صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

العودة   منتديات بال مون > منتدى الفن والأدب > منتدى روايات عبير وأحلام > الروايات العربية

الروايات العربية قسم مختص بعرض أشهر الروايات العربية






الرجاء استخدام خاصية البحث أدناه للبحث في الموقع:






إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-04-2016, 12:11 PM
الصورة الرمزية جنيــن
:: عضو مميز ::
______________
View جنيــن's Photo Album  جنيــن غير متواجد حالياً
 
فتاة الريف






فتاة الريف
للكاتبة غيداء الجنوب
~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تجميع : فيتامين سي
شبكة روايتي الثقافية
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
الإهداء

إلى كل من جعلت من الأمل نوراً يضئ
لها الظلام من حولها .. وسارت
وسارت رغم كل العوائق ..
إلى كل من عاش في قلبها حب
لا يعرف المستحيل ووقفت أمام الصعاب
تتحدى به الآخرين والأوجاع ..
إليك عالمٌ عشته في داخلك ولمسته في
عواطفك ..
عالمٌ كله عطاء وأساسه الحب الخالص ..
ليحتضن الأمل بين يديك ويقول لك :
كوني فتاة ريفٍ لا تعرف الخضوع أو التراجع
لا تعرف للخوف طريق ..
كوني فتاة ريف لا تسمح لقلبها حين
يحب أن ينسى من أحب ..

كانت دائمة البكاء وهي تناجي ربها بصوتٍ مبحوح وتطلب منه أن ينير
بصيرتها إلى الطريق الصحيح ويصرف عنها اليأس كي تعيش باقي حياتها بسلام ..


في قرية رائعة الجمال وبين الجبال الخضراء .. ومن أحد البيوت المتناثرة حولها ولدت فتاة أنعكس جمال قريتها على جمال وجهها البديع ..
عاشت " زينة " في رعاية والديها الذين كانا يعملان ويحرثان في الأرض ليحصلا على قوتهما وقوت ابنتهما الوحيدة .. كانت سعيدة بينهما رغم الفقر الذي كانت تشعر به والحاجة التي كانت تمقتها كلما رأت والدها يطرد ذليلاً من بيت رجل ثري حين يرفض شراء الفاكهة التي يبيعها من مزرعته .. كانت تقف بجانبه وهي عديمة الحيلة ولا يمكنها مساعدة والدها بأي شيء لتنسيه ذلك العناء ..
أما والدتها فقد كانت تجد العناء الكبير وهي تمسح وتغسل وتكنس في بيت أحدى الراقصات وكيف أنها كانت تجد المضايقات من كل زائر إلى ذلك البيت .. ولكنها كانت تجد الراحة والسعادة حين تعود إلى بيتها وهي تحمل في يديها سلةً بها بعض الخبز والجبن وبقايا طعام سيدتها الراقصة التي لم تبخل عليها يوماً بحنانها ورأفة قلبها على حالها الكسير كانت " زينة " تتابع والدها بنظراتٍ كلها حزن وأسى رغم أنها لم تتجاوز العاشرة من عمرها وهو يجلس مكسور الجناح .. عديم الحيلة والقدرة على راحة زوجته من الشقاء الدائم وابنته من الحاجة المستمرة ..
ومضت عليها السنين .. وهي تجد وتجتهد وتثابر في دراستها لتحقق حلمها الوحيد وهو أن تحصل على شهادة تهيأ لها عملاً شريفاً تكسب منه المال حتى ترد لوالديها البعض القليل من الجميل .. وتبعدهما عن الذل والإهانة وترفع من شأنهما حتى لو تتطلب ذلك رحيلهم من هذه القرية الساكنة في قلبها وعقلها ..
ولكن الأقدار تقف أمامها وتضربها بكفٍ كالحديد بكل قسوة لترمي بها بلا رحمة محطمة الفؤاد .. دامية العين .. لا ترى أمامها سوى الحزن والضياع والوحدة المميتة..
في ذلك اليوم المشئوم استيقظت " زينة " من نومها كعادتها لتذهب إلى المدرسة وكانت آنذاك في الثانية عشر من عمرها .. حيث ارتدت ثوبها الأزرق القديم الذي ذبل من كثرة الغسيل وسرحت شعرها الأحمر خلف رأسها ليظهر وجهها أجمل من البدر خاصةً وأنها بدت في أجمل أنوثتها وأروعها ..
وقفت " زينة " أمام بيتها القديم تنتظر قدوم الباص الصغير الذي يقلها إلى المدرسة هي وبعض فتيات القرية .. ووصل الباص في وقته المعتاد .. وصعدت داخله وجلست في آخر الباص بعد أن ألقت تحية الصباح على صديقاتها بابتسامةٍ رائعة .. جلست بمفردها تتأمل السماء الصافية وتتابع الأشجار والبيوت المتناثرة حول الوادي حيث يقوم المزارعون بحرث الأرض قبل حلول فصل الشتاء ..
كانت شاردة بذهنها وتفكيرها حتى أنها لم تنتبه لنزول رفيقاتها من الباص ومكثت مكانها وواصل سائق الباص سيره وهو يراقب شرودها من خلال مرآة السيارة ..
وفجأة نظرت حولها لتجد جميع الفتيات قد نزلنّ من الباص وهي لا تزال باقية في مكانها حينها أدركت أنها وحيدة فوقفت والخوف يمتلكها لتسأل سائق الباص :
- المدرسة ليست من هذا الطريق .. يا عمو ..!!
رد عليها وهو يداري خبث عينيه ويكتفي بالنظر إليها خلال المرآة ثم قال :
- لا تخافي يا صغيرتي .. فقد ظننت أنك تريدين العودة إلى البيت .. سوف نعود حالاً .. حالاً ..
بدأ سائق الباص يسير في طريق كله أشجار كثيفة وقد يكون خالي من الناس .. مما جعل "زينة " تجلس وهي تضم حقيبتها إلى حجرها بخوفٍ وهلع ..
توقف الباص فجأة ورأت السائق وهو يتقدم نحوها وابتسامة الخبث والدهاء تفترش وجهه .. حتى اقترب منها وحاول أن يمسكها .. ولكنها دفعته بيدها وصرخت صرخت بأعلى صوتها ولكن المكان مهجور ولا يسكنه أحد لذا لم تسمع سوى صدى صوتها يعود إليها يئن ويتوجع .. حتى تمكن منها رغم بكاءها وتوسلها إليه بأن يبتعد عنها ويتركها تذهب في شأنها وأن لا يلمسها .. ولكن ما فائدة الرجاء والتوسلات من رجلٍ فقد الرحمة في قلبه .. وقد تمكن الشيطان منه ليأخذ منها أغلى ما تملكه الفتاة في لحظة خانتها فيها شجاعتها وقوتها ولم تتمكن من مقاومة هذا الوحش الكاسر المتلهف والمتعطش لدماء فتاةٍ ذبحت بين يديه ..
جلست " زينة " تبكي بخوفٍ زلزل كيانها بينما السائق يجلس على مقعدة ينفث سيجارته وهو لا يبالي ولا يعبأ بمشاعرها ودموعها .. وتابع سيره وكأنه لم يفعل شيء .. فما كان منها إلا أن قامت واتجهت نحـوه وفي قـرارة نفسها تشتعل نار الانتقام منه .. وانقضّت عليه وأمسكت برقبته لتخنقه .. حاول مقاومتها ونزع يديها من فوق عنقه فترك مقود الباص حتى فقد السيطرة عليه وأصبح يميل يميناً وشمالاً .. وما هي إلا لحظات وانحدر الباص من فوق حافة جبلٍ صغير ليسقط منه وتنقلب بهما المركبة وتصطدم بحجرٍ كبير ثم بشجرةٍ كبيرة ليحترق الباص بأكمله ..
كانت مشيئة الله فوق كل شيء .. وكان انتقامه أشد انتقام حين احترق الباص وفي داخله السائق المجرم ليتحول إلى جسدٍ متفحم بعد أن فارق الحياة إلى الأبد .. أما " زينة " فقد كانت يد الله حريصة على إنقاذها ودفعها خارج الباص لتسقط مسافة بعيدة عنه فوق أحد الحجارة المنتشرة أسفل الوادي لتصبح حياتها بعيدة عن الموت ولكنها أقرب إلى كلمة الموت وهي تعيش حياتها بلا أمل .. حين فقدت " زينة " بصرها وهي في ريعان شبابها..
كان خبر حادث الباص قد انتشر في القرية الصغيرة وهرع الناس إلى موقع الحادث ونقلت الفتاة إلى مستشفى " زحلة العام " القريب من القرية الصغيرة ..
كان الطبيب قد أخبر والدها بأن ابنته قد تعرضت إلى الاعتداء العنيف من سائق الباص وكان ذلك واضحاً على ملابسها الممزقة وبكاءها المستمر وهي تتمتم بكلمات غير واضحة قبل أن تدخل في غيبوبة .. لم يصدق والدها ما سمعه من الطبيب وانتظر حتى تستيقظ ابنته ويسألها بنفسه ..
كانت النار تتأجج في جوفه .. ولهيبها واضحٌ في عينيه حين أخبرته " زينة " أن كلام الطبيب صحيح وأنها قد تعرض للاعتداء من سائق الباص وسلب منها شرفها وما كان منه سوى أن ينقض عليها ليضربها وهي تستنجد عفوه وغفرانه فهي لا ذنب لها ولم يكن لها حيلة أمام وحشيته وقسوة قلبه وهي تحاول أن تحمي رأسها المغطى بالشاش الأبيض بيدها .. ولكنه لم يكن يسمع صوتها ولا يدرك شيء سوى الفضيحة التي أردت برجلٍ لا يملك في هذه الحياة غير شرفه وسمعته في الحضيض .. واستمر في ضربها بكل قسوة حتى تتدخل الطبيب وبعض الممرضات لإبعاده وتهدئته واستطاعوا إخراجه من الغرفة التي ترقد بها ابنته ..
أما ابنته المسكينة فقد فقدت وعيها من شدة الألم الذي أحدثه ضرب والدها حين حطم بيده قلبها قبل جسدها المنهار .. وتمنت لو أنها فقدت حياتها بدلاً من بصرها ..
أدركت " زينة " أن حياتها قد انهارت وشارفت على النهاية في تلك اللحظة حين سمعت والدها يقول :
- ليس لي بنت .. ابنتي ماتت في الحادث .. ماتت .. ولن ترى وجهي بعد اليوم..
ورحل والدها وكانت المرة الأخيرة التي تسمع فيها صوته وتشعر بوجوده وبقيت في المستشفى مدة طويلة حتى تماثلت إلى الشفاء وأصبحت قادرة على المشي والخروج من المستشفى ولكنها ضريرة .. فاقدة البصر ولا تدري إلى أين تذهب بعد أن تخلى والدها عنها كما منع والدتها من زيارتها وحرمها من الارتماء في حضنها ..
انتابها شعور بعدم الرغبة في الحياة حين جاءها الطبيب قبل رحيلها ليهنئها بالشفاء .. وسألته عن والدها ظناً منها أنه سيأتي إليها ليطلب منها السماح على سوء تصرفه معها وظلمه لها حين حكم عليها بالموت وهي لا تزال على قيد الحياة ولكن الطبيب كان يلتزم الصمت .. وهي تبحث بيديها في الفضاء عن والدها البعيد ..
أحست بصوته المتردد .. وبكلماته المختنقة .. وأدركت بعمق بصيرتها أن هناك شيءٌ ما يخفيه عنها لذا أسرعت لتسأله وألحت عليه السؤال وقالت :
- أرجوك أن تخبرني يا دكتور ما الذي تخفيه عني ..؟ لا تخف .. سأكون شجاعة أكثر مما تتصور .. رد عليها بصوتٍ خافت وقال :
- نعم .. لقد رحل والدك من القرية وليس له أي أثر .. لا أدري ماذا أقول ولكنه ترك لك ورقة يقول فيها أنه لن يعود إلى قريته وسيرحل إلى مكانٍ بعيد لا يعرف فيها أحد قصته وبالعار الذي ألحقته به .. اعذريني يا بنيتي فأنا أنقل لك ما قاله في رسالته وليس بيدي شيء سوى أن أقول كان الله في عونك .. صرخت بأعلى صوتها تنادي والديها ولكن لا مجيب .. وليس أمامها سوى البكاء على حالها بدموع حارقة تزيد من لهيب فؤادها .. وحرارة أوجاعها .. وطلب منها الطبيب أن تمكث يومين آخرين حتى تتمكن من إيجاد مكان تعيش فيه بأمان .. وهذا ما ترى أنه المستحيل بعينه .. فهي فتاة صغيرة وليس بيدها عمل أو وظيفة تكسب منها المال لقوتها اليومي فكيف تستطيع أن تجد بيتاً بلا مال خاصةً أن البيت الذي كانت تعيش فيه مع أسرته ليس ملكاً لوالدها بل هو ملكاً لصاحب المزرعة وحتماً سيكون لشخصٍ آخر بعد رحيل والدها ..
أصبح أملها في الحياة ضئيلاً .. ورغبتها في الموت أصبحت تزداد يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة ..
كانت دائمة البكاء وهي تناجي ربها بصوتٍ مبحوح وتطلب منه أن ينير بصيرتها إلى الطريق الصحيح ويصرف عنها اليأس كي تعيش باقي حياتها بسلام .. كما كانت تناجي والديها بصوتٍ خافت وتبكي على فراقهما بحرقةٍ شديدة ..
" أبي .. كيف تركتني وحيدة ..؟ في ظلمة لا أبصر فيها سوى الظلام والخوف .. لماذا تركتني وأنا أحبك وأشعر بوجودي بقربك ..؟ لا تظلمني يا أبي .. فأنا لا أعرف منك سوى الحب والحنان .. خذ بيدي يا أبي كي أرى طريقي بعينيك .. بعد أن فقدت بصر عيناي وفقدت معه كل معاني الحياة وأروعها .. وهي النظر إلى عينيك يا أبي .. "



 
 
رد مع اقتباس
 
 
   
  #2  
قديم 05-04-2016, 12:11 PM
الصورة الرمزية جنيــن
:: عضو مميز ::
______________
View جنيــن's Photo Album  جنيــن غير متواجد حالياً
 
فتاة الريف




** ** ** ** ** **
سيرحل آخر أمل لها في الحياة .. سيرحل ويتركها وحيدة مرة أخرى ..
تصارع قدرها بمفردها بعد أن أحست بالثقة والأمان بجانبه ..

استطاع الطبيب الذهاب بـ " زينة " إلى دار لرعاية الأيتام والذي يمتلكه أحد أصدقاءه الأثرياء في لبنان .. بعد أن أقنع صاحب الدار كي تعيش فيها وتحضا برعاية كباقي الفتيات الموجودات في تلك الدار ..
كانت " زينة " تمضي في سيرها في حديقة الدار حتى وصلت إلى داخله وهي تطلق لأذنيها العنان كي تسمع كل ما يدور حولها فيه الحاسة الوحيدة التي تجعلها تدرك الأشياء بعد أن فقدت بصرها واصبح كل شيء حولها ظلامٌ في ظلام ..
كانت الغرفة التي ستعيش فيها واسعة وجميلة ومرتبة .. ويوجد بها ثلاث أسرة بيضاء نظيفة وبها خزانة كبيرة مقسمة إلى ثلاث أقسام وهي تطل على الحديقة الواسعة الخاصة بالدار .. والتي تراها من خلال نافذة واسعة ..
أحست بهواءٍ لطيف يأتي من تلك النافذة أنطلق نحوها كالنسيم الشافي الذي أيقض في داخلها الشعور بالراحة والأمان .. وحرك وجدانها بشيء من العاطفة نحو هذه الدار كما حرك شعرها الأحمر ليغطي جزءاً من وجهها الجميل .. كان الطبيب يقف بجانبها وينتظر سماع رأيها حتى يطمئن عليها .. ويتأكد أنه تركها في مكانٍ ترتاح فيه وتحبه كحبها لبيتها الذي عاشت فيه سنين عمرها ..
الجميع يلتزم الصمت .. يراقب .. ويتأمل تحركات " زينة " المليئة بالجاذبية وهي تتقدم نحو النافذة بخطىً كلها ثقة ورزانة .. وكأنها تعرف المكان جيداً من قبل حتى وصلت إلى النافذة وأمسكت بحافتها وأغمضت عينيها لتلتقط نفساً عميقاً جعلها تبتسم وأطلقت ضحكةً عميقة جعلت كل من حولها يشاركها سعادتها .. بعد أن أدرك الجميع أنها سعيدة بهذا المكان .. ورحل الطبيب وهو مطمئن البال عليها ..
كانت " زينة " كثيرة الصمت وتفضل الوحدة في جميع الأحوال رغم المحاولات اليائسة من رفيقتيها في الغرفة " غادة " و " سهام " .. حتى جاءت إحدى العاملات في الدار لتنظيف الغرفة وترتيبها وطلبت منهن النزول إلى باحة الدار للاجتماع مع باقي نزلاء الدار كالعادة ..
وفي اليوم التالي .. حضر الطبيب لزيارة " زينة " ليخبرها أنه سيسافر إلى فرنسا لرؤية ابنه الذي يعيش هناك مع والدته الفرنسية .. وربما يمكث فترة طويلة تمتد إلى أكثر من شهرين .. كانت " زينة " تستمع إليه وعيناها تغطيهما الدموع ..
سيرحل آخر أملٍ لها في الحياة .. سيرحل ويتركها وحيدة مرةً أخرى تصارع قدرها بمفردها بعد أن أحست بالثقة والأمان بجانبه ولكنه وعدها بالسؤال عنها بين فترةٍ وأخرى .. ولن يقطع عنها رسائله فهو يحبها ويشعر بعاطفته نحوها تزداد يوماً بعد يوم فهو لم ينجب البنت التي تمناها منذ سنين وها هي تقف أمامه الآن ..
إنه أبٌ حنون وصاحب قلبٍ كبير .. احتواها بحنانه وأغدق عليها بإبوته التي حرمت منها رغم وجود والدها على قيد الحياة ..
وعادت " زينة " إلى وحـدتها تلتزم الصمت وترفض التحـدث مع صاحب الـــدار
" العم هاشم " فهو الوحيد الذي استطاع أن ينشلها من وحدتها ويجعلها تترك الوحدة للحظات حتى لو كانت قليلة ..
إنه رجلٌ كبير في السن ولكنه مثقف ويفهم ما يجول في خاطرها قبل أن تتحدث به .. شعر بمأساتها وتفهم موقفها ممن حولها .. لم يغضب منها حين قالت " أكره وجودي في هذه الدار فهي ليست بيتي ولن تكون !! " .. كان يفهمها جيداً ويقدر الحالة النفسية التي تعيشها لذا حاول الجلوس معها لكي يخفف عنها بعضاَ من آلامها وأحزانها.. كان يحاول أن يجعلها تبتسم وتعود لحياتها الطبيعية فهي ما زالت في ريعان شبابها ومن الظلم أن تفني شبابها وجمالها في كدرٍ وحزن ..
بدأ حديثه عن رفيقتيها " غادة وسهام " وطلب منها أن تصادقهما لأنهما فتاتان تحبان المرح واللعب وتعيشان حياتهما بكل سعادة .. رغم المتاعب والآلام التي واجهتهما في الماضي ..
كان يحكي لها قصة الفتاتين ليهون عليها مصابها .. أو لكي تعرف أنها ليست الوحيدة في هذا العالم التي تعاني من قسوة الأقدار.. بل أن هناك الآلاف من البشر لا نعرفهم ولا ندرك شقاؤهم إلا بعد مصاحبتهم والتقرب منهم حتى نقوم بالتخفيف من حدة الألم لبعضنا البعض ونعيش الأمل بكل معنى الأمل .. بدأ " العم هاشم " بسرد قصة رفيقتها غادة حيث قال :
" ولدت غادة بدون أب يعرف ولا تعرف عنه سوى أسمه فقط .. حين اعترفت لها والدتها باسمه وكيف أنها كذبت عليها وأوهمتها أنها تعيش مع والدها .. وكيف تحملت منه العذاب والقسوة ظناً منها أنها تؤدي حق والدها في الطاعة .. ولم تكن تعلم أنه ليس سوى زوج أمها الذي علم بعلاقتها مع صديقه وهو الذي كان يحبها من كل قلبه .. حينها ملأ قلبه الغيرة والحقد كلما رأى صديقه يلهو مع المرأة التي يحبها وتمنى الزواج منها رغم معاملتها الجافة وكيف أنها كانت تسخر منه وتتأفف عندما يتحدث إليها وبعد وقوعها في الخطيئة معه وكاد أمرها يفتضح حين رحل الرجل وتركها تبكي خيانته لها .. أصبحت تلك المرأة ضعيفة .. ذليلة .. ونسيت غرورها وكبريائها المزيفة حين وقعت أمام قدميه ترجوه أن يتزوج منها قبل أن يكبر بطنها ويعلم الناس أنها تحمل ثمرة خطيئتها مع ذلك الرجل الخائن الكاذب ..
كان يضحك ويسخر منها وكأنه ينتقم لنفسه .. وصرف وجهه عنها وهي تبكي وترجوه ولكنها لحقت به وقبلت يداه ترجوه مرةً أخرى .. وحاول تركها مرةً أخرى بلا أمل .. ولكنه تذكر حبه لها .. نعم أنه يحبها بإخلاص ولا يريد لها التعاسة فقرر أن يتزوجها لفترةٍ من الزمن ثم يطلقها بعد أن تضع حملها وتذهب بسلام .. ووعدها بأن لا يعلم بسرها أحد .. ولكنه شرط عليها أن تبقى في بيته كالخادمة وأن تطيع أوامره دون جدال مقابل ذلك المعروف وإلا سيكون مصيرها إلى الشارع ..
ما كان أمامها سوى أن ترضى بمثل هذه الحياة معه وما غير ذلك سوى الموت .. الموت فقط .. وتزوجها وعاشت معه كالخادمة الذليلة .. وعاش معها كالسيد المتسلط المطاع في كل الأحوال .. وبعد بضعة أشهر وضعت المرأة بنتاً أسمتها " غادة " .. وهي لا تزال تعيش معه وحياتها مستمرة ولكن ليس حياة زوجٍ مع زوجته بل جعلها تحت طاعته وأمره حتى يشب نفسه الحاقدة ويتمتع بإذلالها وقهرها حتى أنه أصبح يجلب إليها بعض أصدقاءه ليبيع إليهم جسدها ببضعة نقود .. كانت تتحمل الظلم والقهر من أجل ابنتها كي تعيش بسلام تحت رعاية رجل حتى لو كان ظالماً .. وفي بعض الأحيان كانت تتلذذ بالعذاب حتى تعاقب نفسها وتشعرها بالذنب دائماً .. بسبب وقوعها في الذنب والخطيئة ..
حتى جاء ذلك اليوم .. حين قدم أحد أصدقاءه وطلب منها أن تسلمه نفسها ولكنها رفضت وصرخت وهو لا يبالي ولا يهتم فهو يرى أن له الحق في التمتع بجسدها بعد أن أغدق على زوجها المال .. حاولت إبعاده عنها بكل لطفٍ ولين ولكنه رفض توسلاتها فما كان أمامها سوى ضربه على رأسه حتى الموت .. وأصبحت مجرمة يجب أن يعاقبها القانون .. وانتهت حكايتها حين حكم عليها السجن المؤبد .. وكان هذا العقاب بالنسبة لها أرحم بكثير من الحياة التي كانت تعيشها .. ورأت أنها نالت العقاب الذي تستحق .. وكانت توبتها داخل تلك السجون المظلمة وخلف القضبان الحديدية ..
أما الفتاة فقد عاشت مع زوج أمها حياة لا تقل قسوةً عن حياة أمها السجينة فقد أخذت نصيبها من العذاب والذل والهوان .. فقد كان يضربها ليل نهار حتى أنه منعها من إكمال دراستها وجعلها حبيسة الألم والحزن والخوف من أن يكون مصيرها مثل مصير والدتها .. حينها قررت الهروب من بيته .. إلى أين ..؟ لا تدري !!
وهربت في ساعة متأخرة من الليل لا تعرف أين وجهتها وتجهل طريقها حتى قطعت مسافة كبيرة واطمأنت أنه لن يصل إليها بسهولة .. وانتهت رحلة عذابها حين التقت برجلٍ طيب يعمل في مطعمٍ كبير حيث أطعمها وجعلها تنام ليلتها تلك في غرفة صغيرة داخل المطعم بعد أن وعدها أن يجد لها حلاً يريحها ويرضيها ..
وفي صباح اليوم التالي .. أيقظها الرجل وطلب منها أن تذهب معه حيث تجد سعادتها وراحتها .. وكانت هذه الدار هي المكان الوحيد الذي وجدت فيه " غادة " راحتها وسعادتها وشعرت فيه بالأمان وقررت أن تعيش هنا بلا تردد ..
ومضت الأيام .. والشهور .. وطلبت مني زيارة والدتها في السجن فهي لم تراها منذ فترة طويلة .. فذهبت معها وكانت المفاجأة حين رأت والدتها مريضة تكاد تحتضر فأخبرتها والدتها بقصتها مع زوجها وكيف أنها كانت تعيش مع رجل غريب وليس والدها .. وأنها احتفظت بهذا السر طوال تلك السنوات على أمل أن يعود والدها الحقيقي وتخبره أنها أنجبت منه بنتاً .. ولكنه لم يظهر ولا تعرف عنه سوى أنه هاجر إلى استراليا ولن يعود إلى الوطن أبداً .. وبعد أن أخبرتها باسم والدها الحقيقي طلبت منها أن لا تعود إلى ذلك الرجل الظالم لأن الحياة معه كلها خوف ومصير مظلم .. حينها فارقت الحياة وماتت بعد أن تركت فتاةً صغيرة لا حول لها ولا قوة تصارع أمواج التعاسة بمفردها وأملها الوحيد في هذه الدار ..
تابع " العم هاشم " حديثه بعد أن أنهى قصة " غادة " وقال وهو يلتقط نفساً عميقاً :
- أما سهام فهي صاحبة القصة العجيبة الغريبة التي لا يصدقها أي عقل ولا حتى في الخيال ..
قالت " زينة " بصوت هامس بعد أن جذبها حديث صاحب الدار :
- وما هي هذه القصة ..؟ أريد أن أسمعها من فضلك ..
- سأحكيها لك ولكن ليس هنا ..
أمسك بيدها ليسير بها نحو حديقة الدار الواسعة .. وأجلسها على كرسي وضع تحت شجرة كبيرة .. وجلس بجانبها على كرسي آخر وطلب منها أن تستنشق الهواء النقي وتستمع إلى أصوات العصافير المغردة والتي تلتف حول بركة ماءٍ صغيرة يتوسطها نافورة رائعة الجمال ..
بدأ يسرد لها حكاية " سهام " وقال :
- " عندما حكت لي سهام قصتها ضحكت .. وبكيت في آنٍ واحد .. هل تؤمنين بالحكمة التي تقول " شر البلية ما يضحك " ..؟ حتماً ستؤمنين بها عندما تسمعين الحكاية .. فقد تفعلين مثلي وتضحكين وأنت تبكين .. كانت " سهام " فتاة راشدة وبارعة الجمال والذوق والمرح وكان كل من ينظر إليها يعجب بها لا محالة وحب أن يجالسها وتقترب منها ليشعر أنه في عالمٍ آخر .. عالم كله ضحك ومرح وخالي من الأحزان ..
كانت يتيمة الأب وتولى تربيتها بعد وفاة أبيها والدتها " بارعة " الراقصة المشهورة حيث كانت تمتلك مرقص كبير ومعروف يأتي غليه أجناس مختلفة من رجال أعمال ومن فنانين وأصحاب مراكز عالية من جميع أنحاء العالم العربي كي يتمتعوا بالرقص الشرقي الأصيل
لم تتزوج والدتها ووهبت نفسها كي تسعد أبنتها الوحيدة وتهيئ لها الحياة الرغدة والمرفهة .. فأصبحت تعمل وتعمل بجد واجتهاد حتى تمكنت أن تجعلها تعيش حياة الأثرياء والباشاوات .. فقد كانت تجد كل ما تتمناه أمامها قبل حتى أن تطلبه ولكنها لم تكن سعيدة بهذه الحياة ولم تشعر بالسعادة والمرح إلا حين تخرج من ذلك القصر وتنزل من عرشها المرتفع إلى ساحة صغيرة يعيش فيها بعض الفتيات والفتيان والغريب أنهم من الطبقة المتواضعة ولكنهم يملكون السعادة التي فقدتها في حياة العز والثراء .. لم ترغب في مصاحبتهم من أجل أن يرتفع شأنها بينهم وترضي غرورها وكبريائها .. لا .. بل من أجل أن تجد نفسها بينهم لتصبح هي الفقيرة وهم الأثرياء اللذين يملكون سعادتها وراحة بالها ..
المال ليس كل شيء .. وهذا ما تؤمن به " سهام " وترى انه من الكماليات التي يمكن أن يستغني عنه المرء ويعيش خالي من الهموم و الأنكاد .. أما الحب والسعادة فهما الكنز الحقيقي وأساس الحياة مثل الهواء الذي نستنشقه ولا يمكن أن نعيش بدونه أبداً ..
أحبت شاب وسيم رقيق المشاعر اسمه " حاتم " وتعلق قلبها به حتى أصبحت ترفض الحياة بدونه .. لم تفكر بوضعه المادي .. ولم تضع في الحسبان مواجهة والدتها بذلك الأمر فهي حتماً سترفض حين تعلم أنه فقير ولا يناسبها مادياً واجتماعياً .. فكل تفكيرها يصب نحو سعادة قلبها فقط .. ما في جوفها من عطش وحنين ..
هو أيضاً كان يحبها بإخلاص ولكنه لم يملك الشجاعة الكافية كي يعترف لها بحبه كما أن حياة حبيبته المرفهة كانت عائقاً تحول بينه وبين حبه لها .. فهو يخاف أن تبادله بالصد وتذبح قلبه حين ترفضه وتحتقر مشاعره ويخسر صداقته بها قبل حبه ..
أما هي فقد كانت تسمعه الكلام الحنون وتغدق عليه بنظرات الحب والشغف لعله يشعر بها ويلتفت إليها ويقول ما يجول في خاطره بلا تردد .. كانت تنتظر منه كلمة حب واحدة لتجعلها تندفع إليه بكل ما تملكه من شوق وحنين .. ولكنه ضل صامتاً لا يجرأ بالبوح أمامها عن حبه لها .. حتى جاءت والدتها ذات يوم لتخبرها أن ابن رجلٍ ثري ومستشاراً له مركز عظيم في البلد قد خطبها لأبنه وهي موافقة وسوف تحدد معه موعد الزفاف في الزيارة المقبلة ..
غضبت " سهام " ورفضت بشدة فكيف لها أن تتزوج من رجلٍ لا تحبه وقلبها مرتبط بحب رجل آخر .. ومضت الأيام وجاء موعد زفافها على ابن المستشار ولكنها استطاعت أن تدبر خطة غريبة واتفق معها عريسها على تنفيذ الخطة حين تحدثت معه على وطلبت منه أن ينسى أمر زواجه منها ولم يكن غاضباً من كلامها فهو أيضاً لا يريد الزواج منها لأنه يحب فتاةً أخرى وقلبه متعلق بهواها ..
إذنٍ .. هما متفقان على تنفيذ الخطة ولم يبقى سوى حبيبها " حاتم " لتخبره بالأمر بعد أن تأكدت من حبه لها ورأت ذلك في عينيه الدامعتان حين علم بأمر زواجها من غيره ..
لقد اتفقت مع العريس أن يقدم الأوراق الخاصة بـ " حاتم " كي يكتب المأذون اسمه وباقي بياناته بدلاً من اسم العريس وبياناته وبهذا يكون عقد الزواج بين " سهام " و " حاتم " والغريب في ذلك أن الخدعة مضت بسلام على الجميع وكان والده ووالدتهما هما الشاهدان على عقد الزواج .. وسافرا العريسان وهما سعيدان بهذا الزواج .. أما العريس الوهمي فقد تزوج من الفتاة التي يحبها دون علم والده وسافرا معاً ليقضيان شهر العسل خارج لبنان .. وهكذا نجح كلاً منهما للوصول إلى مراده بلا مشاكل أو خلافات ..
كان لسهام الجرأة في المكر والدهاء وصنع المقالب وأظن أن صدق حبها لذلك الرجل جعلها تفعل المستحيل من أجله حتى تفوز بحبه وتحافظ عليه كما يجب ..
وبعد شهرين عادت " سهام " إلى لبنان وقامت بزيارة والدتها في البيت بمفردها بعد أن خلقت أمامها الأعذار والوهمية لعدم حضور زوجها معها .. وأن كثرة أعماله جعلتها لا تراه إلا قليلاً ..
حتى الآن حكاية " سهام " مضحكة ولطيفة ومسلية وتأتي بعد ذلك الأحزان .. حين أقامت والدتها علاقة غرامية مع شاب يصغرها بسنوات وتعلق قلبها به حتى أصبحت تنفق عليه الكثير من أموالها بلا حساب .. لأنه فقير ومن عائلة بسيطة .. وحين أخبرتها والدتها بتلك العلاقة بدأت سهام تلومها وتحاسبها لأنها في يوم من الأيام وقفت أمام زواجها من رجلٍ بسيط وفقير رغم حبها له .. وها هي الآن تفعل مثلها وربما أكثر منها وأسوأ .. ومع ذلك فقد كانت " سهام " سعيدة لأجلها ولكنها أحبت أن تذكرها بذلك حتى يصبح أمر إخبارها أمراً سهلاً وغير شاق ..
طلبت أم سهام من ابنتها الحضور غداً حفلها الراقص كي ترى حبيبها قبل أن يحددا موعد الزواج .. وافقت " سهام " على الفور وقالت أنها ستكون سعيدة بهذا الزواج خاصةً أن والدتها تعيش وحيدة في قصر كبير وتخاف عليها من متاعب الوحدة .. وذهبت " سهام " إلى الحفل ورأت والدتها وهي في أجمل عروضها الراقصة وهي ترتدي ثياب الرقص الشرقي لتزيد من جمال وجهها وتظهر محاسن جسمها الغض والرشيق .. وبعد انتهاء العرض قام شاب ثملاً ليقف بجانب والدتها وقبلها وكانت المفاجأة الكبرى حين قدمته والدتها للحضور وقالت أنه خطيبها وسيتزوجان قريباً ..
وقفت " سهام " وصرخت بأعلى صوتها .. ثم ركضت نحوهما لتدفع الرجل وتسقطه أرضاً .. ثم انهالت عليه ضرباً وهي تبكي وتنعته بالخائن .. نعم أنه خائن ويستحق الموت .. إن ذلك الشاب هو زوجها .. نعم زوجها الفقير الذي فعلت المستحيل من أجله .. يخونها ويقيم علاقة مع والدتها ..
كانت والدة سهام تنظر إليها بدهشة وهي تكاد تسقط من هول ما سمعت .. حين أخبرتها ابنتها أن هذا الشاب هو زوجها وقد أخفت عنها أمر زواجها منه حتى لا تعارضها وتمنعها .. وخرجت " سهام " مسرعةً نحو سيارتها ولحقت بها والدتها كي تعتذر منها وتخبرها أنه خدعها وأخبرها أنه لم يتزوج من قبل ولكنها كانت تسير بسرعة هائلة دون تفكير والدموع تغطي عينيها .. وتوقفت حين رأت سيارة والدتها تنحرف عن مسارها وتصطدم بسيارة أخرى وتنقلب رأساً على عقب وتسقط منها والدتها والدم يغطي المكان ..
هرعت " سهام " لإنقاذ والدتها ولكن القدر قد سبقها إليها وأخذتها على ذراعيها بعد أن فارقت الحياة وضلت تبكي بكاءاً شديداً على فراق والدتها وتمنت لو أنها لم تتعرف على ذلك الشاب ولم تفعل ما فعلته لترتبط به ويكون سبباً في موت والدتها ..
وعندما أتت إلى هنا كانت تظن أنها ستنتقم لوالدتها من نفسها وذلك بحرمانها من الثروة الضخمة التي تركتها لها ومن القصور ومن حياة الأثرياء وسيكون السكن هنا في هذه الدار المتواضعة أكبر انتقام تستحقه .. وبعد مرور الوقت اكتشفت " سهام " أنها حولت حياتها من تعاسة وشقاء إلى سعادة وهناء .. ومن كره وحقد إلى حبٍ وسلام .. وتمسكت بهذه الدار وانفقت عليها جزءاً كبيراً من ثروتها حتى يشعر بالراحة كل من يلجأ إليها.. وها هي الآن تعيش حياتها مثل أي فتاة أخرى مليئة بالتفاؤل والأمل ولو سألتها عن قصتها لقالتها لكي ألف مرة ومرة وهي تضحك وتبتسم أما البكاء فهي تعتبره غسيل للقلب وللنفس لا يمكن أن يكون هو المسار الوحيد الذي نسيره في حياتها ..
وقفت " زينة " بعد أن سمعت قصة " سهام " و " غادة " وأمسكت بجذع الشجرة الكبيرة وهي تقول :
- نحن نحتاج إلى قلب صلب مثل هذه الشجرة كي نواجه مشاكلنا بكل رحب وسعة حتى نستطيع أن نداوي جروحنا النازفة وجروح من حولنا حينها سنبحث عن الأمل لنجده بين طيات المستحيل ..
اقترب منها صاحب الدار ومسح بيده على شعرها وقال :
- أنتِ مازلت صغيرة والحياة تفتح ذراعيها أمامك لتستقبلي شبابك وتحيي معك الأمل .. فدعك من الأحزان يا بنتي .. وعيشي الأمل يوماً ليصبح أمامك كل يوم ..

** ** ** ** ** **
كانت " زينة " شاردة الذهن تفكر بالأب الذي عاش محروماً من


 
 
رد مع اقتباس
 
 
   
  #3  
قديم 05-04-2016, 12:12 PM
الصورة الرمزية جنيــن
:: عضو مميز ::
______________
View جنيــن's Photo Album  جنيــن غير متواجد حالياً
 
فتاة الريف




مضت السنين حتى أصبحت "زينة " شابة في العشرين من عمرها .. وزاد جمالها ليضيء وجهها نوراً .. كزهرةٍ بيضاء تميل كلما رأت نور الشمس لتستمر في الحياة ..ولن تنسى الفضل الأول في سعادتها وحبها في الحياة رغم الأحزان التي أحاطت بقلبها ..
إنها هذه الدار التي ضمتها بكل حب وجعلتها جزءاً منه .. ليصبح كل من يعيش هنا أهلها وعائلتها لتنسى بينهم الحرمان وقسوة الحياة .. ولكنها تعود لحزنها وتفكيرها عندما تصبح وحدها تعزف على " البيانو " الذي قدمه لها صاحب الدار حين علم أنها تهوى العزف عليه .. وطلب منها أن تعزف كلما شعرت بالحزن والتفكير في أي شيء حتى لا تصبح أسيرةً لأحزانها وتفكيرها ..
أما " غادة " و " سهام " فقد احترمتا رغبتها في الجلوس بمفردها خاصةً في ساعات الليل الأولى كي تعزف وتذرف دموعها الساخنة .. لتبكي سنين عمرها التي قضتها بعيداً عن والديها .. إنها تشتاق إليهما كثيراً وتتمنى لو أنها تراهما وترتمي في أحضانهما ولو للحظات.. كي تشعر بهما قدر حرمانها منهما ..
ثماني سنوات مضت وهي تعيش في هذه الدار ولا تعرف عن مصير والديها ورغم تلك السنين لم يحاول أحدهما البحث عنها ليعيدها إلى بيتها الحقيقي وقريتها التي أصبحت عالمها الغريب .. أيضاً لم يأتي أحدٌ يحمل إليها أخباراً عنهما لتعرف إن كانا أحياء أم أموات .. وإذا كانا على قيد الحياة فأين يعيشان .. وكيف يعيشان ..؟؟ دائماً تتساءل " هل مازال والدي يعمل في الحقل يزرع ويحصد ليجني القليل في آخر كل يوم ..؟؟ أم أن الفقر والحاجة قد أطرحته ليرقد على فراش اليأس والخيبة بعد الألم الذي كانت سبباً فيه ..؟؟
هل مازالت أمي تعمل في بيت تلك الغانية أم أنها كرهت العمل وبقيت في البيت ترتدي الحجاب وتنتظر والدي في آخر النهار ليرمي عليها قوت يومه ..؟
أسئلةٌ كثيرة تدور في رأسها وتبحث لها عن إجابة تريح قلبها المسكين كي تنام بسلام فقد كرهت الحرب الدائم بين سؤالها وبين دموعها ..
كانت " زينة " تعزف عزفاً حزيناً يملئه الشجن بينما يقف صاحب الدار ورفيقتيها خلف الباب يستمعون إلى عزفها الحزين وتدفعهم المشاعر نحوها بشيءٍ من العطف والمواساة لحالها البائس .. وبعد انتهائها من العزف سمعت تصفيقاً ينبعث إليها من الخلف فالتفتت نحو الصوت ليأتيها بسحره وحنانه الذي تعودت عليه من صاحب الدار ليقول :
- أنتِ أروع عازفة رأيتها في حياتي يابنتي .. إن عزفك يريح النفس ويبهج القلب ..
ضحكت " زينة " عندما سمعت صوت " العم هاشم " وابتسمت وكانت ابتسامتها قد اختلطت بدموعها وقالت وهي تمسك بيده وتقبلها :
- وأنت صاحب أكبر قلب وأعظم حب .. ويكفي أن الله عوضني حرماني من حنان أبي وعطف أمي بحنانك وعطفك .. وسخاؤك الذي لم أرى له حدود معك .. فليبقك الله من أجلي يا عم هاشم ..
أرادت " سهام " أن تبدل جو الحزن حين قالت :
- ونحن أليس لنا نصيب من هذا الحب يا زينة ..؟؟
قالت وهي تمسح بيدها دمعةً سقطت على خدها :
- أنتما تعلمان مدى حبي لكما .. ولولا وجودكما بجانبي لكنت بلا أمل وبلا وجود ..
وفي الصباح .. استيقظ الجميع واتجه كل منهم إلى المكان الذي يناسبه لتناول طعام الإفطار.. فبعضهم يجلس في باحة الدار والبعض الآخر يجلس في الحديقة الواسعة .. أما " زينة " فهي تحب الجلوس في غرفتها أمام النافذة لتشرب فنجان القهوة وتشاركها صديقتها " غادة " أما "سهام " فكانت تحب شرب القهوة مع المرأة الوحيدة التي تعمل في الدار .. وهذه المرأة ماهرة في سرد القصص والحكايات وصنع القهوة أيضاً ..
وضعت " زينة " فنجان القهوة على الطاولة وقامت لتقف أمام النافذة عندما شعرت بحاجتها للهواء النقي الذي اعتادت على استنشاقه كل يوم حتى أصبح جزءاً من حياتها .. بينما تجلس " غادة " على سريرها وتقرأ بعض المجلات المفضلة لديها ..
كانت " زينة " تحدث نفسها وهي تقول :
- " ليتني أرى الشمس كما أشعر بها وبدفئها .. ليتني أرى الشجر والأزهار وهي تقبل الهواء حين يعانقها بلهفة الولهان .. ليتني أرى هذه العصافير المغردة حولي لأشاركها الغناء كل صباح .. يا إلهي لقد فقدت بصري وأكاد أفقد لذتي للأشياء من حولي .. لقد أصبحت كالخيال في عقلي بلا ملامح ولا روح .. أخاف أن أفقد التمييز بين الأشكال والألوان .. أحببت الطبيعة الخلابة في قريتي وها أنا الآن أفتقدها كما أفقد بصري .. آه يا أمي !! ليتك لم تنجبيني ولم أعرف الحياة .. ليتك يا أمي منعتني الذهاب إلى المدرسة وتركتني أعمل مع والدي في المزرعة مثل باقي بنات القرية .. ولكنها الأقدار .. الأقدار تفعل بنا ما تشاء وترغمنا على مالا نشاء ..
وقطع حديثها مع نفسها صوت لم تسمعه من قبل .. والتفتت إلى صديقتها غادة وسألتها قائلةً :
- ما هذا الصوت يا غادة إنه غريب ولم أسمعه من قبل ..؟
اقتربت منها غادة ثم ألقت نظرة خاطفة عبر النافذة وقالت :
- إنه صوت حصان .. ألم تسمعي صوت الحصان من قبل يا زينة ..؟
- حصان !! ولكن من أين أتى هذا الحصان ..؟ وأين صاحب هذا الحصان ..؟
قالت " غادة " وهي تضع يداها على كتفي زينة :
- إنه حصان الدكتور " زهير " ابن العم هاشم فهو يحب ركوب الخيل كثيراً ..
كانت الدهشة تملئ وجهها وهي تقول :
- ماذا ..؟ إبن العم هاشم ودكتور ..؟!! كيف ..؟ ولماذا لم يخبرني أحد أن العم هاشم لديه ولد ..؟
قالت " غادة " :
- لم تأتي مناسبة لذلك .. على أية حال .. سافر الدكتور زهير إلى أمريكا بعد قدومك إلى الدار بسنة واحدة فقط وقد قضى سبع سنوات وهو بعيد عن الوطن لإكمال دراسته الجامعية وهو الآن دكتور في علم النفس .. وهو يملك اسطبل كبير للخيول .. أما هذه الفرس التي سمعتها قبل قليل فهي المفضلة لديه وقد أسماها والده " عجيبة " لأنها الوحيدة التي استطاعت أن تملك كل اهتمام الدكتور " زهير " ..
قالت " زينة " وهي تحاول الجلوس :
- ومتى عاد من سفره ..؟
- منذ يومين فقط .. ومن الآن وصاعداً ستسمعين صوت فرسه كل يوم ..
- ولكن لماذا لم تخبريني عنه من قبل ..؟ ولم أسمع أحداً في هذه الدار يذكره في حديثه ما السبب ..؟؟
بقيت " زينة " تسأل وتسأل حتى أخبرتها " غادة " عن قصته كاملة منذ حصوله على الشهادة الجامعية وحتى سفره لإتمام دراسته ..
" أحب الحياة كثيراً حتى أصبح كل من يجلس معه يرى للحياة طعماً آخر في عينيه وكان حبه لفتاة تدرس معه في نفس الجامعة سبباً في ذلك .. واستمرت علاقته بها حتى تخرج من الجامعة وقرر الارتباط بها والزواج منها .. لذا أخبر والده عن حبه لتلك الفتاة ورغبته الزواج منها .. كان والده سعيداً بهذا الخبر ووعده أن يخطب له الفتاة فور تسلمه الشهادة الجامعية .. وسارت الأمور على ما يرام .. وكانا يلتقيان ليبنيان معاً عش أحلامهما .. حتى أصبحت علاقتهما ببعض أكثر بكثير من السابق .. واقترب اليوم الموعود وذهب والده لخطبتها وهناك تفاجأ الأب أن والد تلك الفتاة كان يعمل لديه في الشركة وهذا الأمر لا غبار عليه .. لكن العم هاشم رفض زواج ابنه من تلك الفتاة لأن والدها كان مختلساً وقد قضى ثلاث سنوات في السجن بسبب التزوير والغش وسرقة مبلغ كبير من صندوق الشركة .. حاول " زهير " أن يقنع والده أن الماضي قد انتهى وليس لحبيبته ذنب فيما اقترفه والدها .. ولكنه أصر على رأيه وخرج من بيت والد الفتاة وهو غاضب وأمره أن يقطع علاقته بالفتاة ويبحث عن فتاة أخرى تناسبه ومن عائلة أفضل ..
بقي " زهير " حزيناً على حبه الذي مات قبل أن يرى النور .. وبات جرحه ينزف ألماً عندما علم بزواج فتاة أحلامه من رجلٍ آخر .. فقرر أن يسافر بحجه الدراسة حتى يشغل نفسه بشيء يساعده على النسيان .. ولم يعارضه والده بل رحب بالفكرة حتى يخرج ولده من الحزن والكآبة المحيطة به .. وها هو الآن يعود من سفره ليكمل مشواره مع تلك الخيول التي أصبح يتحدث إليها أكثر مما يتحدث إلى البشر .. هل من سؤال آخر يا آنستي الجميلة ..؟
كانت " زينة " شاردة الذهن تفكر بالأب الذي عاش محروماً من ولده طوال تلك السنين وعاش وحيداً وربما حزيناً ولم يشعر بحزنه أحد .. ووقفت مرة أخرى أمام النافذة وأغلقت عيناها وهي تغني بصوتٍ منخفض وشعرها الأحمر يطيره الهواء ويعود ليحط على أكتافها بعد أن يهدأ الهواء للحظة ثم يعود ليحمله برقة المشتاق ..
كان " زهير " يقف بجانب " عجيبة " الفرس المفضلة لديه وبينما هو يشعل سيجارته رفع نظره نحو النافذة ليراها وهي تقف أمام النافذة .. وتوقف للحظة يراقب ذلك الجمال الساحر .. ويسمع صوتها الهامس يغني فالقترب من النافذة أكثر تاركاً فرسه خلفه .. ورآها عن قرب وجذبه جمال وجهها وأشعة الشمس تسطع عليه لتزيد من نوره .. وتعكس ذلك على بريق عينيها .. كان ينتظر منها أن تلتفت إليه ولم يكن يعلم أنها لا تراه ولا تستطيع أن تراه .. زاد فضوله ليعرف من تكون حين لم تعيره أي اهتمام كما يظن .. فنادى حارس الحديقة وسأله :
- من تكون تلك الفتاة ..؟؟ لم أراها من قبل ..!!
رد عليه الحارس وقال :
- إنها " زينة " أمل تعرفها لقد أتت إلى الدار قبل سفرك بحوالي سنة يا سيدي ..؟
قال " زهير " وهو يتمتم :
- زينة !! ياله من اسم جميل والأجمل منه صاحبته .. إنها رائعة الجمال ..
رد عليه الحارس بلهجته اللبنانية وقال :
- شو .. عم تحكي معي سيدي ..؟؟
- لا .. شكراً .. اذهب أنت إلى عملك ..
وانصرف الحارس وهو ما زال يقف يراقب الفتاة وبدأ يفكر بها وصار يحدث نفسه قائلاً :
- حسناً يا زينة .. سأصعد إلى فوق واتحدث إليك عن قرب وسأجعلك تلتفتين إليّ بطريقتي الخاصة ..
واتجه " زهير " إلى داخل الدار وصعد إلى الطابق الثاني ليصبح أمام باب غرفتها وتردد كثيراً قبل أن يطرق الباب .. ثم سمع صوت من الداخل يسمح له بالدخول ..
قامت " غادة " فزعة عندما شاهدت الدكتور " زهير " وتلعثمت وهي تقول :
- يا إلهي .. لقد أتى .. إنها المرة الأولى .. التي .. يا إلهي .. تفضل يا سيدي ..
وقبل أن تتكلم " زينة " جاءها صوت قوي أخترق أذنيها عندما قال :
- يبدو أن الآنسة لم تسر لرؤيتي .. وعدم وقوفها أمامي خير برهان .. أليس كذلك.؟؟
شعرت " زينة " بغيض وهي تسمع تلك الكلمات المليئة بالغرور والكبرياء .. حينها لفت وجهها إلى الجهة الأخرى حيث مصدر الصوت وقالت له بهدوء اللامبالاة :
- عفواً .. !! ومن تكون أنت لأقف من أجلك ..؟؟
واقترب منها حتى شعرت بأنفاسه تلفح وجهها وهمس ليقول :
- أنا لا أطلب منك الوقوف بل آمرك على ذلك ..
ثم رجع مكانه وأكمل وهو يوجه حديثه إلى غادة حين قال :



 
 
رد مع اقتباس
 
 
   
  #4  
قديم 05-04-2016, 12:12 PM
الصورة الرمزية جنيــن
:: عضو مميز ::
______________
View جنيــن's Photo Album  جنيــن غير متواجد حالياً
 
فتاة الريف



قاطعته بغضب قبل أن يكمل عبارته وقالت :
- أرجوك يا سيد .. لقد تجاوزت حدودك معي .. وإن لم تخرج من هنا فوراً سأشكوك للعم هاشم .. هل تفهم .. أخرج فوراً ..
ضحك " زهير " من عبارتها الأخيرة .. فهي لا تعلم أنها ستشكوه إلى والده .. بينما تجلس غادة خائفة على صديقتها " زينة " من غضبه وربما حماقته وغروره ..
وعاد ليقترب منها مرة أخرى ويهمس في أذنها قائلاً :
- أفعلي ما شئتِ .. سنرى من سيعتذر للآخر ..!!
وقبل أن يخرج وقف أمام الباب ونظر إليها مرةً أخرى بدهشة ثم قال :
- يبدو أن النظر إلى من يحادثها .. أو قد تكون خجولة أكثر من اللازم .. !!
ردت عليه " غادة "بسرعة وقالت له بعد أن أمسكت بكتفي زينة :
- لا .. لا يا سيدي .. إنها عمياء ولا يمكنها رؤية ما حولها .. هذا كل ما في الأمر ..
أتته الكلمة كالصاعقة .. وتمتم بصوتٍ منخفض وقال :
- عمياء ..!! ( يمسح على شعره بخجل واضح ) يا إلهي كيف لم انتبه .. أعتذر منك يا آنسة ..
- لا داعي لهذه الشفقة المزيفة فأنا أعلم أنك لا تنتبه لأمور عديدة .. ( أحست بالانتصار وهي تقول له ) يكفي أنك اعتذرت .. وهذا دليل على أنك معترفٌ بخطئك ..
وقف صامتاً .. وشعر بأن الكلمات تهرب منه ليبقى أمامها ضعيفاً لا يقوى على الكلام وسارع بالخروج من الغرفة ليسير بخطىً واسعة حتى وصل إلى الحديقة .. وامتطى فرسه البيضاء( عجيبة ) لينطلق بها ولا يدري إلى أين .. أما هي فقد راحت تصب غضبها في العزف على البيانو وكلمات تلك الشاب تتردد في مسمعها حينها لم تستطيع أن تمنع دموعها من السقوط وهي تشعر بها كالرعد على رأسها ..
كانت " زينة " تعلم أنها قست عليه وهو أبن الرجل الوحيد الذي وقف بجانبها ولكنها وجدت نفسها أمام رجلٍ مغرور يكاد غروره يحطم كل من يقف أمامه .. وهي تكره الضعف والانحناء لأحد ..
اقتربت منها " غادة " لتضمها إلى صدرها بعد أن شاهدت دموعها تسقط بغزارة وقالت لها بصوتٍ حنون وهي تشاركها البكاء :
- لا تبكي يا صديقتي فأنا أكره الدموع في عينيك .. لا تجعلي من كلمات رجلٍ مغرور مثل زهير سبباً في بكاءك .. أرجوك .. اعتدت أن أراك قوية دوماً يا عزيزتي ..
وتوقفت " زينة " عن العزف كما توقف " زهير " عن الركض بفرسه العجيبة .. حين بدأت السماء تمطر وتتحدث بدلاً عنهما ليكون ما لديها أجمل بكثير مما يحملانه على بعضهما البعض ..
كان الليل طويلاً قضته " زينة " في التفكير بذلك الرجل الذي سلب عقلها رغم أسلوبه الجاف معها .. ولكنها أحست بأن وراء تلك القسوة قلب حنون .. لا يعرف سوى الحب ولا يقبل بشيء غيره ليحتله ..
لم تخطأ في إحساسها فهو لم يقسو عليها إلا كي يتحدث إليها ويقترب منها أكثر .. ويشعر باللذة وهو يثير غضبها فهي تزداد جمالاً حين تغضب .. هكذا كان " زهير " يراها .. وهكذا كان يحب أن تكون الفتاة التي شغلت باله وأصبحت تحتل عقله وتفكيره ..

** ** ** ** ** **
هذه المرة لن يكون قاسياً معها.. هذه المرة سيظهر الوجه اللطيف لها وسيجعلها ترتاح إليه
وتبادله مشاعره المدفونة .. لذا لابد من بداية جيدة يبدأ منها .. ولكن كيف ..؟
وماذا كون قاسياً معها يفعل وكيف يرضيها ..؟؟

بالأمس كانت السماء تمطر بغزارة وكأنها تبكي .. وتشارك قلباً قضى ليله حزيناً موجوعاً وجفت دموعه حتى أصبح لا يقوى على البكاء ..
دائماً تشعر " زينة " بأنها الوحيدة في حزنها ولا يمكن لأحد أن يشاركها الحزن ويشعر به كما تشعر هي به .. ولكن في ذلك الليل لأول مرة تجد من يشاطرها الحزن وتشعر بمن يمسح دموعها وهو بعيد عنها .. نعم إنه الوحيد الذي أحست بصوته قريباً منها ليخفف عنها الألم .. وتشعر بأنفاسه الساخنة على وجهها لتجف به دموعها وتبتسم لحديثٌ غريب دار بينهما ..
" زهير " .. لماذا أحببتك ..؟؟ وكيف وصلت إلى قلبي بهذه السهولة ..؟؟ ليتني أجد من يصفعني بقوة ويوقظني من أوهامي وأحلامي الغريبة .. فكيف لي أن أحلم برجلٍ مثل الدكتور " زهير " ..؟؟ وأنا أعلم أنه المستحيل بكل معنى الكلمة .. إنه يسخر مني و يعاملني بقسوة .. إنه يراني فتاة بلا معنى ولا يشعر بوجودي فكيف لو علم بحبي له .. حتماً سيحتقرني ويضحك على سخافة تفكيري وحماقة قلبي ..
كانت " زينة " تعاتب نفسها كثيراً على وقوعها في حب " زهير" لأنها فتاة عمياء لا فائدة من وجودها على قيد الحياة .. وهو رجلٍ صاحب المركز المرموق والفارس الذي يعيش حياته في النور ولا يسمح لنفسه النزول إلى أقل من مستواه المادي والاجتماعي والعائلي أيضاً .. وهي التي تفتقد لكل ذلك وترى أنها بعيداً جداً حتى لمجرد التفكير والحلم به ..
إنها لا تعلم أن ذلك الرجل الذي أوهمت نفسها بخلق حواجز عديدة بينه وبينها هو أيضاً قضى ليله بلا نوم .. وبات يفكر بها ويحلم بجوارها مثلما تحلم به .. لقد جذبته إليها رغم حياتها المحيطة بالأحزان والآلام .. شعر بحبها منذ الوهلة الأولى التي رآها فيها وسمح لعينيه التعلق بوجهها والنظر إليها بكل حاسة من حواسه .. وتأكد أن الحب من أول نظرة ليس مثالاً يقال .. وإنما حقيقة يعيشها الآن بكل صدق وبكل مشاعر الحب الحقيقية ..
وتشرف الشمس لتنشر نورها على قمم الجبال .. وتعكس نورها على مياه الأمطار الراكدة لتلمع مثل الألماس ويزيد جمال الصبح أكثر وأكثر ..
حين استيقظت " غادة " و " سهام " وجدتا زينة تجلس على سريرها مستيقظة واقتربت منها سهام لتمسك بيدها وتسألها بعد أن ألق عليها تحية الصباح :
- ما بك يا زينة ..؟ تبدين شاحبة الوجه هذا الصباح .. هل أنت مريضة ؟؟
ردت عليها بهدوء وقالت :
- لا .. لست مريضة .. ولكني لم أنام جيداً ليلة البارحة ..
قالت " غادة " وهي تجلس بجوارها :
- ولماذا لم تنامي يا عزيزتي ..؟ هل هناك ما يزعجك ..؟ آه .. فهمت .. لابد أنكِ تفكرين بذلك الرجل المغرور عديم الرحمة وبكلامه الجاف معك بالأمس .. أليس كذلك ..؟؟
- لماذا تصفينه دائماً بالمغرور .؟إنه رجلٌ عادي ويتصرف أي رجلٍ يملك المكان وينتظر
منا الاحترام والتقدير ..
قالت " غادة " بدهشة :
- ماذا ..؟ بل هو كذلك .. ولم يكن رأيك بال أمس يخالف رأي .. ماذا جرى لك يا عزيزتي ..؟؟
ردت عليها " سهام " وهي تبتسم بمكر :
- يبدو أن الأميرة الصغيرة قد تعلق قلبها بالفارس الهمام وباتت ليلها كله تحلم به.. يا للأميرة المسكينة لقد وقعت ف شراك رجل لا يعرف الحب وله قلب لا يرحم ..
كانت كلمات " سهام " كالصفعة القوية التي أيقظتها من حلمها الجميل وصارت تبكي بحرقة ثم أخذتها " سهام " لتضمها إلى حضنها وتعتذر منها على قسوتها عليها فهي لا تدرك مدى تعلقها به ..
ومضى أسبوع و زينة تقف كل يوم أمام النافذة وكلها أمل أن تسمع فرس " زهير " وهي تعدو في أرجاء الحديقة .. ولكنه لم يأتي ولم يمتطي فرسه ولم يراها وهي تنتظره بفارغ الصبر حتى بدأ اليأس يتسرب إلى نفسها شيئاً فشيء .. وأدركت أنه لن يعود .. وزادت حسرتها ألماً حين قال لها صاحب الدار وهو سعيد أنه اشترى إسطبلاً كبير وواسع لأبنه " زهير" وقد نقل جميع خيوله إليه .. كان يتحدث معها وكأنه ينتظر أن تكون سعيدة بهذا الخبر وتوقع أن تهنئة وتبارك له شراء الإسطبل ولكنها كانت حزينة حين قالت له :
- هذا يعني أنه لن يأتي إلى هنا .. أليس كذلك يا سيدي ..؟؟
قال متعجباً لعبارتها الأخيرة :
- يا سيدي !! هذه الكلمة غير لائقة .. العم هاشم أفضل بكثير عندما تنطلق من شفتيك الجميلتان .. ( يرفع رأسها بيده الحنونة ويقول ) لماذا أنتِ حزينة يا بنتي ..؟ لا أحب أن أراك هكذا .. هل هناك ما يزعجك وتريدين إخباري عنه ..؟
اكتفت بهز رأسها وطلبت منه أن يبلغ ابنه الدكتور "زهير " تحياتها وأن يبارك لـه
بدلاً عنها .. ثم ذهب العم هاشم بعد أن طبع قبلة حنونة على جبينها .. ووعدها أنه سيأخذها يوماً إلى الإسطبل لتهنئ ابنه بنفسها .. حينها أحست بشيء من الراحة بهذا الوعد وتجدد الأمل من جديد في لقاء الحبيب .. سوف تخبره حين تراه بكل ما فعله من ارتباك في نفسها .. وستعد الكلمات التي ستقولها له حين تسمع صوته .. حتماً ستخبره أنها أحبت صوته وعشقت نبرته الحادة .. ولكن ماذا لو خيب ظنها ورفض حبها وعاد لأسلوبه الجاف معها ..؟؟ ماذا لو كان قلبه بلا رحمة كما وصفته صديقتها " سهام " ..؟ كيف ستكون حياتها حين يطعنها الحبيب في قلبها ويتركها تنزف حتى الموت ..؟ لا .. لا .. لن تفعل شيئاً تندم عليه لاحقاً .. لن تدعه ينتصر على فتاة ضعيفة مثل " زينة " ويرضي غروره على حساب مشاعرها وأنوثتها .. لن تعترف له بحبها وستبقى صامتة حتى لو كان ذلك على حساب راحة بالها وهناء قلبها ..
الدكتور " زهير " مشغول بخيوله ولا يجد لنفسه وقت كي يختلي بقلبه ويناجي حبيبته البعيدة عنه .. وحين يتذكر عيناها الجميلتان تترك يداه العمل وينطلق بخياله ليغرق بهما ويسبح في أمواج عينيها الهادئة .. ويقول لنفسه كم أنا مشتاق لعينيك يا زينة .. ليتك تنامين وتحلمين كما أحلم .. حينها حتماً سأكون سعيداً ومحظوظاً بهما لذلك أقسم لك حبيبتي أنني سأفعل المستحيل من أجلهما وستشاركينني السعادة ..
سمع " زهير " صوت والده يناديه من بعيد فترك جردل الماء الذي كان يحمله في يده ليغسل فرسه المفضلة " عجيبة " وراح يركض حتى وصل إلى والده وقال :
- لقد تأخرت في الدار يا أبي .. هل كل شيء على ما يرام ..؟
- نعم .. ولكن كيف تغسل الخيول بنفسك ..؟ أين العامل الذي أحضرته لخدمتك ..؟ وبينما والده يتلفت يميناً ويساراً بحثاً عن العامل شاهد سيارة ضخمة قادمة نحوهما وسأله زهير عن تلك السيارة ولمن تكون وما لبث أن سمع والده يرحب بالرجل والمرأة التي معه .. واقترب من ولده ليعرفه عليهما وقال :
- أقدم لك المهندس "روؤف صادق" عضو مجلس الشعب وواحد من أهم رجال الأعمال
في لبنان .. ولكن من هذه الفتاة الجميلة .. لم أرها من قبل ..؟
- إنها ابنتي راجية .. لقد أصرت أن تأتي معي لتبارك لك رجوع ابنك من السفر ورأيتها مناسبة أن يكون هنا في هذا المكان كي نشاهد الخيول الأصيلة ونتمتع بجمالها .. أليس كذلك يا راجية ..؟؟
ردت " راجية " على والدها بشيء من الغنج والدلال وقالت :
- أجل يا أبي .. فهذا المكان يشعرني بالراحة أكثر من أي مكانٍ آخر ..


 
 
رد مع اقتباس
 
 
   
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة








الساعة الآن 04:55 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
منتديات بال مون - منتديات رومانس مون
  PalMoon.net