صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

العودة   منتديات بال مون > منتدى الفن والأدب > منتدى روايات عبير وأحلام > الروايات العربية

الروايات العربية قسم مختص بعرض أشهر الروايات العربية






الرجاء استخدام خاصية البحث أدناه للبحث في الموقع:






إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #9  
قديم 05-04-2016, 12:13 PM
الصورة الرمزية جنيــن
:: عضو مميز ::
______________
View جنيــن's Photo Album  جنيــن غير متواجد حالياً
 
فتاة الريف



أمسك بيدها ثانيةً وطلب منها أن تجلس على المقعد أمام البيانو وقال بعد أن وضع يداها على لوحة المفاتيح :
- هذا هو المستقبل الذي أقصده .. ستصبحين أجمل عازفة بيانو في الشرق الأوسط بل في العالم كله ..
- ولكن .. أنا لا أتقن العزف تماماً .. إنني فقط أحاول تقليد بعض المقطوعات الموسيقية وقد لا تكتمل معي في بعض الأحيان .. هذا صعب .. صعبٌ جداً ..
أطلق "زهير " ضحكةً هزت قلبها الصغير وجعلته يرقص فرحاً وأحست بأنفاسه تلفح خدها وهو يهمس في أذنها ويقول :
- لا تقلقي .. سأتولى هذا الأمر بنفسي .. ثقي بي يا عزيزتي ..
- ولكن .. كيف ..؟؟
- سأجعل منك عازفة بيانو رائعة .. وسأعلمك العزف بنفسي ..
ردت عليه بدهشة وقالت :
- أنت ..!! وهل تعزف على البيانو يا زهير ..؟؟
- نعم .. لقد تعلمت العزف منذ صغري .. بعد موت والدتي أصبحت وحيداً وكثير البكاء والحزن لفقدي أقرب إنسانٍ إلى قلبي وهي أمي .. فقرر أبي الذهاب بي إلى معهد الموسيقى وهناك تعلمت العزف على البيانو مع بعض الآلات الموسيقية البسيطة الأخرى .. ولكني كنت أميل كثيراً للعزف على البيانو لذا حفظت كل دروسه وباستطاعتي تدريسها في أي وقت ..
كانت " زنية " تستمع إليه بدهشة وسعادة واضحة وهي لا تكاد تصدق ما تسمع .. أيكون ..؟ الرجل الذي أحبه يصبح فارساً وعازفاً أيضاً ..؟؟ والأهم من ذلك أنه يحبها وكل يوم يمر يبرهن حبه لها حتى أصبح جزءاً منها ومن كيانها .. تتنفس من أجله .. وتعيش كي يحي بداخلها وتغمره بالسعادة مدى الحياة ..
وبدأ " زهير " يخصص من وقته ساعات عديدة يقضيها مع " زينة " لتتعلم على يده أصول العزف على البيانو والحماس والرغبة ترافقهما في كل حين .. حتى أصبحت بالفعل عازفة ماهرة كما كان يراها بعينيه .. ويزداد جمالها ويبتهج قلبها فرحاً وهي بقربه يشعر بها كما تشعر به ..
لم تحتاج " زينة " سوى لأيامٍ معدودة لتعلم العزف وبمهارة واضحة .. وقد أدهش "زهير " ذكائها ورغبتها في التعلم كما أبهرت جميع سكان الدار بعزفها الرائع الهادئ الذي يبعث في النفس الراحة والانسجام وأصبحت معروفة لدى الكثير من وجهاء البلد ومن أصحاب شركات الإنتاج والمؤسسات الخاصة والجمعيات الخيرية بعد أن أقام " زهير " حفلاً بمناسبة عيد ميلاده وكانت هي العازفة الوحيدة في الحفل فأدخلت في قلوب الحاضرين الأنس والسعادة والبهجة ..
وبعد يومين من الحفل .. وصلت إلى " زهير " رسالة من أحد الجمعيات الخيرية تطلب فيها مشاركة الآنسة " زينة " ضيفة الجمعية المميزة لهذا العام .. كانت فرحته لا توصف وهو يقرأ الرسالة وانطلق فوراً إلى الدار كي يخبر فتاة أحلامه أنه أوفى بوعده وتحقق حلمه وهاهي تخطو خطوتها الأولى نحو الشهرة .. لم تكن أقل منه سعادة بهذا الخبر ولكنها شعرت بشيءٍ ما يمنعها من استمرار الفرح في داخلها وقالت له وهي تضم الرسالة إلى صدرها بأسى :
- أخشى الظهور أمام الناس وأنا .. لا أدري ماذا أقول يا زهير .. فقد مضت سنين طويلة عشت فيها بعيداً عن الناس ولم يخطر في بالي أنه سيمر علىَّ يوم كهذا .. لا أدري ماذا أفعل ..؟ من الأفضل لي ولك رفض هذه الدعوة وتجاهلها .. لا تغضب مني يا حبيبي .. إني أشعر بالخوف وربما بالفشل ..
وجلست " زينة " على الكرسي أمام البيانو وهي يائسة ومحطمة القلب .. وفاقدة الأمل في إثبات نجاحها ونجاح " زهير " معها .. مما جعلها تشعر بالإحباط الشديد ورفضها التام لفكرة الخروج أمام الناس .. ولكنه أستطاع أن يقنعها ويجعلها تأخذ قرارها بما يرضيه ويرفع من روحها المعنوية .. وكانت سعادة بموافقتها على رأيه تفوق كل وصف .. وكان رده للجمعية الخيرية رداً سريعاً ..
وجاء يوم الحفل وكانت " زينة " بكامل أناقتها وجمالها حين رآها " زهير " تقف في انتظاره أمام بوابة الدار مما أثارت في نفسه الدهشة والإعجاب لذلك الجمال المكنون مثل جوهرةٍ تحتفظ ببريقها لحين اكتمال القمر كي ينعكس نوره عليها وتشع ضيائها الذي يخطف البصر ويبهر العقل كما فعل مع الدكتور " زهير " ..
كان الحضور أكثر مما توقعه " زهير " فالعدد أكثر بكثير من العدد الذي كان في مخيلته وتمنى أن يبقى هذا العدد عالقاً في مخيلة " زينة " وتمنى أن لا تشعر بذلك الازدحام وذلك الحشد حتى لا يؤثر ذلك على ثباتها وقوة سيطرتها على نفسها أمامهم وتفشل كل آمالها وأحلامها وتعود لليأس مرةً أخرى ..
وبدأ الحفل والكل ينتظر قدوم الضيفة المميزة كما تعود الناس كل عام من تلك الجمعية فقد كانت تستضيف في كل عام أحد الشخصيات المعروفة والمحبوبة من ممثلين ومطربين وشعراء من لبنان ومن بعض الدول العربية المجاورة .. وبدأت مقدمة فقرات الحفل بتقديم ضيفة هذا العام بأسلوبٍ شيق وجذاب وكان خروجها على المسرح وهي تمسك بيد " زهير " وتسير بخطواتٍ واثقة وكأنها اعتادت على مثل تلك الحفلات والابتسامة الساحرة تجذب كل من يراها وكان وقوف الحضور وتصفيقهم الحار أكبر دليل على أنها بالفعل ضيفة مميزة ..
وجلست " زينة " على المقعد أمام البيانو وبدأت في عزف معزوفةٍ طويلة ألفت من أجلها بعد اتفاق " زهير " مع أحد الملحنين وقد أسمى المقطوعة " شمس الربيع " .. وقد جعلت الحضور يصغون إليها بكل إحساس وشعور .. أما والد " زهير " فقد كان يفتخر بها وكأنها ابنته التي لم ينجبها وزادت سعادته وهو يسمع من رئيسة الجمعية كلمات الشكر والتقدير تخص ابنه الوحيد وهو يقف بجانب " زينة " يمسك بيدها ويسيران بسعادةٍ ونشوة لتحية الحضور الذي زاد تصفيقهم وفرحتهم بالضيفة المميزة ..

** ** ** ** ** ** **
ولكن لا بد أن يعرف قصتها .. وكيف وصلت إلى تلك الدار ..؟ وما سر تخلي والدها عنها
ربما تتغير مشاعره وأحلامه بالارتباط بفتاةٍ ضريرة فقدت بصرها بعد أن فقدت
أغلى ما تملكه الفتاة في زمنٍ لا يعرف غفران الخطيئة ..

بعد عودة " زينة " ودعها " زهير " بكلماتٍ كلها حب وشوق ثم عاد إلى بيته هو ووالده .. لذا قرر أن يتحدث مع والده بموضوع زواجه من حبيبته " زينة " ..
كان يجلس هو ووالده في الشرفة الخاصة بغرفته يتناولان معاً أطراف الحديث .. وقد كان حديثهما كله عن الحفل وكيف أن " زينة " كانت من أجمل الحضور .. وأنها قد أبدعت في أدائها معزوفة " شمس الربيع " التي نالت إعجاب كل الحضور .. وبدأ " زهير " يتنحنح قليلاً ولا يعرف كيف يبدأ الكلام .. وأنقذه والده عندما ألقى عليه سؤاله وقال :
- هناك شيء تريد التحدث به يا زهير .. أليس كذلك ..؟؟
وقال"زهير " بعد أن جمع قواه وبدأ في الكلام :
- ما رأيك بزينة يا والدي ..؟
- إنها فتاة رائعة وطيبة وتستحق كل خير .. ولكن لماذا تسأل يا ولدي ..؟؟
اقترب منه أكثر ووضع يده على كتف والده وقال :
- هذا هو رأي أيضاَ .. إنها فتاة رائعة وجميلة يا والدي لذا ..لذا أردت أن .. لا أدري
ماذا أقول لك .. إن لساني يتلعثم ويعجز عن الكلام ..
ثم وقف ليقترب من حاجز الشرفة ليستند عليه وكأنه يهرب من مواجهة نظرات والده التي كانت تراقبه وتنتظر منه أمراً رأته في ملامحه قبل أن يعبر عنه ثم أكمل كلامه وقال :
- أعلم أن ما سأقوله لك سيكون مفاجئة بالنسبة لك .. ولكنه الواقع يا والدي .. لقد أحببته من كل قلبي وأريد الزواج منها .. من زينة يا أبي ..
وقف والده ليقترب منه والدهشة تملأ عيناه وهو مازال ينظر إليه غير مصدق ما سمعه من ولده الذي طالما حلم بزواجه من فتاة أحلامه .. ولكنه لم يكن يتوقع أن تكون الفتاة التي سيأتي ويطلب الزواج منها هي " زينة " الفتاة الضريرة التي لا تملك في حياتها سوى الدموع والآلام .. وقال وهو يضع كفه على ذراعيه :
- هناك فرق بين الحب والعطف يا ولدي .. يجب أن تحدد مشاعرك تجاه زينة بدون تسرع أو اندفاع ..
- تقصد أن حبي لزينة مجرد عطفٍ يا أبي ..؟؟! لا .. هذا مستحيل .. إني أحبها وأريدها أن تكون بجواري العمر بأكمله .. لقد أصبحت جزءاً مني ومن كياني وأشعر أني بدونها بلا حياة وبلا وجود .. كل هذه المشاعر التي في داخلها لا يمكن أن تكون عطف أو شفقة .. إني أحبها .. أحبها وأريدها زوجةً لي رغم كل الظروف التي تحيط بها حتى لو كانت تلك الظروف يرفضها كل من حولي .. سأعمل على تغييرها وسأبذل كل جهد ومال ووقت كي تصبح " زينة " مثل أي فتاة .. حين يعود إليها بصرها .. أعدك يا أبي .. أعدك ..
أصبح والد " زهير " مؤمن أن الحب الحقيقي ليست تلك العاطفة النابعة من القلب حين نقف بجانب صديق .. أوحين نؤازر من يعاني ألماً ولا نملك له سوى العطف والشفقة والكلمات المعسولة .. وإنما ذلك الحب الذي يعيش في قلب الدكتور " زهير " ويتغنى به أمام نفسه قبل الآخرين .. إنه عشقٌ وفيٌ قابعٌ في الذات ويسِّير المشاعر بما تهوى النفس وترتضي ولا يعرف المستحيل أو الخوف من المجهول ..
لم يكن والد " زهير " يرفض حب ولده لزينة لأنها ضريرة أو لأنها لا يمكن أن تعيش في عالم لا يعترف بالحب سوى من أجل المصالح والمظاهر .. ولكنه كان يخشى الحقيقة المخفية خلف ستار ذلك الحب .. وكيف يمكنه أن يكشف تلك الحقيقة دون جرح مشاعر الفتاة التي أحبها أبنه بكل معنى الحب ..؟؟
ولكن لا بد أن يعرف قصتها .. وكيف وصلت إلى تلك الدار ..؟؟ وما سر تخلي والدها عنها .. ربما تتغير مشاعره وأحلامه بالارتباط بفتاةٍ ضريرة فقدت بصرها بعد أن فقدت أغلى ما تملكه الفتاة في زمنٍ لا يعرف غفران الخطيئة ولا يلتمس الأعذار لمن يقع فيها حتى لو كانت طفلة ً صغيرة لا ذنب لها ولا حيلة ..
وقرر والد " زهير " أن يحكي له قصة " زينة " بكل ما فيها من ألم وحسرة وبكل ما فيها من أحداث موجعة ومؤسفة ومفجعة أيضاً .. سيحكي له قصتها كي يصبح حبه لتلك الفتاة حباً واضحاً ناصعاً كالشمس لا يشوبه أي شائبة ولا يعكره شيء ليكون حباً حقيقياً كما يريد أن يكون .. وثم يسلك طريقه بلا تردد وبلا خوف لينال مراده وتصبح فتاة أحلامه ناصعة البياض أمام عينيه ..
قال له والده بعد صمتٍ طويل وتفكير ٍ مرير :
- لن أقف في وجهك وأعترض طريق أحلامك يا ولدي .. فأنت رجلٌ عاقل وتفهم الأمور وتستطيع أن تسير عقلك قبل عاطفتك .. لذا سأحكي لك قصتها من البداية وستكون أنت الحكم وليس أنا .. سآخذ رأيك قبل أن تطلب رأي لأنك صاحب الشأن، وأنت من سيتحمل مشقة الطريق الذي ستسلكه بمفردك .. اسمع يا ولدي ..
وبدأ " العم هاشم " بسرد حكاية " زينة " منذ ذهابها في ذلك اليوم إلى المدرسة إلى أن أصبحت أحد المقيمات في تلك الدار .. وعندما وصل إلى الجزء الذي تركها والدها وحيدة في المستشفى دون ذنبٍ اقترفته وقف " زهير " وهو لا يكاد يصدق ما يسمع وتذكر كلام ذلك الرجل العجوز عن ابنته التي يبحث عنها وكيف أنه نادمٌ على تركها وحيدة ويتمنى لو أنه يجدها كي تعود إلى حضنه وحضن والدتها قبل أن يموت .. ثم اتجه نحو خزانة صغيرة داخل الغرفة وبدأ يبحث بين الأوراق المتناثرة فوق الخزانة .. ولكنه لم يجد الورقة التي يريد .. فوقف للحظة يحاول فيها استعادة الذاكرة ليعرف أين وضع تلك الورقة الصغيرة التي كتب فيها عنوان الرجل العجوز .. عندها سأله والده وهو يراقبه بدهشة وقال :
- عن ماذا تبحث يا ولدي ..؟؟ لم أكمل لك الحكاية .. ما بك ..؟.؟
اقترب " زهير " من والده ووضع يداه على كتفيه بفرح وقال :
- لست بحاجة لسماع المزيد يا أبي .. إني أفكر بأمرٍ آخر يتعلق بحياة زينة .. هذا الأمر سيجعلها سعيدة وهانئة البال .. هلا ساعدتني في البحث يا أبي ..
- ولكنك لم تخبرني عن ماذا تبحث حتى أساعدك ..
- حسناً .. إنها ورقة صغيرة أظن أن لونها اصغر يوجد بها عنوان الشخص الذي سيسعد زينة ويغير مجرى حياتها ..
- ومن هو هذا الرجل ..؟؟ وكيف يمكنه إسعادها ..؟؟
جلس " زهير " على حافة السرير وأجلس والده بجانبه وقصَّ عليه حكاية الرجل العجوز حين ساعده على العودة إلى الدار بعد تلك الليلة الممطرة .. وكيف أنه كان يبكي من شدة حزنه على ابنته الوحيدة التي تركها دون شفقة ولم يجدها حتى تلك اللحظة .. ( وابتسم زهير ابتسامة باردة وهو يقول ) يا للمسكين لقد طلب مني أن أساعده في البحث عن ابنته ولم يكن يعلم أنها تجلس في السيارة ولا تبعد عنه سوى خطوات ..
وقف والد " زهير " وهو يعاتبه على سوء تصرفه وكيف أنه لم يخبره بالأمر حينها ولكن " زهير " أجابه قائلاً :
- لم يكن يخطر ببالي أن الفتاة التي يبحث عنها ذلك الرجل هي زينة .. فقد كنت أظن أنها فقدت والدها بعد موته وليس بعد تخليه عنها .. هذا ما جعلني استبعد تماماً أنها الفتاة المقصودة ..!!
- هيا .. لا تضيع الوقت .. قمت لنبحث سوياً عن الورقة ونصل إلى الرجل المسكين لنطمئنه على ابنته ..
وبدئا في البحث الجاد والمضني عن الورقة المكتوب عليها عنوان والد " زينة " .. واستغرق ذلك وقتاً طويلاً قبل أن يتذكر " زهير " أنه قد وضع الورقة في جيب معطفه الأسود الذي كان يرتديه في تلك الليلة الممطرة ..
وأحس براحة عميقة حين وجدها بالفعل في معطفه وتناولها والده من يده وتأكد أن الاسم المدون بها هو نفسه اسم والد " زينة " مما جعله يشعر بالارتياح أكثر وأخذ يشد على يده بقوة وكأنه يعبر عن شكره لأعظم عمل قد يقوم به حين يجمع " زينة " بوالدها بعد حرمان سنين طويلة عانت فيها كثرة البكاء والدموع على فراق كان لابد له من نهاية سعيدة تملأ قلبها بالفرح والسرور ..



 
 
رد مع اقتباس
 
 
   
  #10  
قديم 05-04-2016, 12:14 PM
الصورة الرمزية جنيــن
:: عضو مميز ::
______________
View جنيــن's Photo Album  جنيــن غير متواجد حالياً
 
فتاة الريف



ترى هل سيرفض " العم هاشم " زواج ابنه الوحيد مني ..؟ ولم لا ..!! فأنا لست سوى فتاةٍ فقيرة وضريرة وليس لي في هذه الحياة سوى الحلم .. الحلم فقط .. ولا يحق لي أن أتجاوز حلمي لأصل إلى المستحيل .. فزواج رجلٍ مثل " زهير " من فتاة مثلي يعد من المستحيلات .. كان علي أن أرفض عرضه مهما كلفني الأمر .. ما كان يجب أن أساير مشاعري نحوه وأطلق لها العنان حتى لا تتمادى في تعلقها به .. إنني فتاةٌ يائسة .. لا .. فالحب واليأس لا يجتمعان أبداً ولا يمكن لقلبٍ أن يحب ويتنازل عن حقه في إثبات حبه .. ولابد أن يواجه الصعاب كي يظهر تحت الشمس ويعلن أبديته ..
بدأت دموع " زينة " تتساقط كحبات المطر فوق خدها وهي في صراع ٍ مميت مع رغبتها
الملحة ومع الواقع المرير .. لم تجد حلاً لذلك الصراع ولن تجد .. فالحل في يد " زهير " وحده .. هو الذي يستطيع أن يعلن حبه للجميع دون خوف أو تراجع ..ولكن ما ذنب والده المسكين فهو من حقه أن يختار الفتاة المناسبة لأبنه الوحيد ويفتخر بها أمام الناس ولا يشعر بالخجل حين يقول " هذه زوجة ابني وأم أحفادي "..؟
" لطالما كان يحدثني عن حلمه في رؤية ولده وهو يعيش حياةً مستقرة وهانئة مع زوجته وأولاده كي يموت وهو هانئ البال قرير العين .. نعم .. لن أخيب أملك يا عم هاشم .. ولن أكون سبباً في تعاستك وتحطيم أحلامك .. فأنت فعلت من أجلي الكثير وحان وقت رد الجميل .."
وقامت " زينة " لتعود إلى غرفتها وكلها إصرار على أن تواجه حبها العظيم لزهير بحب أعظم منه .. وهو حب الأب لأبنه الوحيد .. وستخبر " زهير " برفضه الزواج منه حين يأتي لزيارتها .. كان ذلك قرارها الأخير ولن تتراجع عنه مهما كلفها الأمر .. ومسحت " زينة " دموعها الملتهبة وهي تردد " أحبك " .. " أحبك " ..
لم يأتي " زهير " ولن يأتي هذا اليوم .. فهو منشغل جداً في البحث عن والد " زينة " فقد مضت ثلاث أيام والبحث لم يأتي بنتيجة ايجابية .. حتى بدأ اليأس يتسرب إلى جوفه .. وأصبح أمله ضعيف في إحضاره لرؤية ابنته التي تتضرع شوقاً لعودته إليها ..
وفي اليوم الرابع جاء " زهير " مع والده لزيارة " زينة " ودهشت عندما سمعت صوت العم هاشم يقترب منها فشعرت برعشة قوية تنفض جسدها النحيل .. وأحست بأنه سيتقدم نحوها ليوبخها ويعاتبها لموافقة ابنه على جنونه حين طلب يدها الزواج .. ولكنها تفاجئ به يأخذها في حضنه ويقبلها بشوق والأكثر من ذلك أنه يقدم عذره على تأخره عن زيارتها وأنه مقصرٌ في حقها وحق صديقاتها ..
كانت كلماته كالبلسم الشافي على قلبها .. وأحست بعدها بالهدوء والراحة جعلتها تتنفس الصعداء وتضحك ملئ قلبها وهي تضم يد " زهير " إلى يدها بقوة وبشدة وكأنها تنقل إليه إحساسها وسعادتها بهذا اللقاء وبتلك الكلمات .. ثم جاءها صوت " زهير " وهو يقول:
- سنذهب معاً في رحلة قصيرة إلى " جبيل " .. ما رأيكم ..؟؟
ردت عليه " سهام " بفرحةٍ عارمة وقالت :
- رحلة ..!! وإلى جبيل .. يا للروعة .. إني أتشوق لرؤية تلك المدينة الرائعة الجمال بشاطئها المثير وبيوتها المختبئة خلف الأشجار الكثيفة .. رائع .. رائع ..
قالت " زينة " بصوتٍ رزين حين أحست بيد " العم هاشم " تربت على كتفها :
- وما مناسبة هذه الرحلة يا عم هاشم .. هذه المرة الأولى التي تسمح فيها برحلة لسكان الدار خارج مدينة زحلة ..؟؟
أجابها " زهير " بدلاً عن والده حين لم يجد جواب ورداً مناسباً لسؤال " زينة " وقال :
- حسناً .. سيكون هناك مهرجاناً كبيراً لسباق الخيل وسأكون أنا أحد المشاركين في هذا السباق ورأيتها فرصة لا تعوض للقيام برحلة تضمنا جميعاً في " جبيل " فأنا أعرف أن الجو هناك سيروق لكنَّ وستسعدنَّ كثيراً بهذه الرحلة خاصةً أن والدي يرفض الذهاب بحجة أنه لا يستطيع ترك الدار هذه الأيام .. والآن أظن أنه ليس لديه أي عذر في الذهاب معي وحضور السباق .. أليس كذلك يا والدي الحبيب ..؟؟
كان والده ينظر إليه بدهشة وهو يتحدث عن الرحلة وكأنه ينوي الحديث عنها من قبل .. وكيف أنه ابتدع هذا الأمر ليخرجه من المأزق الذي وقع فيه حين سألته " زينة " عن سبب تلك الرحلة الغريبة والغير متوقعة ..
لم يكن " زهير " ووالده يرغبون في إطلاع " زينة " على أمر والدها الذي يبحث عنها وأنهما كانا يبحثان عنه طوال فترة غيابهما عن الدار .. وأنهما يرغبان في الذهاب إلى " جبيل " ليس للتنزه أو الفسحة بل لمواصلة البحث عن والدها وكلهما أمل أن والدها سيتذكر وجهها حين يراها ولو بالصدفة وبذلك ينزاح عنهما الهم والتفكير في كيفية الوصول إليه ..
كان هناك إحساس غريب يعتلي قلب " زينة " فقد شعرت أن هناك أمراً آخر يخبأه عنها " زهير " ولكن ما هو ذلك الأمر ..؟؟ ربما أراد أن يشغلها عن موضوع زواجه منها برحلة كهذه ..!! أو ربما أراد أن يتحدث معها بمفردها .. وكان وجود والده معها سبباً لإحراجه وكتمانه ما دار بينه وبين والده فكانت فكرة الرحلة فكرة غير واردة في باله ولم يفكر بها سوى في تلك اللحظة التي كان يقف معها حائراً .. لا يعرف ماذا يقول ..!! ولكن لماذا لا يعترف برفض والده فكرة زواجه من " زينة " ..؟ ولماذا لا يواجه تلك المشكلة العضال بصراحةٍ أكثر قد تكون أفضل بكثير من الهروب منها ..؟ هذا ما كان يدور في رأس " زينة " وكم كانت تشعر بالحزن والأسى وهي تفكر بهروب " زهير " من المواجهة ..
كانت " زينة " تتحدث مع صديقتها " غادة " و " سهام " بكل ما يجول في خاطرها من أفكار واهية وكيف أنها وقعت في حب ذلك الشاب بلا رحمة لقلبها مما قد يعانيه من عذاب وألم حين يتركها ويعيش حياةً أخرى بعيداً عنها ..
إنها تحبه .. وتراه بقلبها .. وتشعر به بكل وجدانها وعواطفها .. ولكن السد العالي المنيع الذي يقف بينهما يجعلها دائماً تشعر باليأس وتشعر أنها تحلم حلماً أكبر من الواقع الذي تعيش فيه .. وأنها تيسير طريقاً شائكاً ولا تجد سبيلاً في تغييره أو الحياد عنه ..
كانت كلمات غادة ونصائح سهام كالماء البارد على قلبها المحترق مما جعلها تنام وتقر عينيها بعد سهر أيامٍ طويلة .. وتبقى الأحلام تطاردها في منامها لتقلق نومها وتزعج راحتها لتبقى ساهرة بقية ليلها والكل نائم ولا يشعر بها سوى دموعها الملتهبة وآهاتها المختنقة ..
وفي اليوم التالي .. بدأ الجميع يستعد للسفر .. أما " زينة " فقد كانت تشعر بالتعب والإرهاق من السهر وقلة النوم ليلة البارحة .. ولكنها كانت سعيدة بوجود حبيب قلبها وأمل حياتها " زهير" بجانبها وهي تلمس منه الحب والحنان والاهتمام لكل أمورها وكأنه يخبرها بأنه يعيش من أجلها ولن يتخلى عنها مهما طرأ في الأمر طارئ ..
وفجأة .. بينما كان " زهير" يقف أمام البوابة الكبيرة ينتظر قدوم الباص الخاص بالدار كان هناك من يقف أمامه ويحيه بيده ويبتسم له من بعيد .. نظر من خلال نظارته الشمسية نحو القادم ليرى فتاةً في كامل أناقتها وجمالها وهي تقترب منه شيئاً فشيء .. وحين اقتربت منه عرفها ومد إليها يد المصافحة وطلب منها الدخول إلى داخل الدار ليعرفها على باقي أفراده .. ولكنها فضلت أن تبقى لتتحدث معه تحت شجرة السنديان وكأنها اعتادت على مثل تلك الجلسة واعتادت على الحديث معه في أي زمانٍ وفي أي مكان ..
كانت " زينة " تقف عند مدخل الدار تنتظر قدوم " زهير " وحين أحست بتأخيره سألت عنه صديقتها غادة .. لم تكن تعلم أن يجلس مع امرأةٍ أخرى يتبادل معها الحديث والضحكات .. ولم تكن ترغب صديقتها بأخبارها عن سبب تأخره فهي تخاف على مشاعرها ولا تحب أن ترى صديقتها المقربة إليها في عذابٍ مستمر .. ولكنه السؤال يعود ليفرض نفسه بينهما ويبقى الصمت دائماً هو الجواب ..
أحست " سهام " بالغضب والغيظ من تصرف " زهير " الغير معقول مع الفتاة التي أحبته بكل جوارحها وبكل مشاعرها .. كيف يتجرأ على فعل ذلك بقلبها الصغير ..؟؟ كيف يتركها تنتظر وتقلق لتأخره بينما هو يجلس مع فتاةٍ أخرى دون حساب لمشاعرها ..؟؟ هل لأنها لا تستطيع رؤيتهما ..؟؟ أم أنه يتلاعب بعواطفها ليلهو معها ساعات قليلة ويقضي بقية ساعاته مع غيرها ليستمر في الخداع والكذب على قلبٍ لا يعرف سوى الحب الصادق واللهفة الصادقة ..
كانت تراقبهما بغضب وقررت أن تخبر صديقتها " زينة " بكل ما يجري من حولها فهي ترى بعيني صديقتيها ولا يجوز منهما خداعها والكذب عليها .. حتى لا تستمر هذه اللعبة .. وحين شعرت " زينة " بصمت صديقتيها الغير عادي بدأ الشك والقلق يدخل في قلبها وألقت سؤالها قائلة :
- ما بكما ..؟؟ لماذا لا تجيبان عن سؤالي .؟ أين زهير يا غادة ..؟ أين هو يا سهام ..؟
وكادت أن تخبرها " سهام " ولكنها صمتت حين رأت زهير والفتاة يخطوان نحوهم .. وقالت وهي تتمتم بصوتٍ واضح :
- يا إلهي .. إنهما يقتربان منا ..
حينها سمعت " زينة " صوت " زهير " وهو يقول :
- هذه راجية يا زينة .. لقد أتت للسلام عليك .. هل تذكرينها ..؟؟
قالت وهي تصافحها والابتسامة تملأ وجهها :
- بالتأكيد .. مرحباً بك يا راجية ..
ثم جاءها صوت صديقتيها في آنٍ واحد بدهشة وهما تقولان :
- هل تعرفين هذه الفتاة يا زينة ..؟؟
- نعم .. إنها الفتاة التي حدثتكما عنها .. ألا تتذكران ..؟؟ لقد تقابلنا في يوم السباق حين ذهبت مع زهير وفاجئنا المطر الغزير في تلك الليلة ..
شعرت " غادة " و " سهام " بالخجل وبدأتا في ضحكٍ مصطنع وهما تصافحان الفتاة التي شغلت تفكيرهما وغابت عنهما حقيقتها ..
كانت " راجية " تجلس معهن وتبادلهن الحديث بكل هدوء وثقةٍ بالنفس .. بينما زهير يعمل على تجهيز الباص الذي سيذهب بهم إلى مدينة " جبيل " .. بدأت " راجية " تلتزم الصمت وعيناها لا تكاد تفارق زهير وكأنها تنطق بالشيء الذي تكنه في نفسها وتحاول إخفاءه ولكنه رغماً عنها يظهر ويعلن للجميع بما تكنه من حب لذلك الشاب الوسيم الذي يقف بعيداً عنها .. ثم عادت " سهام " تراقب نظرات تلك الفتاة بشيءٍ من الغيرة والغضب ولكن " زهير " لم يكن يبادلها تلك النظرات ولو بنظرةٍ واحدة فقد كان مشغولاً بتجهيز السيارة ..
وقفت " راجية " وحملت حقيبة يدها دون أن تنطق بكلمةٍ واحدة واكتفت بإلقاء ابتسامة واهية عليهما ثم اتجهت نحو " زهير " ووقفت معه لتتحدث إليه ويدها تمسك بيده مما زاد من غضب سهام وقالت وهي تتمتم بحنقٍ شديد حين سألتها " زينة " عن الفتاة :
- إنها تقف هناك حيث يقف الدكتور زهير .. يا لها من فتاة ..!!
وحين طال الحديث بينهما قالت " غادة " بصوتٍ مرتفع وهي تنادي على الدكتور زهير :
- ألم تنتهي بعد يا دكتور زهير ..؟؟ الوقت يمضي ونحن ننتظر بفارغ الصبر ..
رد عليها " زهير " بصوتٍ مرتفع وهو يقول :
- حالاً .. لم يتبقى سوى القليل وينتهي العمل .. لا تقلقي يا عزيزتي ..
وأردفت تهمس لصديقتها " سهام " وهي تقول :
- أموت بس أعرف شو عم تحكي كل ها الوقت .. شو غليضة هالبنت ..؟؟!!
ضحكت " زينة " حين وصلها الهمس وقالت :
- لمَ كل هذا القلق يا غادة ..؟؟ إن ما يدور بين راجية وزهير حديثٌ عادي وليس منه خوف .. أنتِ غيورة جداً يا غادة .. هل أنت معي سهام ..؟؟
كان سؤال " زينة " لسهام سؤالاً مفاجئاً حتى أنها كادت أن تنطق بكلامٍ قد لا يعجب أحد .. وعيناها معلقتان بالفتاة الغريبة وبالدكتور زهير .. ولكنها استطاعت أن تغير مجرى الحديث حين قالت :
- إنها جميلة ..!! ولديها القدرة على إثارة غيرة الفتيات من حولها ..
قالت " زينة " حين أحست بوخز كلمة " سهام " :
- هل هي حقاً جميلة وتستحق كل هذا الانتباه ..؟؟
أكملت " سهام " كلامها لتأكد ما سمعته " زينة " وقالت :
- هي ليست جميلة فقط .. بل أنيقة .. وجذابة .. ويبدو أنها من عائلة ثرية جداً ..
قالت " غادة " وهي تمسك بيد " زينة " لتساعدها على الوقوف بعد أن وخزت سهام :
- لنذهب إليهم يا زينة وسنناقش هذا الحديث فيما بعد .. هيا يا عزيزتي .. هيا ..
حاولت " غادة " تغيير الموضوع حين رأت " زينة " منشغلة البال تفكر بكلمات " سهام " وخافت عليها من التفكير الجاد بتلك الآراء التي قد توقعها في متاهةٍ لا نهاية لها ..

** ** ** ** ** ** **


 
 
رد مع اقتباس
 
 
   
  #11  
قديم 05-04-2016, 12:14 PM
الصورة الرمزية جنيــن
:: عضو مميز ::
______________
View جنيــن's Photo Album  جنيــن غير متواجد حالياً
 
فتاة الريف



ليلحق بها قبل أن تتعرض لمكروه قد تفقد حياتها بسببه ..


الجو في مدينة " جبيل " رائع وهادئ .. وزاد جمالها ذلك البحر الذي عكس لون السماء الصافي ليشع نوراً ويضيء شواطئه بأجمل ألوان الطيف ليجذب قلوب كل من يعشق حديث البحر وهمسه الحنون ..
أما أشجارها الكثيفة وبيوتها المتناثرة فقد جعلت للمدينة حديثاً آخر لا يفهمه سوى من يعرف معنى الطبيعة ويقدر عنفوانها وجمالها ليؤمن أن هناك جمالاً يضاهي جمال الروح حين تعانق مدينة مثل مدينة " جبيل " ..
كان " زهير " في قمة سعادته بجوار حبيبته " زينة " وهي تضحك وتغرد بأجمل الألحان وكأنها تريد أن تقول له أنها سعيدة بحبه وباهتمامه .. وقد لاحظ كل من حولهما ذلك الشعور المتبادل بينهما .. حتى بدأ ينعكس على وجه كل من ينظر إليهما .. ولكن يبقى قلبٌ واحد لا يهوى ذلك الشعور .. ولا يحب أن يرى تلك السعادة من حوله .. فقد زادت غيرة قلب " راجية " حين رأت الدكتور " زهير " وهو يصب جل اهتمامه في إسعاد حبيبته " زينة " دون أن يعيرها أي اهتمام .. وهي التي تظن أنها سوف تجذبه إليها وتستميل قلبه نحوها حين طلبت منه مشاركتهم الرحلة وقد وافق على وجودها بينهم حين طلبت " زينة " منه ذلك وأصرت على طلبها ظناً منها أنها تفعل الصواب مع فتاةٍ مثل " راجية " لا تهتم سوى بنفسها فقط خاصةً حين تركض وراء مطالبها لتحقيقها عنوةً وبدون تفكير ..
كان الجميع يقضي وقته في اللعب واللهو والاستماع إلى الموسيقى الهادئة حين تعزف " زينة " على البيانو الخاص بالدكتور " زهير " الموجود في صالة بيته الذي اشتراه قبل سفره للدراسة .. ورغم جمال ذلك البيت ومساحته الواسعة وأناقة أثاثه إلا أنه ظل مغلقاً طوال فترة سفره ولم يدخله أحد في غيابه حتى جاء ذلك اليوم .. أول أيام الرحلة وكان أفراد الدار أول من يطأ ذلك البيت ويملئه بهجةٍ وسعادة ..
وبعد ثلاثة أيام بدأ الدكتور " زهير " يجهز فرسه للسباق الذي لم يبقى سوى يوم واحد فقط لبدايته .. وقد كان قلقاً جداً وهو يفكر بجدية أكثر عن يوم ا لسباق وهو يحلم بالفوز ليس من أجله بل من أجل حبيبته التي أتت لتسعد بفوزه وتألقه أمام حشدٌ كبير من الناس ..
إنه يثق بحبها ويصدق مشاعرها وهي تقف بجانبه في كل الأحوال .. إنها فتاة رغم بساطتها ورقة مشاعرها إلا أنها لا تفكر بأنانية تجاه حبيبها الذي أسعده ذلك الاختلاف الكبير بينه وبين باقي الفتيات اللواتي لا يفكرن سوى بالوصول إلى المركز والمال وليس لقلب زهير ذاته .. وهذا ما جعله يتعلق بها ويصر على الزواج منها رغم كل العوائق التي تقف أمامه..
وفي اليوم التالي .. كان " زهير " يقضي يومه من بدايته في الإسطبل الخاص به الذي يقع خلف بيته وسط حديقةٍ كبيرة وواسعة مليئة بالأشجار المتناسقة والحجار الملونة التي زادت من جمال منظر ذلك المكان فقد كان حريصاً على إظهاره بهذا الجمال .. وقد اعتادت خيوله أن تسرح وتمرح بكل حرية في تلك المساحة الواسعة من الأرض الخضراء .. وكانت تلك الخيول كملا رأت الدكتور " زهير " اقتربت منه وتجمعت حوله .. خاصةً الفرس " عجيبة " التي كانت تقبله وتمسح رأسها برأسه وكأنها طفلة صغيرة تبحث عن حنان والدها وتلتمس منه الرضا والحنان .. كل هذه الأمور كانت تشعر " زهير " بالسعادة وتجعله يعيش حياةً كلها حب وسلام تهيؤه للدخول إلى السباق بكل قوة وثقة نفس .. ولكن أحداث الساعة الثانية عشرة ظهراً جعلت دخوله إلى السباق شيئاً مستحيلاً حين أتت " راجية " ومعها " زينة " وصديقتيها إلى الإسطبل وطلبت منه راجية الركوب على فرسه المفضلة " عجيبة " وانطلقت بها كالريح العاتية وهي تمتطيها كالفارس الذي اعتاد ركوب الخيل وأصبحت فروسيته تجري في دمه .. وأصبح الجميع ينظر إليها بدهشة وإعجاب .. فكانت الغيرة تزحف إلى قلب " زينة " شيئاً فشيء خاصةً بعد أن سمعت صوت زهير يتسرب إلى أذنيها وهو يقول بصوتٍ منخفض :
- إنها رائعة .. لم أرى في حياتي فتاةً بهذه المهارة في ركوب الخيل ..!!
جاءتها كلماته تلك كالسيف الحاد ينحر في جوفها وأيقنت أن حبها في خطر .. وأن تلك الفتاة لم تطلب المجيء إلى هذا المكان إلا لتفعل ما يلفت انتباه " زهير " إليها وتوقعه في شباكها .. وها هي نجحت في مرادها ..
وحين شعر الدكتور " زهير " بحزن " زينة " اقترب منها وهمس في أذنها وقال لها بعد أن طبع قبلةً هادئة على خدها وكأنه يشعر بالذنب تجاهها :
- لا تحزني يا صغيرتي .. أعلم أنني تسببت في حزنك وها أنا أعتذر منك وأقبِّل يدك كي تسامحينني .. لا أحب أن أرى هذه الدموع فهي تحرقني وتلهب قلبي .. أرجوك ..
وبعد صمتٍ دام للحظات وهي تحاول أن تمنع دموعها من السقوط وتحاول أن ترسم بسمةً على وجهها قالت له بصوتٍ كله إصرار وتحدي :
- أريدك أن تعلمني ركوب الخيل .. والآن ..
- ماذا ..؟ ولكن .. لا .. لا يا حبيبتي لن أعرضك للخطر أبداً ..
- أرجوك يا زهير أفعل ما أقوله لك .. لا ترفض طلبي فهو يعني لي الكثير .. أرجوك
وما كان من " زهير " سوى الموافقة والخضوع أمام إلحاحها في طلبها الذي سبب له كثير من الخوف والقلق .. لأنه يخشى عليها من الوقوع فهي فتاةًٌ لا تبصر ولا يمكنها التحكم والسيطرة على الفرس التي تمتطيها ولكنها فتاةً عنيدة .. وإصرارها على رأيها يجعله يقف بلا حيلة أمامها .. إذن .. يلبي " زهير " طلب حبيبته " زينة " ويساعدها في الصعود على ظهر الفرس وتأكد أنها قادرة على الجلوس تماماً .. ولكن .. ما أن تركت يده يدها حتى انطلقت الفرس بسرعة شديدة جعلتها تفقد السيطرة عليها وأصبحت تصرخ وتستنجد .. أما الدكتور " زهير " فقد انطلق على قدميه ظناً منه أنه سيلحق بها .. ولكن قدماه لم تساعده على اللحاق بها والإمساك بسياج الفرس فأصبح ينظر غليها بحسرة وخوف وقلقٍ رهيب ..
كان الجميع يصرخ بصوتٍ مرتفع يطلب من " زهير " الركوب على ظهر فرسٍ أخرى واللحاق بها قبل أن تتعرض لمكروه قد تفقد حياتها بسببه .. وبالفعل أخذ " زهير " فرسه الحمراء لينطلق خلفها بسرعة تفوق سرعة عجيبة التي ما أن رأته يقترب منها حتى أصبح صهيلها يعجز عن ترويضه إنسان .. وسقطت " زينة " من فوق ظهر الفرس لتصطدم بالحاجز الخشبي قبل أن يصل إليها " زهير " وفقدت بعدها وعيها ووقعت مغشياً عليها .. واقترب منها " زهير " ثم حملها على ذراعيه ليسير بها تجاه سيارته ومنظر الدم وهو يسيل من رأسها جعله يبكي وينادي باسمها ودموعه تفترش خديه ..
في ساعة واحد تنقلب حياة الدكتور " زهير " من فرحٍ إلى خوف .. ومن سعادة إلى قلقٍ ودموع .. فقد مضى وقتاً طويلاً وزينة ما زالت ترقد داخل غرفة العمليات والجميع يقف في الممر ينتظر من يطل عليهم من خلال ذلك الباب كي يطمئنهم عليها ويخبرهم أنها على قيد الحياة .. حتى " راجية " التي كانت سبباً في كل ما حدث كانت تجلس والخوف والقلق يظهران على وجهها ويجعلها تبكي بلا دموع وتتألم بلا صوت .. أما " زهير " فقد كان يسند رأسه على الجدار وهو يلوم نفسه ويقول :
- أنها غلطتي .. ما كان علي أن أوافق على طلبها .. يا لجنوني وقلة تفكيري ..
وفي تلك اللحظة يدخل والده بخطواتٍ واسعة ليقترب من ولده ويهدأ من روعه .. ويطلب منه الدعاء لها بالشفاء بدلاً من البكاء والدموع التي لا فائدة منها .. وضمه إلى صدره بحنان يشوبه الخوف على حياة " زينة " التي صارت أقرب منها للخطر والموت .. وبعد لحظات عصيبة يخرج الطبيب من باب غرفة العمليات ويلتف حوله الجميع وكان أولهم " زهير " الذي كان يلتزم الصمت ويكتفي بالنظر غليه منتظراً جوابه على سؤال والده حين قال :
- كيف هي الآن يا دكتور ..؟؟ أرجوك أفعل المستحيل من أجل إنقاذ حياتها ..
رد عليه الطبيب وهو يضع يده على كتفه وقال :
- لا تخف .. هي الآن في غرفة العناية المشددة .. وستبقى خلال الأربع وعشرون ساعة تحت متابعة أكثر من طبيب حتى تتخطى مرحلة الخطر بإذن الله ..
وقبل أن يذهب توقف الطبيب للحظة وكأنه تذكر أمراً غاب عن ذاكرته وقال :
- آه .. من هو زهير ..؟؟
كان سؤالاً مفاجئاً ربط لسان " زهير " عن الإجابة فقال والده بدلاً عنه :
- إنه ولدي يا دكتور .. هذا الذي يقف بجانبك .. لماذا تسأل ..؟؟
- لقد كانت تردد اسمه كثيراً وهي في حال غيبوبة وما أن أفاقت للحظة حتى طلبت مني رؤية زهير ثم عادت بعدها للنوم من أثر التخدير ..
قال " زهير " بلهفة :
- هل لي أن أراها يا دكتور ولو لدقائق معدودة .. أرجوك ..
وسمح له الطبيب بالدخول على أن لا يحاول التحدث معها ويتركها تنام دون أي إزعاج .. وحين دخل " زهير " غرفة العناية المشددة التي ترقد فيها حبيبته " زينة " نظر :إليها وعيناه تذرفان الدمع ثم جلس بجوارها وأخذ يدها وقبلها بحبٍ وحنان ثم قربها إلى خده وهمس يقول لها :
- " حبيبتي .. لا تتركيني وحيداً .. أرجوك لا تتركيني فأنا أحبك .. أحبك كثيراً ولا أريد أن أفقدك .. ليتك تسمعين نبض قلبي كي تعرفي مدى لهفتي وخوفي عليك .. ليتك تشعرين بي كي يصلك حبي وحزني عليك .. افتحي عيناك .. كي أرى بريقهما .. أمسكي يدي كي تلمسين رعشة الخوف عليك وترحمين قلبي الذي بات لا يشعر بالحياة بعيداً عنك .. استيقظي أرجوك .. أرجوك يا زينة لا تتركيني .. لا تتركيني ..
وبينما هو منكباً على وجهه يبكي دخل عليه والده ورآه وهو بتلك الحالة فشفق عليه ودمعت عيناه حزناً على حالة ولده .. وأدرك " العم هاشم " مدى تعلقه بزينة .. وأن ما يحمله من حب من أجلها ليس سوى حباً غير عادي لا يحمله إلا كل من يؤمن أن هناك أموراً كثيرة يتجاهلها القلب ولا يعترف بها حين يدخل الحب إليه .. وأن العين لا تبصر في وجود الحب الحقيقي النابع من داخل الإنسان ..
اقترب والد " زهير " منه وأخذه إلى حضنه وهو يقول :
- لمَ كل هذا الحزن يا ولدي .. إنها بخير وستعيش من أجلك .. صدقني .. ستعيش من أجلك ..
وبدأ " زهير " يبكي بصوتٍ مرتفع وكأنه كان ينتظر مثل تلك اللحظة كي يفجر براكين الألم في جوفه ويبكي ملئ قلبه .. وقال لوالده وهو ما زال يدفن وجهه في صدره :
- أنا السبب يا أبي .. لن أغفر لنفسي تلك الغلطة .. لقد طلبت مني أن أعلمها ركوب الخيل حين شعرت بابتعادي عنها .. حبها لي وغيرتها علي جعلتها تطلب المستحيل كي تعيدني إليها .. لقد كانت مخطئة يا أبي فأنا أحبها بكل جوارحي .. أحبها وأريدها أن تعرف ذلك .. لا أريدها أن تموت .. لا أريد يا أبي ..
- لا تلوم نفسك يا ولدي .. فهو القدر .. أنت تفعل من أجلها كل شيء وهي تدرك ذلك .. ولن تشك لحظة في حبك لها رغم كل ما حدث .. ولكن لا تنسى يا عزيزي أنها وحيدة بدونك وأنت الآن كل شيء في حياتها .. إنها لا تحتاج إلى دموعك بل هي بحاجة إلى صلاتك ودعائك لها بالشفاء كي تسعد بحياةٍ هانئة معك .. هيا يا ولدي .. لنذهب إلى البيت وسنبقى على اتصال مع الطبيب كي نمطئن عليها .. هيا ..
كان " زهير " يسير مع والــده وقلبه باقيٍ بجوار حبيبته التي ترقــد في المستشفى بين
الحياة والموت ولا يعلم إن كان سيراها ثانيةً أم لا ..؟؟
إنها فكرةً سوداء تجعله في قلقٍ مستمر وتتركه في وسط أمواجٍ هوجاء من الخوف والبكاء .. إنه يخاف الفراق ويكره الموت .. ذلك الوحش الكاسر الذي يفرق بين الحبيب وحبيبته ويقلب سعادتهما إلى ظلامٍ دامس وبكاءٍ حارق .. لا .. لا .. لن تموت " زينة " .. لن يأخذها القدر مني كما أخذ أمي من قبل .. لن يأخذها .. سوف نكون معاً .. نحيا معاً .. ونموت معاً .. ولن يكون بيننا فراقٍ ووداع .. لن يكون ..!!
هذا ما كان يفكر به " زهير " وهو يجلس وحيداً في غرفته ينتظر طلوع الفجر كي يستطيع الذهاب المستشفى لرؤية " زينة " والإطمئنان عليها .. ومضى الليل كأطول ما يكون .. لم يذق فيه طعم النوم .. ولم تغمض عيناه ولو للحظات ..
كيف ينام ومن تملك قلبه وعقله ووجدانه ترقد وحيدة تصارع الألم والأوجاع ..؟ كيف يهنأ له بال ومن وهبته حبها وجعلته الأول في حياتها بعيدةً عنه حيث لا يمكنه رؤيتها ولمس يدها ..؟
وحين طلعت الشمس ورآها تشع في أرجاء غرفته نهض ليلتقط معطفه ومفاتيح سيارته بسرعةٍ خاطفة ونزل من الدرج دون أن يشعر به أحد .. وحين وصل إلى المستشفى دخل إلى غرفة "زينة " ورآها لا تزال في نومها العميق ولا تشعر بأحدٍ سوى الألم .. وسحب إليه كرسياً ليجلس بجوارها ينتظر أن تفيق وتفتح عيناها وقد طال انتظاره كثيراً .. فهي ما زالت في غيبوبتها بلا حراك ..
أمسك بيدها وراح يمسح على أناملها برفقٍ وحنان وكأنه يريد أن تصل إليها مشاعره من خلال تلك الأنامل النحيلة .. وحين أحس برعشة خفيفة في يدها وقف بلهفة ليقترب منها وينظر إلى عينيها ويراقبها ليتأكد إن كانت ستفتح عينيها أم لا .. كان جسم " زينة " يرتعش بأكمله وبدأت تتحرك شيئاً فشيء حتى استطاعت أن ترفع يدها إلى رأسها وتمسك به وهي تتألم وتتوجع .. وكان صوتها أشحب لا تخرج الحروف منه بسهولة وهي تردد اسم زهير وتطلب منه النجدة كي ينقذها وكأن عبارتها الأخيرة مازالت عالقة على لسانها قبل أن تقع من فوق الحصان " أنقذني يا زهير .. سأموت يا زهير .. النجدة .. النجدة .."
وحين سمعها " زهير " أحس أن عليه استدعاء الطبيب كي يحاول إيقاظها لتعود لوعيها .. وما أن وصل إلى الباب حتى رأى والده يقف أمامه وسأله بخوف قائلاً :
- ما بك يا زهير .. ماذا حدث لزينة ..؟؟
وبينما هو يشير بيده على " زينة " ليخبر والده أنها بحاجة إلى مساعدة الطبيب كانت قد تمكنت من فتح عينيها واقترب منها وهي لا تزال تمسك برأسها وتتألم .. وحاولت " زينة " الجلوس وساعدها على ذلك " زهير " .. وعندما رفعت " زينة " رأسها رأت زهير يجلس بالقرب منها فأطلقت ضحكة قصيرة ومدت يدها لتلمس وجهه وتمسح على شعره وهي تقول :
- أنت .. أنت زهير .. نعم .. إني أراك جيداً .. هذا شعرك .. وهذه عيناك التي طالما حلمت برؤيتهما .. أنت زهير .. أصبحت أرى .. عاد إليه بصري يا زهير ..
كان " زهير " في قمة سعادته وهو ينظر إلى عينيها وتبادله النظرة ببريقٍ جديد وسحرٍ لم يشعر به سوى في هذه اللحظة وهو على يقين أنها تراه كما يراها وتشعر به كما يشعر بها .. قال " زهير " وهو يقبل يديها وعيناه قد فاضت من أجلها الدمع :
- حمداً لله على سلامتك يا زينة .. كم أنا سعيدٌ من أجلك .. كم أنت كريمٌ يا الله ..
وحين رأت " زينة " رجلٌ يقف بالقرب منها على الناحية الأخرى قالت وهي تشير عليه بيدها المرتعشة :
- أنت العم هاشم .. نعم .. أنت كما تخيلتك ..
واقترب منها بعد أن مسح بيده على خده ليبعد دمعةً سقطت عليه وكأنه يقول لها ابتعدي فليس لك بيننا مكان .. وقال وهو يضمها إلى صدره بحنان :
- ابنتي العزيزة .. حمداً لله على سلامتك .. وشكراً للخيل التي أسقطتك من على ظهرها ..
ثم قال " زهير " وهو يضحك :



 
 
رد مع اقتباس
 
 
   
  #12  
قديم 05-04-2016, 12:14 PM
الصورة الرمزية جنيــن
:: عضو مميز ::
______________
View جنيــن's Photo Album  جنيــن غير متواجد حالياً
 
فتاة الريف



وتعالت الضحكات وضم " العم هاشم " ولده ليهنئه على سلامة " زينة " بعد أن مرت عليه أيام ذاق فيها الألم والحزن والقلق الشديد عليها ..

** ** ** ** ** ** **
إنها اللحظة الحاسمة التي تستطيع فيها أن تتحدث وتقول كل ما يجول في خاطرها
حتى تصبح الأمور أمامها أكثر وضوحاً ..

وفي يوم خروج " زينة " من المستشفى كان " زهير " يقف أمام بوابة الدخول وهو يمسك بكتفها والسعادة تملأ وجهه حتى جاء والده واقترب بسيارته نحوهما وساعد " زهير " حبيبته " زينة " على الصعود داخل السيارة ثم انطلق الجميع نحو البيت حيث ينتظرهما الجميع هناك لاستقبال زينة والاحتفال بها..
كانت " زينة " تنظر حولها بلهفة وتتمنى لو أنها تسير في شوارع لبنان كلها حتى تملأ عيناها بتلك المناظر الخلابة التي حرمت من رؤيتها سنين طويلة ..
وبينما كان " زهير " يتلفت يميناً ويساراً وهو يشرح لزينة كل الأماكن التي تغيرت بعد مرور أكثر من عشر سنوات عليها .. رأى رجلاً يقف خلف عددٌ من صناديق الفاكهة والخضروات وطلب من والده أن يتوقف قليلاً بسيارته دون أن يوضح السبب .. ونزل " زهير " واقترب من الرجل ليتأكد منه ورأى أنه هو نفسه ذلك العجوز الذي التقى به صباح تلك الليلة الممطرة والذي كان يبحث عن ابنته .. وحين رآه سلم عليه الرجل بحرارة المشتاق بعد أن عرفه جيداً وقال له العجوز وهو يمسك بكتفه :
- أظن أنك تحمل لي أخباراً سارة عن ابنتي .. أليس كذلك ..؟؟
لم يستطيع إخباره أن ابنته التي يبحث عنها سنين طويلة تبعد عنه بضعة أمتارٍ فقط .. فهو يخشى على " زينة " من شدة المفاجأة خاصةً أن الطبيب قد حذره من أي تأثير نفسي قد يؤثر على أعصابها سواءٌ أكان حزناً أم فرحاً .. فهي مازالت تحت تأثير ضربة قوية قد تعرضت إليها ولم يمضي عليها سوى أيامٍ قليلة ..
لاحظ والد " زينة " صمت " زهير " الغير عادي الذي قد يخفي وراءه شيء يخصه ويخص ابنته فكرر السؤال مرة أخرى عليه وألح عليه بلهفة بعد أن أحس بالجواب قد رسم على وجه زهير .. وكان جوابه حين قال :
- سأقيم حفلة هذا المساء وأريدك أن تأتي فربما تكون ابنتك ضمن المدعوات في الحفل وإذا فشل الأمر فسوف أساعدك على البحث عنها بنفسي .. خذ .. هذا عنوان بيتي وهو قريبٌ من هنا .. سأنتظرك .. لا تتأخر ..
كان والد " زينة " يتابعه بنظرات الدهشة واليأس .. فكيف ستكون ابنته من ضمن المدعوات في حل أناسٍ أثرياء كهذا الرجل ..؟؟ كيف وهو الذي تركها وحيدة لا تملك سوى الحسرة والندامة .. إن هذا الرجل لا يهتم بأمره كما يجب .. فهو لم يعرف حقيقة ظروفه وفقره وحاجته التي لا تصل بمستوى حاجة أحد خادميه .. وسار بعد أن وضع الورقة التي بها العنوان في يد الرجل واليأس مازال يفترش طريقه ويجعله يتردد في رمي الورقة فهو يوقن أنها لن تفيده بشيء ولن تصله بمراده وغايته ..
كان " زهير " يلتزم الصمت طوال الطريق حتى وصل إلى البيت حيث يقف الجميع في انتظار عودة "زينة " ورؤيتها بعد أن عاد إليها بصرها وأصبحت بإمكانها رؤيتهم والتعرف عليهم .. كان الجميع يقف صفاً واحداً بينما كانت " زينة " تنظر إلى كل فردٍ منهم على حدة وتسلم عليه بلهفة المشتاق حتى وصلت إلى صديقتيها " غادة " و " سهام " فتوقفت قليلاً لتنظر إليهما ثم قالت :
- سأحاول أن أعرف من منكما غادة ومن منكما سهام دون أن تتكلما .. حسناً .. أنتِ سهام .. وأنتِ غادة .. هل أصبت ..؟؟
ردت عليها سهام وغادة في آنٍ واحد وقالتا :
- بل أخطأتِ أيتها الغالية ..( قالت غادة بمرح ) فمن أشرت عليها بسهام هي غادة ومن أشرت عليها بغادة هي سهام يا حبيبتي ..
وضمتهما معاً بفرحٍ وسعادة لا حدود لها وبدأت الدموع تتساقط وهما يعيشان أجمل اللحظات مع الفتاة التي أحباها وعاشت معهما أياماً وسنين لا يمكنهما نسيانها حتى آخر العمر ..
وبدأ الجميع يحتفل ويغني ويرقص من أجل " زينة " .. كما بدت بأجمل ما يكون بثوبها الأسود وشعرها الأحمر وجهها المشرق يبعث الحياة في نفس " زهير " الذي لم يفارقها لحظة .. حتى إذا وقف مع أحد الضيوف فهو يراقبها بعينية ولا يرى أمامه سواها فهي الوحيدة التي تبعث في داخله الراحة والهناء ..
كان " زهير " ينظر كثيراً إلى ساعته المشدودة في معصمه وإلى بوابة بيته في قلقٍ واضح .. وبدأ يلوم نفسه لأنه لم يأخذ عنوان ذلك الرجل ليذهب بنفسه إليه بعد أن يأس من حضوره .. ولكنه يجب أن يحضر ليرى ابنته التي كان يبحث عنها كي يتحقق الحلم بقدومه بعد أن يجتمع الشمل وتهدأ القلوب من لهث الأحزان ..
وبعد مضي ساعتين من بدأ الحفل دخل " زهير " إلى غرفة الجلوس الصغيرة ولحق به والده ثم أغلق الباب واقترب من ولده ثم قال :
- أراك قلقاً .. ويبدو على وجهك الحيرة يا ولدي .. ما بك ..؟؟
- إنه الرجل الذي نبحث عنه يا أبي .. إن والد زينة .. لقد رأيته اليوم بعد خروجنا من المستشفى .. أتذكر يا أبي حين طلبت منك الوقوف بالسيارة ثم ذهبت وتحدثت مع بائع الفواكه ..؟؟ إنه هو يا أبي .. والد زينة .. وقد طلبت منه الحضور إلى الحفل حتى يرى ابنته ويجتمع شملها به ..
- وهل أخبرته أن ابنته زينة كانت موجودة في السيارة أم لا ..؟؟؟
- كيف أخبره ونحن لم نتأكد بعد أن زينة هي ابنته التي يبحث عنها ..؟ لقد دعوته ليتعرف عليها أولاً ثم نخبره بكل شيء .. ولكن يبقى هناك أمراً يقلقني يا أبي ..
- وما هو هذا الأمر ..؟؟
- لن يتحقق ما أسعى له إذا لم يحضر ذلك الرجل يا أبي خاصةً أنني لم أساله عن مكان إقامته للوصول إليه ( ويشاهد من خلال زجاج النافذة رجلاً يدخل من البوابة ثم يقول ) إنه هو .. لقد أتى يا أبي .. لم يخيب ظني يا أبي العزيز .. هيا لنخرج ونستقبله ..
وخرجا إلى صحن البيت حيث يحتفل الحضور ويرقص .. واستقبل " زهير " والد زينة وسلم عليه بحرارة وفرح .. وأمسك بيده ليقربه من والده ثم قدمه إليه وهو بدوره يسلم عليه ويبدي له سروره لرؤيته ..
كان ذلك الاحتفاء وتلك الفرحة في عيني زهير ووالده جعلت الرجل العجوز يقف أمامهما بدهشة وذهول .. إنه لا يعرف سر ذلك الاستقبال الغريب .. فهو رجل فقير ولم يكن يحلم يوماً بدخول قصراً مثل هذا القصر ولم يكن يحلم بملاقاة أناس أثرياء مثل هؤلاء .. فما سر إصرار الدكتور " زهير " على حضور ه ..؟؟ ولماذا لم يمنعه من الدخول وهو يرتدي ملابس الفلاح الفقير التي لا تليق لمثل هذا المكان ...؟؟ إنه أمرٌ عجيب ويحتاج إلى تفسير ولكن كيف ..؟؟ إلى متى انتظر كشف المجهول ..؟؟
وكانت اللحظة الحاسمة .. حين وقفت " زينة " وجهاً لوجه مع والدها .. وتلعثمت الكلمات على شفتيها وبدأت الدموع تتساقط .. والمفاجئة تكشف القناع عن المجهول .. ويعرف والد " زينة " وجه ابنته وتعانق صورتها سواد عينيه حتى أصبح يقف بلا حراك وكأنه قد سقط عليه الثلج ليجمد كل ما فيه من شعور وردة فعل ..
وتمتمت شفتاه وكأنها تكسر كومة الجليد من فوقها ويصرخ بصوتٍ خافت لا يسمعه سواها وهو يقول :
- ابنتي .. زينة .. أنت ابنتي زينة..؟؟
واقتربت منه بعد تأكدها من أن الذي يقف أمامها هو والدها .. وقبلت يداه وهي لا تكاد تصدق ما تراه بعين الحقيقة والواقع .. إنه يقف أمامها .. إنها تراه بعد سنوات الفراق الأليمة .. ووضعت رأسها على صدره وكلها يقين أنها تشعر به مثل آخر مرة رأته فيها وبكت بين يديه .. وتحركت يداه بصعوبة المشلول ليحتويها ويضمها إلى صدره وهو يقول :
- بحثت عنك كثيراً حتى كدت أفقد الأمل في رؤيتك مرةً ثانية .. سامحيني يا ابنتي .. أنا من سبب لك المتاعب حين تخليت عنك في لحظة كان علي أن أحميك فيك .. وتركتك وأنت في أمس الحاجة إليَّ وإلى والدتك ..
- أنا لا ألومك يا أبي .. فحين يقع القدر يعمى البصر .. لقد كتب عليّ أن أعيش الحزن والظلم منذ أن تركتني وحيدة في المستشفى وحرمني قدري رؤية أمي والارتواء من حنانها .. لقد عشت يتيمة وأمن مازلت على قيد الحياة لولا أن رحمني الله بهذا الرجل السخي بحنانه وآواني في بتيه معززةً مكرمة .. ولم يشعرني يوماً أنني وحيدة ..
واقترب والد " زينة " من العم هاشم وصافحه ليشكره على اهتمامه بابنته طوال السنوات الماضية .. وقال العم هاشم بعد أن مسح الدموع المتبقية فوق هدب عينيه :
- أنا من يجب أن يشكرك يا سيدي فقد أهديتني أغلى ما لديك وكانت بالنسبة لي أكثر من بنتاً لي .. أنت رجلٌ محظوظ لأن لديك بنتاً مثل زينة لأنها جوهرة نادرة لا يمكن تعويضها أبداً ..
وأمسك العم هاشم بكتف " زينة " وشد عليه بحبٍ وحنان ولم يستطيع أن يمسك دموعه في تلك اللحظة فكانت الدموع أبلغ من الكلام .. وأصمت أعظم من التعبير ..
ساد الصمت أرجاء المكان وأصبح الجميع ينظر كل واحدٍ منهم إلى الآخر وحين لاحظ هذا والد " زهير " أراد أن يغير جو الصمت السائد بينهم .. فقال بصوتٍ واضح ليلتفت إليه الجميع :
- أيها الحضور .. لدي أمرٌ هام أريد أخباركم به الآن ..
أكمل حديثه بعد أن جمع بين ولده " زهير " وبين " زينة " وقربهما من بعضهما البعض ثم قال :
- لقد طلبت من ابنتي زينة الزواج من ابني الوحيد زهير ولكن الآن بعد عودة والدها فأنا أطلبها منه وأريد معرفة جوابه الآن حتى تصبح الفرحة فرحتين .. فما رأيك يا أبا زينة ..؟؟
وكان جواب والد زينة واضحاً في عينيه قبل أن ينطق به .. ثم طلب من والد زهير قبل أن يتم أي شيء أن يذهب بابنته حيث يسكن كي ترى والدتها فهي تنتظر مني خبراً ساراً كهذا وبعدها يعود فوراً ..
لم يمانع والد " زهير " على طلبه بل كان سعيداً من أجل سعادة " زينة " فهي تنتظر لقاء والدتها بفارغ الصبر منذ أكثر من عشر سنوات .. وطلب من ولده " زهير " الذهاب معهم وتوصيلهما حيث يسكن والد " زينة " ..
لم يستغرقوا وقتاً طويلاً في مشوارهم فقد قابلت " زينة " والدتها وهالها ما رأته عليه من سوء صحة وضعف حال .. ومن الفقر الذي كانا يعيشا فيه .. وقد نسيت كل آلامها وأحزانها حين ارتمت في حضنها وغرقت في حنانها وضمتها بحبها بعد حرمان سنوات عديدة ..
لم تستطيع والدة " زينة " الذهاب معهم لحضور خطبة ابنتها فالمرض قد هدَّ جسدها ونخر عظامها حتى كادت لا تستطيع المشي والوقوف على قدميها كما يجب .. فخرجت " زينة " من عندها بعد وعدتها بالعودة إليها بمجرد الانتهاء من الحفل .. كما وعدتها بإقامة حفل بسيط في بيت والدها لتكون بقربها وتسعد بجوارها وتعوض حرمانها السنين الماضية ..
وعاد الدكتور " زهير " ومعه خطيبته " زينة " ووالدها إلى الحفل ..واحتفل الجميع
بتمام الخطبة وبارك لهما كل الحضور وكان من بينهم الآنسة " راجية " التي كانت أول من هنأ " زينة " على حياتها مع رجلٍ رائع كالدكتور زهير ..
رغم السعادة التي كانت تشعر بها " زينة " والفرحة التي ملئت قلبها بقرب الحبيب " زهير " إلا إنها كانت كثيراً ما تشرد بذهنها وتسرح وهي تفكر بوضع والدتها وكيف تستطيع أن تخرجها من حياة البؤس والشقاء التي تعيش فيها .. وكانت كثيراً ما تتردد في التحدث مع " زهير " عن حال والديها وهل تستطيع أن تأخذهما ليعيشا معها في بيتها بعد زواجها منه .. وحين لاحظ " زهير " أنها تفكر كثيراً وتشرد بذهنها بعيداً عنه سألها قائلاً :
- لمَ كل هذا التفكير يا زينة ..؟؟ لا أحب أن أراك قريبة مني بجسدك وبعيدة بفكرك وذهنك عني .. فأنا أحب أن تكوني بقربي بقلبك وعقلك وجسدك أيضاً .. والآن قولي لي بماذا تفكرين ..؟؟
إنها اللحظة الحاسمة التي تستطيع فيها أن تتحدث وتقول كل ما يجول في خاطرها حتى تصبح الأمور أمامها أكثر وضوحاً .. وهي اللحظة المناسبة التي يمكنها معرفة رأي حبيبها " زهير " بما يشغل بالها وتفكيرها .. قالت له بعد لحظاتٍ من الصمت لم تطول كثيراً :
- زهير .. أنت تعلم أن والدي وأمي ليس لهما من يقوم برعايتهما ويهتم بهما سواي .. فأنا البنت الوحيدة التي وضعا كل آمالهما وعشمهما فيها .. وما يشغل تفكيري هو أنني لن أستطيع تركهما في هذه الحالة .. ولن يرضيك أبداً أن أجعلهما بعيدان عني بعد حرمان كل تلك السنين الماضية .. لذا أردت أن ...... !!
ولم يجعلها تكمل حديثها وقاطعها وهو يقول :
- ومن قال لك أنهما سيعيشان بعيداً عنك ..؟ أنا لن أكون قاسياً عليهما فقد عانا كثيراً وقسي عليهما الزمن أكثر .. كنت أنتظر الوقت المناسب كي أتحدث إليك بشأنهما وقد سبقتني أنت .. لذا أردت أن أطلب منك أن تأخــذي والديك ليعيشا معنا هنـا في البيت ونصبح
عائلة واحدة تحت سقفٍ واحد ..
كانت " زينة " سعيدة جداً بحديثه وبطلبه وأحست بالراحة والأمان بعد تلك الكلمات الحنونة .. وقالت له وهي تمسك بيده وتقبلها برقة :
- أنت رائع يا زهير .. أنت حقاً رجلٌ تعجز أمامه كلمات الشكر والعرفان .. أحبك ليتني أملك أكبر من هذه الكلمة معناً وحجماً لأقولها لك .. فأنت تستحق كل الحب والعطاء أحبك يا زهير .. أحبك ..
كانت تلك اللحظة التي جمعت بين " زهير " و " زينة " مشحونةً بكلمات الغرام والحب .. ومزهرة بنظرات العشق التي تكاد تنطق في عيناهما ..


 
 
رد مع اقتباس
 
 
   
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة








الساعة الآن 11:30 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
منتديات بال مون - منتديات رومانس مون
  PalMoon.net