عيناها تتوشحان بالحزن. قدمت تنازلاً لترضي زوجها. الآن عليها أن تنسى، وأن لا تطالب بالعودة إلى العمل، إلى سابق عهدها، بل تستعد لتقديم تنازل آخر. تتذكر تفاصيل حياتها، تمسح دموعها، من أجله تخلت عن دورها في الحياة، تقاوم وتصبر لتحيا، عوضها في الأيام الأولى للزواج عن الأيام الحزينة، بدت عليها السعادة، تميل إلى تمثل حياة الأسرة، تعاودها أحياناً روح التحدي، تلعن وضعها والساعة التي اقترنت فيها بمصطفى. الماضي يدغدغ عنفوانها، يستفيق بعد سبات، تحسُّ بأناملها تعد الأيام، تنفض غبار المطبخ، تستعد للمواجهة، ترتدي ملابس الخروج، أحلى فساتينها على جسدها الناعم، عليها مهام جديدة منذ اللحظة.
-29-


كان فرحها أن غيمتكَ أمطرت في صحرائها، وأن الخصب نبت، احتجت ديمة على فوضى الفصول، السحب تخلصت من أدرانها، تماماً كما فعلت فرات، التي رمت ماضيها وخلعته كما ترمي أي ثوب من ثيابها البالية، صداقتها مع حامد كانت كافية لعودة الروح والمرح إلى جسدها الذي أعاد فتوته، جسد ناهض حاول الطيران مع فرخي اليمام، جلته بالنور وجلت جفونها بالمطر، استبدلت صقيع الحياة وموتها بدفئها، تسرح أحلامها، تُقبل المزن المنذرات بالمطر، ينشر النسيم ضوعها، يقايض الخريف بالبراعم. مع حفيف أوراق الشجر، ومع زقزقة العصافير وسفر الغمامات، مع الورود، تبحث عن نصفها الآخر، تجده بعد رحلة عذاب. يستمر حزنها الذي بدا من نوع آخر، حزن يصر على امتلاك من خلصها منه، وملأ به صدره، الذي احتضن السحاب والغمامات الرمادية.
هذا أنت يا حامد كالنسيم العليل، الذي يفقد ضوعه كلما حاول أن ينقي الهواء، خلصتَ فرات من عذابها، لتقع في عذاب جديد، يصعب عليك أن ترى امرأة عابسة، لطيف في حديثك وفي تصرفاتك، تتمسك بالمبادئ والمثل، في وقت هجرها الآخرون، واعتبروا المتمسك بها أهبل، نعم فأنت كذلك، أحلامك جميلة والواقع مرّ، تدفع فرات للحياة وتفتح أمامها آفاقاً رحبة، تدفعها لتسلق سلالم المجد، لتسمو بروحها وتصير حياتها أروع وأجمل، مدرك أنك وضعتها على الطريق، لتحقق تميّزها وتفرّدها بفنها وجمالها وثقتها بمن تحب، لتدخل المرح إلى حياتها، سعادتك في أن تراها عظيمة، تحتوي أخطاءها بابتسامة، كانت كلما صعدت درجة تنزل درجة، حتى بات البون شاسعاً، صعدت أعلى قمة في بلودان، استنشقت الهواء النقي، التأمت جروحها. دأبت على المطالعة بعد أن اكتشفت أهمية الثقافة للأنثى. برهنتَ أنك قادر على جعلها سعيدة، أن تملأ الابتسامة محياها، بات الحب كل شيء لفراتك، المرآة التي تظهر صورتها، أنت عين اللواتي ظلمتهن الأيام، ستقابل عيناك مليون مخرز! أحببتها لأن كل ما فيها يُحب، أحببتها من أجل عينيها وسحر ابتسامتها وسمو طلتها، وما في جسدها من ليونة ودلال، وما فيها من تفرد وجاذبية يصعب عليك تحديدهما، وما في روحها من تغريد، يختزن قوامها ما في جسد الأنثى من شموخ وحضور. في المساءات الرمادية تتسلل إلى أحلامها، تعيد التوازن إلى شخصيتها، تفتح ذراعيكَ وتهبها الأمان، تفتح عينيها، تحاول القبض على الحلم في اللاوعي، تدهمها أحلام أخرى موحشة، وفي مرات قليلة ترى والدها تحدثه بآلامها، ينصحها أن تفكر وتشاور أصدقاءها، أن تكون قوية. كلما مرت بمشكلة تزور قبره وهي تحمل طاقة من الورد، تقرأ الفاتحة، ثم تحكي متاعبها. تصمت لتسمع ما يلهمها بموقف تتخذه. لو بقي حياً لكفاها المتاعب، وأمن لها مستقبلاً جيداً، أين مستقبلها وطموحها؟ كل ما تتمناه أن توافق أمها على خطوبتها. قارنت بين والديها، ماذا يقول والدها في حامد؟ لا أمانع إن كنت مقتنعة، أنت من ستتزوج، أنت تتحملين المسؤولية، على بركة الله، لماذا لا تقول أمها كلاماً شبيهاً بذلك؟ تسألها إن كان حامد يملك شقة منفصلة عن أهله، وعن عمله ورصيده المالي، أين كانت أسئلتها يوم جاء رامي الشيخ خطيباً عن طريق الاستخارة والشيخ والنذر، ألم تكن موافقتها مستغربة؟
هل كانت أمها تحلم بالزواج من شيخ، فجاءها النقيض؟ لكنه مع الأسف لم يستطع أن يغيّر شيئاً من تفكيرها. لا تحترم علمه. تسخّر الأعراف والقوانين والعادات والتقاليد لتبرهن على صحة أفكارها. الصراع مع زوجها مستمر لاعتقادها أنه سنة الكون وتتويج للصراع الفطري بين الذكر والأنثى، عليها أن تتفنن في أخذ طلباتها وخرجيتها، تمنعه من السهر خارج المنزل، يتحايل عليها ويقتنص بعض الساعات ليزور رفاقه ويطور تفكيره وفنه.
أمها تريدها نسخة كربون، تحمل أفكارها وتلغي أي تطور أو اجتهاد. تلاحقها تجربة أبي سبحة. تحاصرها المرارة والخيبة. هزيمة الحب تجرح كبرياءها وروحها. استجمعت قوتها وقالت كلمتها عن الحياة والحب، وكيف أن الارتباط يأتي تتويجاً للحب. تدرك الآن أن على أمها أن ترضى بطريقة حياتها وتفكيرها، وأن تدعها تختار، فالزواج ليس مجرد دعوة للنساء ليأخذن حريتهن في صالة الفرح، يمارسن إيماءات الجسد، ولغة رشيقة وإن كان فيها تعابير مبتذلة، ولا هو دعوة للرجال لسماع المولد النبوي الشريف، أو ممارسة طقوس الريف والدبكة، أو ذكر وأنثى في مكان مغلق، بل هو رغبة روحين وجسدين لن يفترقا طوال عمرهما.
فتحت قاموس الغوطة، قرأت ما ورد في باب المرأة، تبللت وريقات المعجم بالدموع، بالمطر. النسوة تلحن قصائد الوجع، ن النشوة. تذكرت أقوال أمها، وإصرارها على تزويجها على هواها، وفي ظنها أنها تضمن سعادتها، ناسية أن روحها تعشق الغناء والجمال، وأن قدميها تتقافزان وتعدوان مع شخص غير الذي أرادته فارساً لها، وأن المغني السكران يلهبها بصوته وفنه، يمدها بقوة تدفعها للتحدي.
كانت مسألة الارتباط بين شاب قروي مهاجر لم تلوثه المدينة، وابنة مدينة لها حساباتها، تحتاج إلى تفكير وترو، لهذا ولأسباب أخرى لم تقل كلمتها الأخيرة، تتمهل وتؤجل البت في خطوبتها، ثمة فروق في طبيعة الحياة والتفكير، عشرات الفروق على الرغم من الحب الذي يجمع. لم تتوقع أن ذلك قد يقف حائلاً. لكنك عندما تراقب كلماتها وأعمالها وإصرارها على التفوق، وانتشال عائلتها من الفقر، تصافح الأحزان وجهك وتلطخه بالألوان الداكنة، تبدو متجهماً قاسي التعابير، تتناول لفافة وتشعلها، تضغط عليها بأسنانك، تذكرت بأن القلب الكبير يدق بالحب في أشد الساعات كآبة. تتصنع الفرح وتظهر على شفتيك ابتسامة صفراوية، بينما عيناك ذابلتان. عبست وتغضن وجهك. نظرت تستقرئ ما يدور بخلدك، أنت من هون عليها، ترى أتنقلب الصورة؟
تساءلتْ عن سر كآبتك. تُذكركَ بما فعلته لتتخطى واقعها. استبدلت صقيع أيامها بالدفء. حدقتْ بوجهك وعندما لم تجد أية إشارة أو تعبيرات ترشدها إلى سبب آلامك، قالت:
- أنت منقذي يا حامد، أنت سبب بقائي قوية، كان عمري مجرد فضلة، اليوم أنا متمسكة بالحياة، بربيعها، أمامي أكثر من خيار.
- آه يا فرات خياراتك تغلق الطرق، ما أروعك وأنت تتمردين! تبدين فتاة عصرية، لماذا لم تحسمي قرارك بعد؟ الانتظار والمجهول يعذبانني.
لم تستغرب ما يحل بك. هذه نهاية من يطمح لرؤية الشمس وتبديد الظلمة. من يخفف عن الآخرين. عليه مقابل ذلك أن يأخذ قسطاً من آلامهم. السماء واحة قناديل. تطلع الشمس مكتملة الحسن، تهرب السحب وتتلاشى وينتشر الضوء، يتحول الأفق شيئاً فشيئاً إلى ورود وزنابق. عينا فرات المرحتان وجسدها المتمرد وصفحة السماء الصافية توحي بحالة جديدة من الأمان. أطلق الحب ساقيه للريح وجعل الحياة رائعة. بقعة ضوء في قلبكَ تتسع. حبيبتك إلى جانبك. شعرها يلفحك بنسمات من العطر، روحها تتسلل إلى روحك وتعانقها، تستمع إليك، تهبك مزيداً من القوة كما وهبتها ذات يوم، مرحها أضفى على وجهك وتعبيراتك إشراقة مفرحة. أمكَ تدلي برأيها تنصحك، تتنبأ الفشل لأنها من غير ثوبك ولأن لابنة المدينة شروطها، بيت ونقود ورجل تحت قياس يدها، وأنت كقروي لا يناسبك أن تضيع شخصيتك مع فتاة لا تصلح إلا لصف الكلام والفراش. نصحك عمك أن لا تتزوج ممن كانت مخطوبة، لابد أن خطيبها شمها ولمسها وضمها، وهو لا يرضى لك إلا العذراء في كل شيء. لم تصغِ لملاحظاتهما. حاولتَ إقناعهما بأن الفتاة مناسبة، الفتاة ذاتها التي دافعت عنها لم تحزم أمرها، ما زالت مترددة.
لم تستوعب كيف تنقاد فتاة كفرات لآراء أمها ولا تخرج عن طوعها؟ غريبة هكذا تربية والمفاهيم التي استندت إليها، وقدرة أمها على لجم حريتها وحياتها ووضع مستقبلها على كفها في عالم الغيب. تلغي الزمن والتطور، وتصادر أفكارها وتمنحها أفكاراً جاهزة. فرات حاولت التمرد، وقامت بإقناع عمها وخالها، إلا أنها فضلت التريّث، لا تريد أن تواجه أمها، تقف مكتوفة اليدين كطالب كسول يستعد للعقوبة، لا تنطق بحرف وإن تجرأت ونطقت فلإرضائها. تتركك تتوجع، أليس الحب نوعاً من أنواع العذاب؟ هي واثقة من حبك، ترى أن بقاءك عزباً مؤشر على تصميمك خوض المعركة حتى نهايتها. هي فرحة ومتأكدة من حبك، تمازحك وتحاول دفعك إلى حافة الجنون وهي تقهقه. تخبرك أنها لن تتزوج إلا برضاء أمها، وهي المحبة لك لن تتزوج سواك، معادلة يصعب فهمها!
الزمن يمضي وقد تصالح معك أو ربما تواطأ. فرات ما زالت مشعة وغضة، وكل يوم يذهب يجعلها أكثر تعلقاً بالحياة وأكثر تفكيراً. الآن تأكدت أنها أحبت بعواطفها بعيداً عن عقلها. لم تكن في يوم قادرة على تخطي تجربتها السابقة دون مساعدتك ووقوفك إلى جانبها، لم تبخل عليها بشيء حتى استطعت أن تنتشلها من المستنقع. أمها تتدخل في حياتها، تحاول أن تغيّر نظرتها وتعيد حساباتها من جديد، تبدو غريبة وهي تمسك جذوع الأشجار وتبكي. تقطر الأوراق دموعها، تهيم في ليل الغوطة وتقذف أحزانها. العتمة تسورها وتسدّ عليها الطرق. تفيض ألماً، تعج بالصراخ. يمتلئ صدرها وفمها صراخاً، تقول:
- تظن يا حامد أن الفتاة التي تفجع بخطوبتها، تستطيع أن تحيا كالأخريات!
- الأشجار تبرعم من جديد مهما كان الشتاء قاسياً.
بدأتْ تعيد التوازن إلى شخصيتها، تحسُّ أن عليها أن تنتقم، لكن ممن؟ شيء من الرطوبة تتسلل إلى فؤادها. أدخنة تتصاعد من رأسها، ترتسم خيالات وصوراً سريالية أمام ناظريها، الصور تهتز ضائعة وغير واضحة. بدت بساتينها ذابلة، اختلط عطرها بأدخنة المعامل. كتل الغبار تسدُّ الرؤية، تحيل لون الأشياء إلى داكن. سرى الخدر إلى جسدها، أحست بالضيق. حاولت أن تعيد المرح إلى روحها، والورود إلى خديها. حدقتَ بها لتعبر من خلالها إلى الحرية، فاض بردى على صدرها مالحاً ودبقاً. نظرتْ إليك. لم يعجبها لومك، قالت: "أنت قاسٍ ومتوحش!"
أحست أن مزاجها غير رائق. من الصعب بقاؤكما على طاولة واحدة مدة أطول. غادرت لكن الحب ظهر في عينيها لحظة الوداع.
-3-


طلبتَ إلى السائق أن يسرع خوفاً من حلول كارثة. أخذ السائق كلامك على محمل الجد. لا أحد يعرف بما فكّر. تغيّر لون وجهه وضغط على دواسة البنزين. أطلق العنان لبوق السيارة وأخذ يتجاوز ما أمامه. هدأتَ من روعه وأخبرته أن الأمر لا يحتاج إلى مخاطرة بروحه وسيارته.
خفف من سرعته. ملأت الضحكة وجهه وارتسمت على شفتيه، لم يتصور أن هناك من يحاسب على دقيقة أو دقيقتين. استمع لما قلته عن مديرك السيد أيوب الذي لا يعترف لا بالأعذار ولا بالمسائل الإنسانية. يلغي المرض والحالات الطارئة. المهم أن يحضر المعلم في الوقت المناسب يدخل الصف ويغلق الباب. تأخرك لهذا اليوم إن حصل سيؤدي إلى مشكلة وأنت في غنى عنها. يراهن على ذلك وينتظر اللحظة المناسبة. يقول في سره: «وقعت وما حدا سمى عليك».
الدهشة تتراقص على وجه السائق. لم يصدق. هو يتأخر وتضطره أزمات السير إلى البقاء في نقطة واحدة ربع ساعة أو أكثر. بدا مسروراً بهذه الأخبار. قرر أن ينتظر ويرى ما سيحدث. أطفأ المحرك عند الوصول إلى المدرسة واقترابه من بابها. الطلاب يقفون باستعداد. المدير يروح ويجيء كالدجاجة التي ستضع البيضة. يعد خطوات القادمين. يرفع بصره إلى الأفق وإلى ساعته. ينط، تتقافز العصافير على شفتيه. وهو يرى المشاهد الأولى. حرك جسده، ووضع إصبعه في فمه وأطلق صفيراً متواصلاً، وهو يقول: «علقت الله يستر».
أغلق الآذن الباب الخارجي. تسلق السائق السور ماداً رأسه. إنها المشادة كما سمعها. أطلق ضحكته المجنونة قبل أن يتوجه إلى السيارة، وفي نيته أن يحدث كل من يركب معه عن هذا الصباح.
شعر أيوب أن المعلم غاضب. أومأ لـه أن يتبعه إلى الإدارة. بينما أمر المدرسين التوجه إلى صفوفهم. في الفرصة سد بجسده باب غرفة المعلمين. نظر إليهم وهم منهمكون بشرب الشاي وإلقاء النكات. تفحص وجوههم. استغرب كيف يمضون ربع ساعة بلا عمل. صاح:
- المناوب إلى الباحة.
- على كل مدرس أن ينهي العلامات، ويملأ الاستمارات الخاصة بالطلاب الضعاف، إضافة إلى التشخيص والانحراف المعياري والتغذية الراجعة.
- هناك أربعة مدرسين بينهم حامد لم يعطوا توزيعهم الشهري.
تتضاعف مهمة المناوب، صباحاً الطلاب يتحلقون حول المُجد ليملي عليهم الحلول والأجوبة، منهم من يتأخر في الصف لهذا السبب أو لسرقة محتويات الحقائب، إذا غض النظر يقع في مشاكل. الطلاب يركضون، يلعبون ويتشاتمون. عليه أن يحكم بينهم، يلف الباحة، يتفقد دورات المياه، يضع عرفاء، يتأكد من أن أحداً لا يدخن ولا يحاول ال بزميله لأمر ما في نفسه. هو وسط هدير من الضوضاء بلا هدف وبلا سبب، يهرول، حاضر في كل مكان، يستغني عن كوب الشاي الذي يبل ريقه، إذ قد يصدمه أحد الطلبة وتندلق الكأس.
في إحدى الصباحات وقف المدير بكرشه المنتفخة وصوته الجهوري، يطلب معاقبة المتأخرين، وقف كقائد منتصر هزم أعداءه وأسر الباقين، تابع سيره إلى غرفة المدرسين، سمع ضحكات، امتعض وأعطى أمره بالخروج لتحية العلم. انتظرت إجلالاً للنشيد، من بعيد صاح ينادي: "ما هذا التأخير يا أستاذ حامد، هيا معي؟"
الهموم الكبيرة والصغيرة وانشغالك بالتدريس، جعلك تنسى جلافته، تتذكر موعدك مع فرات، الوحيدة القادرة على تخفيف هموم التدريس، وبلوى الأستاذ أيوب، الذي لا يسمح لك بوقت كاف، لتنفرد فيه مع ذاتك، مع طلابك، في غفلة منك يدخل الصف، يُضيّع الحصة، يطلب دفاتر التلاميذ، يشاهد بعضها، يُسمعك الملاحظات، يُسمّع الدرس، حبة «اللازكس» تجبره على ترك صفك والهرولة ليفرغ سموم المثانة، يظل عشر دقائق وربما ربع ساعة وهو يستنجي، حتى لا تتسلل نقاط بول إلى ملابسه. يبدأ بالوضوء وهو غير غافل عنك، لا يسمح لك أن تذهب إلى دورة المياه أثناء الحصة، يذكرك بالفرصة التي وجدت لقضاء الحاجة. ترد عليه بالمثل طالباً إياه أن يفعلها في الفرصة. تضحك وهو يستشيط غضباً، يعتبرها إهانة.
يأتي الموجه التربوي. ينظر إليك المدير بارتباك ويضحك، وكأنه يقول لك وقعت وكثرت السكاكين. يتركك ويسعى إليه ليرحب، ويعطيه تقريراً وافياً، وبعد أن يقول ما عنده، يستمع إلى النصائح التربوية، والتي على رأسها إعداد تقارير سيئة عنك، يطالبه بعدم المزاح، أن يكون جدياً، أن يحاصرك أكثر مما يفعل الآن ويدفعك إلى الغلط، لتتصرف معه بعصبية أو تترك التعليم وتهيم في الشوارع لا تجد لقمة العيش. الأستاذ أيوب يستمع إلى نصائح الموجه: "إياك أن تترك صفه. ننتظر تقريرك العاجل. عليك أن توقع به. أن تضايقه ليتصرف بحماقة، ثم تبلغنا فوراً."
ينقل المدير التعليمات الجديدة والأمور المطلوب إنجازها. بعد هذه التعليمات وغيرها يحاول المزاح على طريقته الخاصة وإضفاء جو من المرح على كلمات المفتش. وقبل أن ينهي كلامه يذكرك بأن استمرارك في التعليم يعود إليه، فهو لم يرفع تقريراً ضدك على الرغم من كل مضايقاته. يخاف الله، وغير مستعد أن يخون ضميره علَّ الله يمن عليه ويخلص ولده من السجن.
لست الوحيد الحريص على علاقة طيبة معه. المعلمون يطلبون وده ورضاه، يتدخلون لصالحك، يحاولون إقناعه بأن الصلاة ليست معيار التقييم، وإنك وإن لم تصلِّ إلا أنك لم تعدم الضمير. عليه أن لا يحاسبك على هذا الجانب «فكل شاة تناط برجليها».
صرخات التلاميذ تشق عنان السماء، يتابعون حركة كرة القدم، صرخاتهم تتجاوب مع انتقالها من قدم إلى أخرى. الأستاذ أيوب يراقب المشهد بأعصاب مشدودة غير قادر على ضبط النظام وتوجيه اللوم إلى مدرس الرياضة المدعوم، الذي شغل الجميع بحذائه الضيق. يقف حافياً ويطلب إلى أحد التلاميذ انتعاله والركض في الباحة، يعتقد أن ذلك سيؤدي إلى توسيعه. الطلاب يتصايحون والمعلمون يضحكون ويعلقون بنكات. المدير لشدة حنقه يصب غضبه عليك، بينما يسأل أستاذ الرياضة بكل أدب وتواضع:
- من اشترى لك الحذاء يا أستاذ؟
ينظر إليه بعين الغضب ويجيب: أنا.
- أين كانت قدمك؟
- هل هذا استهزاء؟
- لا والله.
- البائع نصحني بهذا الحذاء ووعدني بأنه سيتوسع نمرة لمجرد المشي. لبسته أسبوعاً كشط جلد كعبي، احمرت أصابع قدميّ، إلا أنه ظل ضيقاً.
منذ يومين وهو يعطي الحذاء لأكبر تلميذ يطالبه بالركض. تكرّ الضحكات والمدير يلطم على رأسه ولا يقول شيئاً، بل المطلوب منه وضع علامة جيدة جداً له.
القصة بينك وبين المدير مستمرة طوال العام. يخبرك أنك لا تعمل كما يجب. تشفق عليه. لن يقتنع بأنك مظلوم. عليك أن تسدّ المنافذ، أن تدرّس وتحضر إلى الدوام قبل الموعد المحدد.








رد مع اقتباس
قديم 05-04-2016, 11:07 AM   رقم المشاركة : 15
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


غرباء منتصف الطريق




تعود الذاكرة إلى السنة الثانية لقيام الوحدة بين مصر وسورية. في هذه السنة أنجبت السيدة ليلى زوجة الحفا ولدها البكر. رغبت أن تسميه عبد الناصر تيمناً بالرئيس جمال عبد الناصر. إلا أن زوجها المتدين قرر تسميته مصطفى تيمناً بالنبي المصطفى. احتفل بهذه المناسبة السعيدة، دعا أقاربه وجيرانه وأصدقاءه، تلقى العديد من الهدايا، كالثريا المعلقة في الصالون، والسجادة المفروشة في غرفة ابنهما وباقات ورود وهدايا يصعب عدها بعد السنين الطويلة. الهدية التي ما زال يحتفظ بها مصطفى ويعتز بها هي هدية عمه الأكبر بمناسبة ميلاده المصحف المذهب الذي حجزه لنفسه من الصغر.
عم مصطفى إمام جامع وفقيه، مفتي عائلته وعائلات أخرى تلجأ إليه لحل النزاعات، مشهود بصدقه وعدله، يدرس المشكلة التي تعرض عليه، يستشير أهل الرأي قبل أن يعطي حكمه الأخير، يتأنى في إصدار الأحكام في القضايا الصعبة التي تحتاج إلى شهود، يضطر في بعض المرات إلى دفع المال من جيبه الخاص للتوفيق بين متخاصمين أو الإصلاح ما بين زوجين، يصرف على بعض العائلات المستورة من أموال بعض الجمعيات الخيرية. مصطفى محب لعمه، مولع به، يداعبه ويلاعبه، يمسكه من لحيته، يشد بعض الشعرات البيض، بينما يد عمه تحاول أن ترده، فأيدي الصغار لا يجوز أن تعبث بذقون الفقهاء. تعلم وتتلمذ على يده، قراءة القرآن والكتابة والحساب. كل ما يأتي يُحضّر أسئلة عن مبطلات الوضوء وكيفية الصلاة، ومتى يحق للمسلم أن يفطر والصدقة ومقدار الزكاة والحج. هذه الأسئلة وعشرات غيرها تثلج صدر عمه، ابن أخيه عجينة يكونها، يأتي أحياناً ليشرح لـه بعض أمور دينه ودنياه، قبل أن ينتقل للحديث في أمور السياسة والحياة مع أخيه.
أبو مصطفى الحفا أكبر إخوته، بيته مضافة لأقاربه وإخوته الذين يعتز بهم، ما زالوا يستشيرونه في كل صغيرة وكبيرة. حتى الفقيه لا يتصرف دون العودة إليه، على الرغم من اختلاف الرأي في أمور كثيرة، هذا لا يمنع من طرح مواضيع للنقاش، مما يؤدي إلى وجود خلافات في وجهات النظر واجتهادات، وحتى لا تتسع شقة الخلاف تستبعد الأمور المختلف عليها، بينما يتم تعزيز ما هو متفق عليه.
مصطفى الابن البكر المدلل، تتقاذفه أيدي الأعمام والعمات والزوار، يغدقون عليه الليرات حتى كادوا يفسدونه. أمه الحريصة على تربيته وأمواله تقنعه بعدم صرف ما معه. تأخذ نقوده وتخبئها منذ كان عمره ثلاث سنوات. القرش الذي يُخبأ يبقى، أما الذي يصرف فيذهب، هذه قاعدة أمه للحياة والمستقبل. تبقي بيده عشرة قروش أو ربع ليرة، تضع القرش فوق القرش. جمعت لـه عشرة آلاف ليرة، أعطته المبلغ كاملاً، قائلة: "هذه النقود خبأتها من مصروفك خلال ما يزيد على عشرين عاماً. هذا ما كنت تأخذه منا ومن الأعمام والعمات وغيرهم."
كادت تضيف كلمة الأخوال، لكنها لم تفعل. ما يأخذه من أعمامه أكثر بعشرات المرات إذا قورن مع عطايا أخواله القليلة أو المعدومة. ربما لأنهم ليسوا بغنى أسرة الحفاة العريقة بنسبها وبساتينها وتجارتها وأموالها التي لا تحصى. أخواله فقراء لم يرثوا عن والدهم سوى البيت الذي باعوه واقتسموا ثمنه وكل واحد تصرف بحصته. أحدهم اشترى شقة وآخر دكاناً أما أخواها الصغيران فوضعا مبلغهما عند جامع الأموال راني. هي وأختها الصغرى أخذتا حسب الشريعة. تعطي إخوتها بعض المساعدات والهدايا في الأعياد والمناسبات.
أرضعت صغيرها حب عبد الناصر، هذا الاسم الذي صار جزءاً منه، تردده على مسامعه، حبه ملأ فؤاده كحب والديه والله، وظل حاضراً في ذاته حتى في فترة الانفصال وأوائل حكم البعث. لم ينهزم الرمز على الرغم من وقوف أعمامه مع الانفصال. يسمع في اليوم الواحد مجموعة آراء. وبات يدرك موقف أهله الذين يدعمون الصف القوي حفاظاً على تجارتهم المزدهرة. قال عمه الفقيه: "نحن أتينا بعبد الناصر. ماذا كنا نريد أكثر من أن يخلصنا من أحزاب كادت أن تقبض على السلطة؟ كان صفقة تجارية رتبناها."
مصطفى غير مرتاح لما يسمع. آراء متناقضة ومغالية، تتبادل الاتهام. والده خائف من حماسته. أخبره بصريح العبارة أن السياسة ترفع ساقيها لمن يباركون صونها لقدسية الوطن وشرفه. التجربة مغامرة، يخرج السجين إذا كان طويل العمر بعد سنوات ذليلاً ومتهماً وممنوعاً من السفر وسجانه هو الوطني. ما يؤلمه أن الناس العاديين باتوا متفرجين. حتى الطبقة الوسطى التي يصنع أبناؤها التاريخ استهدفوا، شمروا عن سواعدهم ليمضوا نهارهم بالعمل، ليطعموا الأفواه الجائعة. قال أبو مصطفى موجهاً كلامه لزوجته وأولاده: "أحببنا عبد الناصر، لكنه خدعنا بكلماته الحلوة!"
حزن مصطفى. بردى يفيض على وجنتيه. كيف سيكون رد والده إذا أخبره أنه سيدخل بوابة السياسة؟ يحصل على ميزات تساهم في بناء شخصيته وتؤهله دخول الفرع الذي يريده في الجامعة. والده كتاجر سيشجعه على دخول معترك الحياة من أي باب، ليرتقي إلى ما يريد. تلعثم وهو يبدأ حديثه. مسح عرقه وهو يشرح وجهة نظره إلى أبيه. هزه والده من كتفه وقال: "أين تكافؤ الفرص؟ هل أنت مقتنع بما تقول؟ الأهداف الجليلة تحتاج إلى عظماء، أنت لست منهم. غايتك تافهة، إياك أن تصغّر نفسك ثانية."
انسحب منكس الرأس وكأنه بال في بنطاله. قرر أن يثبت لوالده، أنه لا يرضى بالفتات. تذكر آراء صديقه الشيوعي، ما أشبهها بموقف والده! تمنى أن يعرف الصح من الخطأ، وأن يتجاهل آراء مدرس التربية القومية ومدرس الديانة، أما آراء والده المتمسك بالديمقراطية الغربية، الانتخابات، التنافس الحر وتبادل السلطة، الحرية، فإنه لا يستطيع أن يحكم عليها.
كل يوم يسمع آراء جديدة تناقض ما سمعه سابقاً، آراء أعمامه، أخواله، أصدقائه، الناس، الإذاعة والصحف، قرر عدم الانتماء لأي حزب. بات يكره الشيوعية والأحزاب الدينية. اهتزت شخصيته. واجهته سلطة أمه التي لا يستطيع تحديها، بل يكبر حبها حتى طغى على ما عداه، فإذا أراد أن يصف شيئاً جميلاً، يصفه كما وصفته، يقلدها في الحديث، حتى في تأدية الصلاة وفي تلاوة السور والآيات ذاتها التي تتلوها. تعود على طاعتها وتقبيل يديها. الشيء الذي يزعجه نظام المطبخ وأوقات تناول الطعام، إذ لا يستطيع الأكل حتى لو جاع وتأخرت الوجبة، عليه أن يصبر ليحضر الجميع ويتحلقوا حول المائدة. أحياناً يتمرد، يتناول سراً بعض الأطعمة قبل موعد الوجبة، تشاهده أمه فتوبخه وتتهمه بالجشع والإخلال بمواعيد الوجبات. شديد الحذر. لخوفه يذهب إلى الحمام والطعام بين ثيابه. أحياناً تكتشف أن يداً امتدت إلى أحد الصحون. يقسم أن لا علم له. تتركه وتحقق مع والده الوحيد القادر على ذلك دون أخذ إذنها هو والصغيرة المدللة، التي تفاجئ إخوتها بالطعام، ترفض إعطاءهم. وإذا صادف واشتكت، فإن القيامة تقوم على رأس من اشتكت عليه.
تعلم الإنكار حتى لو كان الأمر بسيطاً، منذ عقابه لتناوله قطعة حلوى، وجده أقصر الطرق للنجاة. شيء آخر يزعجه هو احتفاظ أمه ببعض الأطعمة التي يسيل لها لعابه، تخص بها والده، لا تخجل من هذا التمييز بل تفاخر به، الأب عماد الأسرة، يستحق عناية خاصة، تشعر بالاعتزاز والزهو وكأنها طاووس نفش ريشه.
أشد ما تمناه حين رؤيته للمبرومة، أن يتناول قطعة منها، تظل رائحتها تطارد أنفه، وطعمها لعابه، وشكلها عينيه، يحاول تجاهل أوامر أمه والسطو على قطعة، بحيث لا يظهر أي خلل في الكمية. تساءل عن مغزى الأكل في السهرة، ولماذا يتناولانه بعيداً عنهم؟ ظلت الأسئلة تتردد في ذاكرته المتعبة.
تغلق أم مصطفى الباب بالمفتاح وتبقيه في ثقب الباب، مجلوة أنيقة لا شعر يغطي جسدها الحريري، حتى الزغب تنتفه. ترتدي «التفريعة» التي تصل إلى السّرة، يشرئب جسدها، تغرد الابتسامة على محياها، وترسل عيناها نظرات وحشية، تفتح علبة «المسكرة» تتزين وتترنح وتغنج. فقط عليها أن تستثير أبا مصطفى، لتصيبه حمى الجنس. يضمها ولا تفلت من بين يديه. تقترب منه، يمد يده ويناولها مئتي ليرة. تبتسم وتدسهما تحت الوسادة. تدير المسجلة على شريط راقص. تستحثه لتناول بعض اللقيمات الشهية من يدها وهي تهز بجسدها: "كل يا بن عمي صحتين وعافية."
في هذه اللحظة تبدأ بطقوس التعري، وارتداء ملابس داخلية اكثر إثارة من الأولى. تطلب إليه أن يساهم بغندرتها وهي تميل إليه. تحدثه عن جاراتها وهمومهن وما حصل في الحارة أثناء غيابه، ثم تحدثه عن البيت وأولاده بداية بمصطفى ونهاية بالمدللة الصغيرة، ثم تسمع منه عن عمله ومتاعبه.
أم مصطفى ذات ملامح ملائكية. تغزوها النيران. تبتسم وتردد شفتاها ألحان الحب، تصير غزالة رشيقة، تتمايل غضة كعود حور أخضر، كفتاة لم تتجاوز العشرين، ممتلئة بالعاطفة والحنان، مشحونة بالحب، لسانها رقيق، الجنس يجعلها أكثر عذوبة، بسيطة مرحة، سحر نظرتها ربيع ونجوم، اتفقا على ليلة الحب، تنتظرها منذ بداية الأسبوع، لا تأتي نهايته إلا وتكون قد ذابت وجداً، توصي زوجها ما يجب إحضاره لليلة المباركة، تشعل الحمام منذ الصباح، يستحم أولادها وتدعه ساخناً، متأكدة أن القيامة لن تحدث تلك الليلة، فمعظم الشاميات يفضلن السهر ليلة العطلة، آلاف وربما ملايين الأرجل تدفع السماء عالياً ولا تسمح بانطباقها على الأرض، سألها:
- وما أدراكِ أن القيامة لن تحدث بعد نومنا؟
- يا حسرتي على أيام الشباب يوم كنا نسهر حتى الفجر، نم يا رجل ولا ترني عينيك اللتين تغمضان كعيني حمامة برية. أما أنا فسأستحم وأسهر مع مسلسل «سفينة الحب» لقد أعادوا عرضه من جديد.
أم مصطفى ما زالت جميلة ولطيفة، مكتنزة الجسد، تخفي التجاعيد بالتدليك والمساحيق، والشيب بالصبغة، ترتدي من الثياب ما يجعلها شهية. الكناران المغردان في صدرها تحولا إلى يمامتين هرمتين فقدتا القدرة على التمرد. تذكرت ذاك الجسد الرشيق القادر على الطيران، يعانق السحب الماجنة، يجيد لهجات العشق وفنون الطرب، ومحاكاة النجوم وسلبها بريقها. كانت عود رمان، حافظت على رشاقتها ثلاث سنوات. بعد الإنجاب لم تعد تعتني بجسدها الذي بدأ يترهل، خاصة بعد تناولها حبوب منع الحمل. مطيعة تودع زوجها وتخرج معه يومياً حتى الباب الخارجي، وعندما يبتعد قليلاً تقول على مسامعه: «الله معك» لم تفقد آداب اللياقة والاستقبال لزوجها وأقاربه وأصدقائه. تمزح وتمرح مع أولادها، ربتهم على الطاعة. أما إذا انزعجت فإن صوتها يلعلع، ترد بحركة من كتفيها أو رأسها، يبدو وجهها ثقيلاً مكللاً بالغمام، البيت يكاد ينفجر بمن فيه. مرة واحدة ذهبت إلى بيت أهلها بعد أشهر من زواجها، بسبب خلاف بسيط. في اليوم الثاني سارع زوجها لمراضاتها، اشترى سواراً ذهبياً وأهداها إياه عربون حب.
أحب مصطفى يوم الاثنين ليسترق السمع حيث تجمع أمه الجارات والصديقات في غرفتها أو في الصالون. يغلقن الباب، فلا يصل إلى أسماعه سوى بعض الوشوشات والنكات، التي لم يكن يعرف مغزاها الجنسي. يحرص على البقاء في البيت، مع أنه لا يعي معنى الحركات والأغاني التي يراها ويسمعها، إلا أن شيئاً في داخله يدفعه للبقاء، يراقب وهو سعيد جلساتهن ورقصهن وغناءهن، يسمع وصلات غناء جميلة ورائعة، وهمسات وضحكات تنتشر في أرجاء البيت، يذكر موسيقاها التي لم تغادر أذنه، إنه لا يعرف ماذا تعني أغنية «يا قضامة مغبرة يا قضامة ناعمة» ولِمَ كل الدلال والتحبب للمرأة؟ ما زال يحفظ بعض الأبيات:
جابلي منديل بورقة وقالي قومي يا لبقة
قتلوا جسمي ما بلقى لبسني وأنا نايمة
تكر الضحكات ويرتفع صوت الموسيقا والغناء. من الثقب الذي نسيت أمه أن تضع المفتاح فيه على غير عادتها، ينظر. نساء شبه عاريات يتمايلن غنجاً ودلالاً. أمه أميرة بجسدها العاجي المشع كالبرق، تتمايل وتتقصف وهي تدور وترقص، وقبل أن تجلس تختار من تحل مكانها. لأول مرة يرى أمه على هذا القدر من الجمال والرشاقة، حتى إنه صار يلقي نفسه في حضنها، ويطالبها أن تمسّد شعره، فيشعر براحة تامة.
لم يتفوه بما رآه. إنه بقدر ما يحبها يخاف قسوتها إن علمت بتلصصه. ينظر إليها وكأنه يكتشف جمالها، تنم تعابيرها عن رضاها ومحبتها. يمتدحها ويصفها بأنها أجمل امرأة في الكون! تضمه وتقول: "تسلم يا روح ماما!"
تكبر في عينه أكثر. ترفض الذهاب مع أبيه إلى السهرة، يعاتبها:
- ولكنهم كبار رجال الدولة، أنسيت أنني بحاجة إليهم؟
- لا تحل مشاكلك على حسابي. هل ترضى أن ارتمي في حضن أحدهم؟ ابحث عن غيري.
- غناني الله عنك، سأتصرف!
يصفق لأمه بروحه وبيديه، ويقول في سره: أنت امرأة رائعة! لن أتزوج إلا واحدة تشبهك في كل شيء، وإلا فإنني سأظل عازباً!
- من الصعب أن تجد أمثالي. أحافظ على شرفي وأموال زوجي وأرضى بالقليل.
- لن أتزوج يا ماما!
- بل ستتزوج يا روحي.
كلامه يرضيها. تبتسم وتدعو لـه بالزوجة الصالحة. تغدق عليه الأموال كلما شعرت أنه يحبها أكثر. لم يستغرب موقفها يوم طالبته أن يراقب أباه في أوقات معينة. منذ الصغر وهو مطيع لوالديه، لا يقول إلا نعم، يقبل أياديهما كل صباح. في المدرسة هو عريف الصف، ومن الأوائل في معظم سنوات دراسته. يتراجع قليلاً ولا يحصل على مجموع يؤهله دخول الطب أو الهندسة، كما يحلم والده، يدخل كلية الحقوق، يتفوق في التشريعات الدينية. يرسب في السنة الثانية، يوبخه والده، أمه تدافع عنه مبررة ذلك بصعوبة الأسئلة. الأساتذة الجامعيون يرتاحون كثيراً لرسوب طلابهم. أبو مصطفى رد على مبررات زوجته: "لا علاقة يا امرأة بين رسوب ابنك والمبررات التي ذكرتها، أنت بإصراركِ على ذلك كمن يحاول الربط ما بين دوران الأرض والآلام التي في رأسه. يا زوجتي لا تدلليه، ساعديني ليتخطى ابننا مرحلة المراهقة، ابنك لم يرسب إلا لأسباب تتعلق به."
بعد تجاوزه لخيبته في الجامعة، بدأ يفكر بالزوجة التي تنتظره، تحتضنه وتقبله وتخبئ ما لذ من طعام وحلويات للسهرة، تقفل الباب بالمفتاح، امرأة لا تعرف غيره، وهو لن يختار غيرها، إنها هلا التي اعتقد أنها لا تعرف سواه، عرض ذلك على أمه التي قالت:
- فتاة اليوم تعرف كل شيء، وأي فتاة لا تعرف سواك ناقصة المعرفة، أما التي خالطت ولها تجربة فقد تكون قنوعة وابنة حلال. هذا الرأي لا أستطيع أن أجاهر به. أبوك لو سمعني لتعوذ من الشيطان واعتبر ما أقوله من الكبائر.
- هلا يا أمي فتاة خام، لم تكتشف الدنيا ولن تكتشفها إلا من خلالي. لا تعرف غيري، نازحة ويتيمة، ستكون ملك قبضتي.
- هل صارحتها بحبك؟
- لم نصل بعد إلى ذلك!
- تصارحا أولاً ثم تعال إلي، لا أريد أن ألعب المندل!


-32-


كنت عصية على التصنيف، وإن كنت أقرب إلى النوع الثاني. تؤمنين بحرية المرأة، ولا مانع عندك أن يكون حولك أكثر من صديق. عملك في إحدى الخلايا التنظيمية جعلك متحررة، جعلك محط بعض الأعين، خاصة عندما تأكدوا أنك تملكين فكراً جدلياً، تطالبين بحرية المرأة وإنصافها ومعاملتها كالرجل، وفصل القوانين الخاصة بها عن الدين، تدافعين عن التشريع المدني وتثبتين أن الدين ليس ضد ذلك، لكن كلامك أكبر من عصرك، جاء كخنجر موجه إلى صدرك، أقرب الناس إليك ومن معك في حزب واحد، أنكروا حريتك، ينظرون إلى المرأة كدمية، دورها في الملاهي والإعلان والمطبخ. جرأتك دفعتك إلى انتقادهم، وإلى الحديث عن العشق والحرية والديمقراطية وتحرير الجولان، في عينيك أنسٌ وشموخ، وفي صداقاتك انتصار على الذات، متحررة وأصدقاؤك من الجنسين، سمحت لنفسك أن تخرجي مع عدد منهم كمجموعة أو كل واحد على ، تناقشين وتتحدثين عن الصداقة والحب وتخططين لمستقبل أفضل، تنتقلين من واحد إلى آخر وأنت مغردة، هم يعرفون أنك تصادقين غالبيتهم، كل واحد يظن أنه الأثير، يريدك لذاته، تخصينه بكلام ونقاش وموعد، يهيم ويظل طعم اللقاء والكلمات الرائعة تتردد مع كل لقاء.
هذه حياتك تمارسينها دون تعقيدات، فيها الكثير من اللهو والمرح، لم تتصوري أن يوماً سيأتي وتكوني على الرصيف وحيدة وبلا رفاق وإرادة، وبلا خلية تجتمعين فيها، تبثين شكواك لرفاقك، تزعزع إيمانك بما كنت تنادين به، ارتددت، أنت فتاة، ما المطلوب منك ما دمت غير قوية؟ لم تقبلي الرضوخ، مع أنك تعرفين أن القوة تتحدث، تصمتين حتى تملكي القوة، حاولت نسيان الآلام، أعددت نفسك لحياة جديدة، بعيدة عن كل ما ناديت به، رضخت للواقع وسلمت أسلحتك، ارتضيت حياة الحريم، شعرت أن شيئاً ما في ذاتك ناقص، لم تزل نظراتك سوداوية، ومع ذلك جاهدت للوصول إلى النشوة والقبض عليها، تؤمنين بأن قمة كل شيء نهايته، وأن ذروة الوصول إليها هي لحظة زئبقية، تحسين بالفتور والغم والارتخاء.
اهتزت شخصيتك وتراجعت أفكارك أو أكرهت على ذلك، غدوت بين يوم وليلة تتقيدين بتقاليد أسرة الحفا، تعيشين كما يريد زوجك وعائلته، دفنت نفسك في آلامك، في المطبخ، تمنيت أن تجدي في حياتك فترة مرح هاربة من زمن الحزن والحسرات، سافرت ذاكرتك إلى أيام المراهقة وبداية حياتك الجامعية، تنهدت وترحمت على تلك الأيام، صدرت عنك ابتسامة ساخرة، لكن انفراج الفم وظهور الأسنان أعطى انطباعاً ملائكياً، بيّن كم يبدو الإنسان لطيفاً ورائعاً عندما يخرج من حزنه!
عادت أحلامك قوية وعنيفة، وعادت ذكرياتك طازجة، مع أنك قررت دفع ماضيك خارج حياتك، لكن مثل هذا القرار لا تملكين القدرة على تنفيذه، حياتك ذكريات، الآلام ملازمة لك كظلك دون إرادتك، مهما حاولت التخلص من حملك والعودة إلى الحياة بلا ذاكرة، تجدين نفسك ناظرة إلى الخلف، شيء واحد يخلصك من تلك الحالة الجنون أو الموت وأنت تعيشينهما معاً. من غير اللائق أن تبدئي يومك بالحديث عن الأحزان، يكفيك ما ستبثه فرات عن همومها، تحدثك عن رفض أمها لأي خطيب، الشخص الذي توافق عليه ابن أختها، إذا بقيت أمها مصرة على تزويجها من ابن خالتها ستسافر، ستهرب إلى أخيها. تسلل بردى إلى وجنتيها حاراً، مسحت قطراته المتهاطلة، حاولت أن تبدو طبيعية، شكواها في هذا الصباح كافية، لتستدر دموعك وتذكرك بما أنت فيه، وزواجك من مصطفى الحفا، ها أنت ذي تبادلينها ذرات الندى بقطرات من المطر، مسحت وجهك وصدرك، تمالكت نفسك، فالمطر في غير أوانه وبال، فكيف وأنت ما زلت عروساً؟ قلت:
- طمحت لليوم الذي أتزوج فيه، إلا أنني اكتشفت كم كانت الحياة رائعة بلا قيود، لا أخرج إلا مع زوجي أو مع أمه، عليَّ أن أعتني بنفسي لأجله، لأكون فاكهة مقطوفة جميلة ونظيفة تنتظر أسنانه وفمه، عليّ أن أستقبله لحظة وصوله وأظل معه أدور حوله، أطلب إليه أن يكون وديعاً حنوناً، أن يشملني برعايته، تصوري هذه حياتي، أعيش على هامش المطبخ، أعمل خادمة في النهار وعاهرة على سريره ليلاً، وأنا التي دعت لحرية المرأة، أبعد هذا عبودية؟
- وزوجك؟
- الآن أدركت يا صديقتي بأن الذي عليه أن يتحرر هو زوجي، ألزمني احترام تقاليد عائلته وأعرافها، ممنوعة من استقبال أصدقائه أو أقاربه. آه يا فرات؛ المرأة عليها أن تدفن أحاسيسها ولا تصرح بعواطفها، لا تصرح بحبها، يمسكها من اليد التي تؤلمها، قلب المرأة إذا دق تعجز آلات الحرب والدمار عن إيقافه، لكن لا عليك غداً يصير لي أولاد، أفرض ما أريد، استقبل ببيتي وأرمي منديلي الذي يغطي شعري، وأخرج إلى الحياة ثانية، لأقول لكل امرأة عليك بالاقتصاص من الرجال.
الآن بت تدركين أنك رضخت منذ اللحظة الأولى لأعراف العائلة. في جهاز العروس ومراسم الفرح، وفي الحمام أخضعتك لفحص القابلة، عند العتبة طالبتك أن تخطي بقدمك اليمنى، أعدت اليسرى إلى الخلف ومثل جندي لا يفرق اليمين من اليسار، فكرت ثم خطوت إلى داخل الحمام، في البراني اجتمعن حولك. جلسن على مصاطب الاستراحة وبدأن بحل شعرك والغناء، ثم خطون عبر الدهليز إلى القسم الأوسط، حيث تتدرج درجة الحرارة من البراني إلى الوسطاني الذي هو أشبه بردهة.
كنت تحدقين في الحمام الذي تفنن الدمشقيون في بنائه وتزيينه، رصعوا جدرانه بالقيشاني وأرضه بالحجارة والرخام. ما شدّ انتباهك بلّور النوافذ المعشق والزاهي الألوان، والتجويفات والرسوم والخطوط الرائعة التي تمثل بعض الآيات والسور القرآنية كالفاتحة وسورة ياسين. اجتمعن حولك، بدأت تخلعين ملابسك قطعة قطعة حتى تعريت فانهالت الزغاريد:
حصنتك بياسين
يا زهرة البساتين
يا مصحف زغير
يا عروس السلاطين
ها هن أولاء يقبلنك ويتحسسن جسدك ومكوراته. يقتربن أكثر في محاولة لشم رائحة فمك وإبطيك. يقرصنك حتى تورد بدنك وفي بعض المواضع يميل إلى الزرقة.








رد مع اقتباس
قديم 05-04-2016, 11:07 AM   رقم المشاركة : 16
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


غرباء منتصف الطريق


يا صحن توت
مجلل بياقوت
كبرو الصغار
وفتحو بيوت
أما مصطفى الحفا فقد تأكد أنه محظوظ، وأنك يا هلا مثالية في كل شيء، في حبك وفي آرائك وفي طموحاتك، وفي انزوائك ورضوخك لإرادته، أحبك وحاول أن يسعدك، يعوضك بالمشاوير والليالي الحمراء، هكذا يفهمك، جسد بلا روح، بلا أحاسيس، كلما زادت هداياه زدت رضوخاً، يهديك في كل مناسبة سواراً ذهبياً أو فستاناً، لا يبخل بنقوده القليلة، وفي أيام العطل والجمع والأعياد يضع نفسه في خدمتك، يلبي ما تطلبين، لا يدعك حتى عند أعز صديقاتك، يغار عليك، يحب أن يكون بعيداً عن ازدحام المدينة، في أرض الله الواسعة التي تتسع لملايين كلمات الغزل.
جاريت أفكاره، لا تريدين أن تبدئي حياتك بشرخ في علاقتكما الزوجية، يصر على مرافقتك، ما جذور هذا الإصرار، غيرة أم عدم ثقة؟ قلبت حاضرك وجدت نفسك حرة داخل سجنك! قلبت الحزن وهدهدته، لعنت اليوم الذي قبلت أن تتزوجيه، ظهر ما في داخلك على وجهك، اجتاحتك سحائب خماسينية، استسلمت لقضاء الله وقدره. لم تزوري أخاك إلا مرة، لم تزوري أحداً من أقاربك. أما صديقاتك وخاصة فرات، فقد زرتها بعد إلحاح دام أشهراً. قررت الآن أنك من الحريم، عليك أن تستفيدي من وقتك وتبدئي بالمطالعة. بدأت ببرنامج ثقافي، تسهرين حتى الواحدة أو حتى الصباح مع مدام بوفاري، تحسدينها على زوجها وحبه المتفاني لها، وحبها لعشيقها، تمنيت أن يكون لك عشيق وتذهبين إليه تحت أية حجة وتطعنين كل الحفاة، لكن فات الأوان.
حاولت إقناع زوجك بضرورة عودتك إلى العمل في ظل ارتفاع الأسعار، دخل واحد لا يكفي أسرة، الليرة انخفض معدلها الشرائي. دفعته للسفر إلى الإمارات العربية، لكن زوجك شاور أمه فنصحته أن يظل إلى جانبك. سعيت بسكن منفرد عن أهله فلم تفلحي، حاولت أن تحملي منه لكن الله لم يكتب لك ذلك!
ــ 33 ــ


انتهى القارئ من تلاوة المولد النبوي الشريف، وتم توزيع الحلوى وصرر الملبس على المدعوين، بينما النسوة يرقصن ويغنين بنشوة بعض الأغاني الشعبية، وأنتِ فرحة تدخلين غرفة ملابسك، تغيّرين فستانك بآخر أجمل، تلقتك أمه بالمهاهاة والزغاريد، بينما بقية المدعوات يصفقن ويغنين:
لبست فستان عنابي
قلعت فستان عنابي
يا لله تشوف العزابي
نايم بالفرشة لوحده
أسدلت الستائر ودارت المروحة السقفية بسرعة. الصبايا ينشفن عرقهن، يتداورن الرقص وهز البطن والخصر والردفين وحركات الإغراء والغنج، كل واحدة تلف في المكان تحني جذعها وتهز، بعد أن تربط منديلاً على وسطها شادة إياه على ردفيها. الأجساد المياحة اللدنة بهية كأفنان مورقة ومزهرة. كل ذلك يترافق مع تعابير وأوصاف تحكي بالسر والعلن للأجساد والراقصات فيها الكثير من المديح:
- جسمها ريان مثل عود النعنع.
- يا أرض احرسي ما عليك، طلة عود رمان واستدارة جسم مليان.
- نيال من لف يده على خصرها وباس ثغرها.
- الصدر إسفنج، واللعب لنص الليل والنومة للضحى.
- في هذه الليلة ستعدين النجوم، وفي الليالي التالية سيعدها وحده.
يتعالى ضرب الدربكة وتتعالى موجة من الأغاني مترافقة مع ضحكات وتلميح وتصريح. الفتيات يتحرشن بك، يصفنك بأحلى التعابير، يتنهدن على الليلة التي لا تنسى، وأنت تزهين بثوبك الأبيض وبجانبك فرات التي لم تسلم من الأوصاف الجميلة. تشعين نوراً وبريقاً وتعبقين عطراً، سعيدة إلا أنك تحاولين أن تهربي لماضيك، الصبايا العاشقات لفنون الطرب يقرصنك من فخذك ومن ذراعك وخدك لتصحي وتبقي في الحفلة، لتظلي مع المغنيات الراقصات. رقصت وكدت تقعين على وجهك، تذرعت بالدوخة، تلقيت عشرات التعليقات.
تسمعين، تبتسمين، عليك أن تصمتي، كما فعلت عندما جلست إلى جانبه، وكذلك عندما بقيتما وحدكما. يشحب ويصفر وجهك مع اقتراب المساء، تحسبين ألف حساب لساعة الوصال.
حماتك اختارت لك ملابس داخلية في غاية الشفافية، تحيل جسدك إلى هالة من نور، وعتمة الليل إلى لهيب ودفء. الشعاع يتراقص على جسدك المأخوذ برقته وزهوه. الملابس لا تغطي سوى مقدار كف، تحيله إلى بقع أرجوانية. كاد مصطفى أن ينطرح أرضاً مغشياً عليه، يجهل فنون الجنس، تخافين عليه من الاندهاش، أن يرتبط ويقف مذهولاً في ليلته الأولى، وربما في ليال أخرى، أوصتك أمه ما عليك فعله إن تبله وانصعق مفتوناً، حفظت وصاياها، ووجدتها مصيدة تجعله في موقف الضعيف أمام هالتك.
ستقوضين أحلام أمه، تلك الأحلام التي تجعلك مستلبة الإرادة، ستبهرينه وعندما يقترب تفاجئينه وتخذلينه وتربكينه، تجعلينه تائهاً في جمالك غير قادر على التصرف، لن تأخذي بيده، بل ستمسكي بزمام المبادرة. لقد استفدت من الإرشادات، ستحيلين كل ما قالته إلى عكس ما أرادته، لن يجدي استجداءه، تفكين عقدته في اللحظة التي ترينها مناسبة، حمدت الله أنك قادرة على إركاعه، ستحولينه إلى طفل يطلب الحلوى ولا مجيب، أنت الوحيدة القادرة على منحه إياها، ولن تمنحيه قبل أن يرفع يديه ورجليه ويقول بصريح العبارة، إنه قد سلمك دفة السفينة، أنت القادرة على إنقاذه أو إغراقه في يمك، في محيطك، وإذا غرق ستقودينه إلى حيث تريدين.
اعتقدت أنكِ امتلكت الحياة. لجسدك لهو الأطفال ولروحك فضاء درب التبانة. السهرات ستكون بداية دفن الماضي. لزوجك روح شبابية، تحسين بدماثته، تكسرين رتابة الحياة وتنشرين حبك وفرحك، هذه بداية حياة جديدة، تضحياتك لم تذهب سدى، على غير عادته يظهر عشقه وحبه، تبدين أكثر جاذبية وأنتِ تثيرين شهيته، تثيرينه ليتغزل بجسدك وأنوثتك، بشعرك الذي صففته وتركت خصلاً منه تتمرد وتتطاير حسب النسيمات، تتلوين بين يديه غنجاً ودلالاً، حركاتك تبرق في عينيك المتوهجتين، تهدر في شرايينك، يكاد يفجر ما تبقى من أنوثتك الصارخة، اختصرت فرحك بابتسامة، وخبأت في جفنيك السعادة، الرياح في الخارج لا تعنيكما، قوة تكسّر بعض الأغصان اليابسة، وتدفع الأوراق المتناثرة في الشوارع إلى الهرولة، لم تفكرا بأن الريح ستحمل معها أوراق التوت، لتلتهم النيران جسديكما، الحريق يشتعل، النيران تلتهمكما، تقذفين الماضي قطعة بالية، تتوحدين في لحظات العشق، الآن أنتما وحدكما في فاتحة حياتكما الزوجية. لم تكوني سعيدة كما يجب، خائفة تستمعين إلى غزلـه وتهزين رأسك، يتحرش بك، طلبت إليه أن يخلصك من الطرحة وثوب الزفاف لتستحمي وتتخلصي من العرق، بعد نصف ساعة عدت مشعة وأنت ترتدين منامتك، سألته عن شعوره، اقترب ليلثم شفتيك ويضمك، أبعدت وجهك متذرعة أن الوقت لم يحن بعد.
تأججت النيران في جسده. أمامه صبية رائعة، تمانعه بقولها: «لم يحن الوقت» وهما عروسان. مدّ يده وأخذت طريقها إلى جسدك الغض، لم يترك موضعاً إلا دلكه وفركه، وأنتِ في عالم آخر، سايرته، اقترب، التصق بك، قبلك، بادلته بقبلة خجلى وسريعة، تأججت الرغبة، أردت سماع المزيد من كلمات الغزل، رفضت التعري من ملابسك الداخلية، الخجل يسيطر عليك، رجوته أن يبقيك بملابسك وإلا فإنك ستعاندين. حاول السيطرة بقوته ففشل. أذعن إلى رغبتك. اقتربت تارة وابتعدت مرات، حركاتك جعلته يذوب ويذوي، لم تمكنيه، سهرتما حتى ساعة متأخرة، وقبل أن يفقد الأمل بمضاجعتك أسلمته نفسك.
صارحك في السهرة بأشياء كثيرة عن أهله وعن ذاته، وأنت تستحثينه على الحديث، وهو على بعد سنتمترات منك. تبتعدين راغبة بسماع تفاصيل حياته، وروتين أسرته في الأيام العادية وفي أيام العطل والأعياد، سألته إن كان أحب غيرك؟ ولماذا أحبك أنت بالذات؟ متلهفة لكشف أسراره، تكافئينه بقبلة فيحكي ماضيه أو الجزء الذي يريده أن يرى الضوء. عرفت أنه يحب الكثير من عادات أمه، خاصة ما يخص الأطعمة والفواكه التي تخبئها في غرفة النوم مساء، طمأنته أنك ستفعلين مثل حماتك ليكون سعيداً، نظر إليك بمرح وطالبك أن تحدثيه.
نظرتِ إليه وكأنك فوجئت بطلبه. اختلقت مواقف غريبة. أخبرته أنك خُطبتِ غير مرة، ترفضين خطابك لأنك تجهلينهم، ولأنهم يبدون لا أخلاقيين في أول تعامل. أحرجت عندما طالبك أن تتابعي حديثك وتقدمي بعض التفاصيل والمعلومات عن الأشخاص الذين حاولوا الاقتران بك. تخلصت من ذلك بادعائك أن الفتاة الجميلة المتعلمة والمؤدبة يتقدم لخطوبتها كثيرون دون أخذ رأيها. هو يعرف أنك لا تعرفين سواه، صرح ذات مرة أن إنسانةً مثلك لا يمكنها أن تبني علاقة مع أكثر من واحد تحبه وتخلص إليه. الذين تقدموا لخطوبتك، أحدهم عن طريق فرات، وآخر عن طريق أخيك أما الثالث فطبيب أسنان لا تعلمين من دلّه وقد رفضتهم جميعاً، لم ترغبي بالزواج إلا بعد أن قابلت مصطفى، هو غير الشبان الطائشين الذين يحاولون اللهو. يبدو أن مأساة صديقتك التي خدعها متدن أثرت عليك. صديقاتك وزوجة أخيك يحاولن سبر أغوارك، وعندما تكتشفين مشروع خطوبة تهربين. سألك إن كنت سعيدة أجبته إنكما في أول ليلة، تعانقتما ودسستما جسديكما تحت الغطاء.
في الصباح كان عليك أن تستوعبي الواقع الجديد، تتعاملي معه، تحبي زوجك، تهبيه ذاتك، تتعلمي من والدته السيدة ليلى وتتعودي البقاء في البيت إلى جانبها، تعودت الحزن في الماضي، منذ اليوم عليك أن تتعودي المجاملة وتروضي ذاتك على روتين البيت، وتنسي أنك متحررة وداعية لتحرر المرأة، عليك أن تلائمي حياتك مع الروتين ولو كنت تكرهينه. تظلين في المنزل وأنت ضد بقاء المرأة دون عمل وفعالية. ترضخين. ها أنت تشربين من الكأس التي كرهتها، وتقعين فيما حذرت منه، ولا مبادر يأخذ بيدك.
مع الفجر تنهضين، تحضرين قهوة الصباح ثم طعام الإفطار، تشاورين زوجك وحماتك فيما يجب طبخه لوجبة الغداء. يخرج زوجك ويقصد البقالية، يحضر ما يلزم لذاك اليوم. إذا احتجت لشيء تذهب حماتك لإحضاره. أحسست أن هناك اتفاقاً غير معلن لبقائك في البيت، ربما هو التخلف أو كونك عروساً. لا يسمحون لك بشراء شيء بحجة أنك ما زلت مدللة، يحضرون ما تريدين، وإذا حاولت كسر هذا الطوق، تسمعين كلاماً لا يريحك، من المعيب خروجك، عليك أن تعملي في المطبخ، تصفين الصحون وكاسات الشاي وترتبين أدوات المطبخ بعد تنظيفها وتعيدينها مكانها. بعد ساعتين أو ثلاث من العمل المتواصل تنهين ما عليك من أعمال. تذهبين إلى غرفتك تستلقين على سريرك أو تجلسين مع أم مصطفى، تحدثك عن الجيران وزوجاتهم، وعن الأزواج وأنت مصغية، ارتاحت إليك، أسمعتها أحلى الكلام عن حبك لزوجك ولها، تواسيك في تعبك في المطبخ بقولها بلغتها الدارجة: "يوه، اضرب أنا على هل السمعة، وكسر الهاء ما بخليك تتعبي، حرام أصابيع البوبو تتحسس، ما بنحرم منك يا حق، تؤبشيني على الجمال والحلاوة، والله ما في حدا محظوظ مثلك يا مصطفى، نيالك على الصدر، على الحرير، هاي من رضاي عليك، روح الله يرضى عليك ويوقف لك أولاد الحلال."
شعرت بالخجل فقد جاءك المديح من حماتك، بدت عليك السعادة، اقتربت منها وقلت:
- ارتحت إليك، أنت طيبة وبنت حلال. أمنيتي إرضاء زوجي وطفل يملأ حياتنا مرحاً. إذا لم تأتني الدورة خلال يومين، فالله أعلم أنني حامل!
- من فمك لباب السماء!
قالت ذلك وهي تبادلها القبل.
كان لابد أن تكيفي حياتك مع وضعك الجديد، وتعقدي صداقة مع البيت وخاصة المطبخ، وتعوّدي نفسك على الانتظار، أصعب الأوقات زمن مجيء زوجك أو قبل ذلك بقليل، أما إذا تأخر إلى العصر، فإنك تحسبين ألف حساب، تحاولين إبعاد الأفكار التي لا تليق بك، لكنها تدهمك، تحولت إلى امرأة لا تفكر إلا بزوجها، كيف تسمحين أن يتسرب الشك إلى داخلك؟ مثل ذلك قاتل للحياة الزوجية، ماذا تفعلين وطبيعة حياتك تحتم عليك الانتظار لحظة بلحظة؟ حياة المطبخ تبرمج دماغك، تفرض عليك سلوكاً محدداً، ترغمك على الانصياع لتفكير الحريم. أدركت أن حياتك في الكتاب والوظيفة والاختلاط بالناس، ما فائدة هذا الإدراك المتأخر ولم يبق من العام الدراسي إلا القليل. ذهبت إلى أخيك وأحضرت مجموعة كتب عن الشعر والرواية، ستراجعين العديد من الكتب الجامعية التي تبحث في العصر الجاهلي والإسلامي. أناملك تداعب صفحات الكتب وروحك تنتشي، عقلك يتفتح كزنبقة، تشعرين بمتعة القراءة، تحلمين، تعانقين النجوم، الشمس تهرع كتلة بين يديك، فاكهة لن تشبعي منها، تتمردين على واقعك، صممت أن تعودي إلى التدريس في مطلع العام القادم، لابد من التمهيد لإقناع زوجك وحماتك، وإلا فإنك ستضطرين إلى وضعهم أمام الأمر الواقع.
خياران أمامك، تجاوزت الخيار الأول. خيوط الفجر تغزو صباحك، من الآن وحتى أيلول موعد افتتاح المدارس، لابد من حياة جديدة غير القراءة، أن تخرجي إلى الشارع إلى الناس، تنسي جدران المطبخ. هل أنت قادرة مع كل ثورتك على فعل ما تشائين؟ الخروج من البيت والذهاب إلى المدينة، إلى الصديقات دون تقديم الأسباب الداعية وساعة العودة، ورجاء مشفوع بالموافقة التي في حال حدوثها تعتبرينها انتصاراً وفرحاً. هذا الأمر في حياتك السابقة عادي، غير العادي بقاؤك بين أربعة جدران وسقف، صحيح هي جدران نظيفة ومدهونة، لكنها باتت باهتة وذات منظر واحد، حتى أثاث البيت عرفت كل شيء عنه، كل ما في الغرفة، كل ما حولك يقطر عذاباً وألماً. الذاكرة والأيام صارت أمواجاً بلا جزر. أحزانك عميقة كالبحر. بريق عينيك يتلاشى، جاذبية وجهك ترحل. جسدك بدأ يميل إلى الاكتناز والسمنة، فقدت رشاقتك المعهودة، خلال عام زاد وزنك سبعة كيلو غرام. زوجك سعيد إذ يراك صورة عن أمه، دائم التغزل بقوامك الممتلئ. يطلب إليك أن تصطحبي إلى غرفة النوم بعض الأطعمة والحلويات للسهرة. هل تملكين حق الرفض والامتناع عن السهر حتى الصباح، حتى لو كنت تعبة؟ تتحولين إلى ملبية لرغباته الزوجية التي لا تقاوم، والذي يصرّ عليها كل ليلة.
الوجع يبدأ في رأسك ثم ينتقل إلى باقي أنحاء جسمك الذي أخذ يهرم، يشيخ الدماغ، يتحول تفكيرك باتجاه الأمور البيتية، ما اللباس المناسب لاستقبال زوجك؟ ما الفستان المناسب للسهرة، وأي الألوان يحب؟ وما مقدار الأصباغ التي تزين وجهك وجسدك وأي عطر يفضل في السهرة؟ عند المساء تتحولين إلى أنثى شهية بما لبسته من ثياب مغرية وما وضعته من أصباغ وأشرطة راقصة، لقد صغر حلمك و تفكيرك لينحصر بأمنيات صغيرة جداً؛ لا تتعدى حلم الخروج واستنشاق الهواء من الشوارع والحدائق العامة. ماذا يحصل لو تجولتِ في دمشق وعدت ظهراً قبل وصوله، هل تسمح حماتك بمثل هذه المخاطرة التي تعد انتهاكاً للقيم؟ ماذا سترد لو خضعتِ وقبلت يديها وطلبت الخروج لتري العالم، الناس؟ أم مصطفى لا تستسلم لدموع المرأة وضعفها، هي تعرف بأنها ضلع قاصر ولا تعطى على هواها.
ذات مساء ناقشت مع زوجك هذا الموضوع، فتحته على مصراعيه، وكلما حاول إغلاقه تفتحينه من جديد لتعرفي رأيه. تهرّبَ طوال السهرة من الإجابة، ولم يكن صريحاً، إلا أنه أدرك ما أردت أن تصلي إليه. في اليوم الثاني أحضر «فيديو» ومجموعة أفلام، اعتقد أن هذا الجهاز العجيب القادر على بث الأفلام ليلاً ونهاراً قادر أن ينسيك ما طالبت به، قادر على قتل الحرية في داخلك، قادر على إسكاتك. لم يفعل هذا الجهاز فعله الرهيب فيك، بقيت حزينة، بل ازداد حزنك، أدركت حدود الحرية عنده. فتاة مثلك دخلت معترك الحياة ومرت بتجارب، لها آراء في الحياة والناس، تخوضين نقاشات وتقنعين الآخر بوجهة نظرك، وأحياناً إذا كان متعصباً تهادنينه، تناقشين نقاطه نقطة نقطة، وإذا لم يقتنع تتركين ذلك لجولات أخرى دون أن تستسلمي لأفكاره. استلمت بعض المهام التنظيمية، عدة خلايا نسوية وغيرهن ممن عرفنك يعتبرنك قدوة، أين القدوة؟ أين المرأة الشجاعة والتنظيم؟ كل هذه الخربشات التي تلف دماغك، لا تخلصك من واقعك، أنت الآن ظل امرأة، أرنبة تخافين من كل ما حولك، هذا واقعك، واقع الإذن للخروج ولو خطوة واحدة خارج البيت، زوجك عند اللزوم يأخذ إجازة من عمله ويلبي رغباتك، تخرجان، تكتشفين أنكما غريبان وأنتما وحيدان، لكل منكما وجهة نظر مختلفة، حتى في المسائل البسيطة. كيف لم تحسبي حساب ذلك؟ تعترفين أن زواجك غير ناجح، وأنك أخطأت الاختيار. غطيت وجهك بكفيك وأجهشت بالبكاء، عضضت شفتك السفلى ندماً، ماذا ينفع الندم بعد احتلال الجولان؟ وماذا ينفع تململك في بيت متدين؟ وماذا ينفعك قتال الجدران؟
قُرع الجرس. ركضتِ إلى المرآة، سويت هندامك ومسحت دموعك، رسمت ابتسامة على شفتيك، انتظرتِ حماتك لتفتح الباب، إنه زوجك كما توقعت، جلست بمواجهته وهو يغير ملابسه، لم تساعديه، استرق النظر وتغزل بك:
- ما بك يا زوجتي الحسناء، لم الغيوم تغطي وجهك؟ ابتسمي لترحل السحب وليصير للحياة طعم المبرومة.
- الله، أنت شاعر يا زوجي، من غير اللائق تجاهل مشاعري، أنا إنسانة لم أتعود البقاء في البيت، أمضيت حياتي في التدريس، فجأة أفقد حريتي، هل تثق بي؟ إن كنت تثق دعني أعود إلى التدريس، وأعدك بالطاعة. دعني أمارس حياتي ولا تسجنّي، وإلا فإنك لن تحلم بضحكتي وخفة روحي، ستجدني دائماً جسداً محنطاً لا حياة فيه ولا روح.
- ما المطلوب الآن؟
- لي طلبان. الأول أن تدعني أزور أخي وصديقاتي متى أشاء ولن أثقل عليك ذلك. أما الطلب الثاني سنتحدث به قبل بداية العام الدراسي. الحياة يا زوجي مع انعدام الثقة مذلة وغير قابلة للاستمرار.
- وماذا بعد؟
- أية امرأة تحلم ببيت مستقل، عليك أن تضع في حسابك منذ الآن شراء شقة.
هز رأسه لطلباتك، ابتسم على مضض وقال:
- معك حق يا حبيبتي في بعض طلباتك، منذ اليوم سنخرج و سنستمتع بحياتنا، الحياة تافهة إذا كنا غير متفاهمين، هيا ابتسمي فاليوم وغداً وبعد غد سنخرج للسهر في أحد المطاعم، ومع بداية الشهر القادم سنذهب أسبوعاً إلى اللاذقية، نستأجر شاليه، وهناك ستكون حياتنا طافحة بالحب.
منذ الصباح وبعد الإفطار خرجتما. أخبرك بأنكما ستمضيان اليوم في الزبداني. وضعتِ يدك بيده والبسمة لا تفارق وجهك، دعوته إلى الإسراع إلى كراجات البرامكة، أخذتما الميكرو باص المتجه إلى الزبداني، من الكراج إلى ساحة الأمويين مروراً بالجمارك، ومن هناك إلى الربوة حيث غابات الحور وأسراب العصافير حتى دمر. الطريق يتلوى موازياً لبردى. النهر الذي شق طريقه منذ آلاف السنين والأشجار الوارفة التي تخيم على مجراه ولا تسمح برؤيته. بينما النباتات المائية تزهو بخضرتها على جانبيه. ظل الطريق صاعداً يزداد حسنه كلما اقترب من بساتين التفاح. كنتما فرحين كطفلين سعيدين بيوم العطلة.
الزبداني جسد مكتنز ذو بشرة خضراء، موشاة بألوان أجمل وأحلى من قوس قزح، هضبة ترتفع ما يزيد على ألف ومئة متر، نسيمات تعيد الحيوية وتطلق ضحكات الريح المرحة، تتصل جنوباً وغرباً بجبال لبنان التي تشكل سداً في وجه تنقل الناس والبضائع. من بطن هذه التلال والجبال انطلقت الينابيع تزغرد، العديد منها يتجه إلى دمشق كنبع بردى. مسالك وعرة هي طرق سالكة بالنسبة للمهربين، منها يتحركون ويجلبون الدخان الأجنبي والأدوات الكهربائية وبدلات الجنز، تقابلها دروب ضيقة موصلة إلى بساتين التفاح. النسائم تهب وكأن الصيف غادر منذ زمن. في ذاك اليوم الجميل شعرتما بعاطفة حميمة تلفكما. عدتما مساءً لتناول العشاء عند نبع الفضة القريب من طريق دمر الهامة.
في اليوم الثاني خرجتما تتمشيان في المدينة، رأيت الصلصال مصادفة وهو يضع أمامه بعض الملابس المهربة. سرت رعدة في جسدك، كدت تسقطين، اصفر وجهك، كيف ستمرين أمامه؟ تمالكت نفسك وتظاهرت بالدوخة، ارتبكت وطلبت إلى زوجك أن يعيدك إلى البيت، أوقف سيارة وطلب إلى السائق أن يوصلكما.
انتظرت مجيء فرات التي رأت أنه أمر عادي. هي تعلم أنه أخلي سبيله وأن معلمه استغنى عن خدماته. عاد كالقنفذ إلى حجمه وضآلته، إنه الآن شخص عادي لا يخيف أحداً. أخفت عنك ذلك لتستمر حياتك بلا خوف، سألتها: "ما العمل؟"
طمأنتك أن حامداً يترصده، لن يدعه يؤذيك. زوجك غير مرتاح لتصرفاتك للكوابيس التي تزورك ليلاً، لآلامك، لمرضك. ربط بين خوفك وظهور المهرب الذي يترصدكما ويمشي خلفكما. أكثر من مرة قررت العودة وإلغاء مشوارك لدى رؤيتك له، سألك:
- لماذا يتبعنا هذا الرجل؟
- اسأله!
- هل تعرفينه؟ هل من علاقة سابقة؟
كان جوابك بالنفي. اقترب زوجك ليسأله. تدخلت وشددته وأخبرته أنه رجل شرير! بدأ يستعيد المواقف ويعيد حساباته ويفكر من جديد. تساءل عن سرِّ معرفتك بشره، وكيف حكمت عليه؟ توصل إلى أن شيئاً ما يربطك بهذا الرجل وعليه معرفته، سيصل إلى ما يريد بطريقة تجنبه الاصطدام. لكن ما حصل مساء الثلاثاء الأخيرة من آب كشف جانباً خفياً. فبعد تناولكما لوجبة الطعام في المقصف، ذهبتِ إلى دورة المياه. لحق بك الصلصال وشدك من يدك، قلت بصوت منخفض: "أنا متزوجة استر عليّ الله يستر على حريمك، ماذا تريد أكثر مما فعلته؟ تحبني غير معقول مثلك لا يعرف الحب!"
شدك ثانية وحاول أن يجرك إلى الخارج. صحت. أقبل زوجك وحاول إبعاده. لم يكترث بل تناول كرسياً وشج رأس زوجك وهرب. ركض الموجودون لإسعافه. وأنت تبكين وتولولين حين رأيته مغمى عليه وملقى على الأرض ينزف. النادل ساعدك في نقله إلى المشفى. في مشفى المواساة أعطيت إفادة ادعيت فيها بأنك لا تعرفين الرجل الذي ضرب زوجك، فقيدت الحادثة ضد مجهول. علمت حماتك بالحادث، جاءت مسرعة، تسأل وتستفسر عن صحة ابنها وعن الجاني. تخلصت من أسئلتها المحرجة بالبكاء والإنكار، كنت تعلمين أن الماضي يخيم عليك، يعود بشكل أبشع، يقضي على كل ما بنيته. تحولت أحلامك إلى رعب ونهارك إلى ليل، وطرقاتك إلى حجارة وأشواك، والناس إلى وحوش، سألت نفسك ما العمل؟ لم تعثري على جواب مقنع، أجوبتك متناقضة، تقررين المواجهة ولكنك تؤثرين السلامة، حتى جاء يوم افتتاح المدارس، وكان قرارك العودة إلى التدريس والمجابهة. إذا رأيته في طريقك تضربينه وتصيحين وليحدث ما يحدث. لن تظلي ذليلة، ماذا ستخسرين؟ ستقولين إنه يلاحقك وأنت امرأة متزوجة ومستورة. ارتحت لأفكارك التي كان لفرات الفضل في ترسيخها.
بماذا سيتصرف زوجك؟ أنت مستعدة للخروج، استغرب قرارك وردة فعلك، استفزك بقوله إنك غير طبيعية وتشردين وأفعالك متناقضة. تجاهلت ذلك وأسرعت إلى علبة التجميل، لونت وجنتيك بالعناب، وبالكرز دهنت شفتيك، أحسست بالرشاقة، أعدت لروحك الدعابة، قفزت فتحفزت اليمامتان للانطلاق وهدلتا، غردت تفحصت بشرتك ولونك الحنطي، شعرت أنك تستعيدين حياتك وحيويتك وشبابك ودفئك. أخبرته أنك خارجة وإذا تأخرت عليه أن ينتظر. نظر إليك وقال في نفسه: «لقد شارفت حياتنا على الانتهاء، لا شيء يؤسف عليه».







رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة









الساعة الآن 10:51 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
منتديات بال مون - منتديات رومانس مون