صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

العودة   منتديات بال مون > منتدى الفن والأدب > منتدى روايات عبير وأحلام > الروايات العربية

الروايات العربية قسم مختص بعرض أشهر الروايات العربية






الرجاء استخدام خاصية البحث أدناه للبحث في الموقع:






إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-04-2016, 02:10 PM
الصورة الرمزية جنيــن
:: عضو مميز ::
______________
View جنيــن's Photo Album  جنيــن غير متواجد حالياً
 
قصاصات سرية اعترافات نسائية جريئة الرجـــال يمتنعــون





قصاصات سرية اعترافات نسائية جريئة الرجـــال يمتنعــون
للكاتبة سناء جعفر
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تجميع : فيتامين سي
شبكة روايتي الثقافية
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
المقدمة
في داخل كل منا تكمن نزعة غريبة للتلصص على الآخرين واختلاس النظر من وراء شقوق الأبواب المغلقة ... واستراق السمع خلف الفواصل الهشة .. هناك لذة غامضة يستشعرها المتلصص عندما يرى ما لا يراه غيره أو يتعمّد التنصت على حديث لا يرغب أصحابه في نشره خارج نطاق الموجودين .
أدرك بان البعض منكم قد مطّ شفتيه استهجاناً وهو يقرا كلماتي الصريحة عن فعل يمارسه معظمنا بطريقة مستترة .. وبعضنا الآخر بكل جرأة ... إذن يا قرائي الأعزاء سأطرح عليكم سؤالاً يحتاج لإجابة صادقة .. قولوها لانفسكم وليس لي .. فأنا قد تخطيت مرحلة الخوف من الاعتراف بعيوبي منذ زمن طويل ..
سؤالي لكم ... هل أتتكم فرصة لاستراق النظر أو اختلاس السمع وتهيأت لكم كل الظروف لممارسة هذه العادة المتأصلة داخل النفس البشرية وترفعتم عنها ؟؟ هل أغمضتم أعينكم عن مشهد يستحق المشاهدة ولكن ليس لكم حق مشاهدته ؟؟ هل صممتم آذانكم عن حديث حار وهامس يدور بسرية بين اثنين شاءت الظروف أن تكون أنت ثالثهما الذي لا يعلمان بوجوده؟؟
لو تحرى الجميع الصدق في الإجابة يعتريني الشك أنها قد تكون بنعم .. هل تدرون لماذا ؟؟ لأننا بشر .. والفضول جزء من تركيبتنا التي تدفعنا بصورة لا إرادية للتلصص ..
أنا اعترف بفضولي الزائد لمعرفة خبايا الآخرين وقد شاءت الظروف أن تضعني في مكان وزمان استطعت فيهما أن استرق النظر وتبحر حواسي في دفاتر يوميات نساء مختلفات لا يجمع بينهم سوى شغفهن الغريب لتدوين أحداث مرت بهن بكل صدق وتجرد لأنهن كتبنها لانفسهن ولم يحسبن حساب الأعين المتلصصة ... لقد قرأت قصاصات غاية في السرية لعشر نساء لا تجمع بينهن صلة غير نون النسوة ... وبما أني أدرك فضولكم ولهفتكم لمعرفة الأسرار التي تم تدوينها في لحظة فرح أو يأس .. حزن أو أمل .. قررت أن اقتسم معكم إثم التغلغل داخل حرمتها ... هذه القصاصات التي كتب بعضها بالدموع ... وبعضها بالدم .
عفواً لقد قمت بتغيير الأسماء والأماكن حفاظاً على خصوصية أصحابها ... وإذا تشابهت الظروف والأحداث مع امرأة تعرفونها .. سيكون الأمر مجرد صدفة بحتة .

وتابعوني ...

قصــاصــة مــن دفتـــر يوميـــــات عــانــس


الاثنين الأول من أبريل .. الساعة السابعة صباحاً ...

يا له من تاريخ ارتبط في أذهان الناس بالكذب المشروع ...اكره هذا اليوم ابغضه أتمنى لو كان بإمكاني أن أتحكم بالزمن فاعيد xxxxب الساعة إلى الوراء واشطبه من التقويم .. أن امحي ذكراه من الوجود وامحي وجودي ايضاً ... اليوم يصادف ذكرى ميلادي السادس والأربعين .... هل توافق تاريخ ميلادي مع هذا اليوم دلالة على أن حياتي بأكملها كذبة ؟؟ ربما كانت كذلك .. في كل سنة أكرر نفس السؤال .. لماذا ولدت ؟؟ ولأي هدف أعيش ؟؟ ما معنى حياتي ؟؟ كل لحظة تمر هي إعادة للحظات سابقة أو آتية .. بلا أمل ولا رغبة ... ولا يقين .
الساعة السابعة والنصف...
لابد أن انهض لامارس الروتين اليومي المعتاد قبل ذهابي إلى عملي الممل بالبنك .. ثم العودة منه إلي روتين البيت ... الأكل الذي فقد مذاقه منذ زمن طويل .. النوم الملئ بالكوابيس .. الفراغ العريض الذي يبتلع روحي وهكذا تمر أيامي
في طريقي إلى الحمام سمعت أصوات هامسة تخرج من غرفة أمي .. اندهشت لهذا الهمس المبكر .. نظرت من شق باب غرفتها الموارب لارى أمي بوجهها الصبوح الذي حفر عليه الزمن آثاره وهي تتطلع بانزعاج إلى وجه أخي الأصغر مجدي .. كان الحزن يصبغ ملامحها وصوتها
" يا مجدي يا ولدي كيفن بس عاوز تعرس وأختك لسة قاعدة ؟؟
كان همس مجدي الذي يصغرني بعشر سنوات يتلاشى بفعل العصبية .. وارتفع صوته بحدة خرجت عن حدود السيطرة
" يعني يا أمي عاوزاني اقعد استنى منار لمتين ؟؟ أنا ما صغير عمري ستة وتلاتين سنة .. عاوز أعيش حياتي زي باقي الناس ويكون عندي أسرة وبيت وأطفال ... منار خلاص ما عندها فرصة عرس بعد كدة وهي ذاتها مقتنعة بالشئ دة وما بتفكر في الموضوع خالص .. انتي بس العاملة منو قضية" ..
أغرقني صوت أمي في بحر من الألم " منو القال ليك ما بتفكر فيه ؟؟ يعني عشان هي صبورة وساكتة وما بتتشلهت على العرس ؟؟ مالها ؟؟ ما زيها زي باقي البنات ؟؟ ما نفسها تفــرح ويكون عندها راجــل وبيت وعيال ؟؟
كان رد مجدي الساخر كحقل شوك أجبروني على السير فيه حافية " يا أمي الله يخليك راجل شنو وعيال شنو بعد العمر دة ؟؟ إذا كانت مايسة الأصغر منها بخمستاشر سنة بتها قربت تدخل الجامعة .. منار خلاص سنها زاتو ما بقى يسمح بولادة ... وبعدين يا أمي ما أخواتي وأخواني كلهم اصغر منها وعرسوا .. اشمعنى أنا العاوزاني انتظرها ؟؟ ولو في أمل انو يجيها زول ما في مشكلة .. لكن منار خلاص كبرت شديد وبعد كدة ما أظن أي إنسان يفكر فيها .. حاجة تانية أنا البت العاوزها ما بتنتظرني اكتر من كدة .. بقى لي سنتين أماطل في بت الناس لمن حججي كملت لكن هسة هي قالتها لي صريحة لو ما عملت خطوة جادة واتقدمت لاهلها وحددت مواعيد العرس حتخليني وتتزوج واحد تاني .. تغيرت لهجته إلى الاستعطاف " يا أمي أنا بأحب البت دي وهي انسانة كويسة شديد ولو ضاعت مني ما بالقى زيها تاني .. حاولي تفهميني وتقيفي معاي "
يبدو أن لهجته ألانت قلب أمي الحنون " خلاص يا مجدي استنى بس لغـاية نهـاية السنة دي ولــو ما في زول اتقــدم لمنار امشــي عرس ما باقول ليك لا ..
انفجر مجدي صارخاً بوجه أمي الذي حاكى وجوه الموتى شحوباً " يا أمي خليك معقولة .. إحنا وين ونهاية السنة وين ؟؟ عاوزاني انتظر ثمانية شهور تاني ؟ حرام عليك .. انتي بس همك منار ؟؟ أنا ما ولدك ولا شنو ؟؟؟ وبعدين منار آخر ثلاثة عرسان جوها رفضتهم... نعمل ليها شنو إذا هي عاوزة راجل تفصيل ؟؟ .. مفروض تقتنع إنها خلاص كبرت وفرصها بقت ضيقة وتوافق على أي زول يجيها

انغرزت كلماته كالخنجر في قلبي ... فحملت قدمي وهرولت عائدة إلى غرفتي خوفاً من التهاوي ألما على عتبة باب أمي الموجوعة .
بداية سيئة ليوم قبيح ... كان مجدي محقاً .. لقد رفضت ثلاثة عرسان أتوني خلال السنة الماضية .. ولكن لاسباب منطقية ومعقولة ... ليس من اجل الرفض .. وليس لاني ابحث عن رجل تتناسب مقاساته مع خيالي .. سأنتقل إلى صفحات سابقة من دفتري لاذكّر نفسي بأسباب رفضي ..
العريس الأول .. عم أحمد .. نعم هكذا كنت ادعوه .. فقد كان صديق أبى المقرب ويكبرني بعشرون عاماً كاملة أي شيخ على أعتاب السبعين .. ماتت زوجته خالتي إحسان .. تزوج الأولاد والبنات فشعر بالوحدة وازدادت أمراضه .. أراد أن يعيد شبابه مع زوجة جديدة تصغره عمراً وتصلح أن تكون خادمة وممرضة في آن واحد رفضته برغم علمي بوجود الفياجرا في الأسواق ...
العريس الثاني .. المهندس أسامة .. كان يشرف على بناء بيت ميادة أختي التي تليني في العمر ومتزوجة منذ خمسة وعشرون عاماً وقد أصبحت جدة منذ فترة قصيرة .. رآني صدفة عندما ذهبت أتفقد سير البناء تحت إلحاح بنات شقيقتي ... عرض علي الزواج شريطة أن اترك عملي .. واتفرغ تماماً لرعاية أولاده الثلاثة ... صبي في السادسة عشرة من زوجته الأولى المتوفاة .. فتاتين في العاشرة والسابعة من زوجته الثانية التي طلقها لأنها لم تحسن معاملة ابنه المراهق فتركت له بناته وتزوجت هي الأخرى ..بالطبع رفضته لأنني مقتنعة بعملي كرئيسة قسم الاعتمادات بالبنك الوطني وليست لي رغبة في استبداله بوظيفة مربية بدوام كامل ...
العريس الثالث ... الموظف الجديد تحت إمرتي في القسم .. يصغرني بسبع سنوات لم يتزوج لضيق ذات اليد .. أتاني خاطباً بدعوى الحب كدت اقتنع وأتغاضى عن فارق العمر تحت ضغط أمي وأخواتي .. لولا مكالمة أتتني قبل الموعد المحدد لعقد القرآن بأسبوع من فتاة باكية تخبرني فيها بأنها حبيبة زوجي المنتظر منذ خمس سنوات وانه يعتزم الزواج مني فقط لتحسين وضعه المادي وضمان راتبي الكبير وبيت أسرتي الفسيح وسيارتي الفخمة .. رفضته لأنني اعمل في بنك .. لكني ارفض أن العب دور البنك .


الساعة التاسعة ...
ما زلت مستلقية على سريري فقدت الرغبة في الذهاب إلى العمل اليوم .. من حقي الحصول على يوم عطلة امتلك رصيدا هائلاً من الإجازات .. كلما فكرت في اخذ إجازة ينتابني الفزع من فكرة البقاء وحيدة أو تكرار الزيارة إلى بيوت أخواتي المتزوجات .. لم تعد لي صديقات مقربات منذ فترة طويلة .. مع تقدم العمر وزواج الأغلبية وتغير الاهتمامات المشتركة تباعدن عني واحدة تلو الأخرى .. حاولت جاهدة التمسك بروابطنا وان أظل جزء من حياتهن ولكن في كل مرة يأتيني إحساس كريه بأنهن يتعمدن إقصائي والتباعد عني .. في نهاية الأمر حثتني طبيعتي الواضحة على طرح السؤال الصعب عن سرّ التغير في المعاملة .. فكرت في كل الاحتمالات إلا ما صرحّت به تلك التي كانت أقربهن إلى قلبي ... " منار ما تزعلي مني ولا من الباقيات .. وجودك في حياتنا بقى مشكلة .. إحنا الولادة والشغل بهدلونا وانتي لسة قاعدة سمحة ومهتمة بنفسك شديد .. بصراحة كل ما تجي لواحدة مننا بعد ما تمشي رجالنا بياكلوا لحمنا بيك .. شوفوا صاحبتكم قاعدة كيف جميلة ورشيقة وانتو بقيتوا زي البقر ومنكشات .. شوفوا صاحبتكم وصلت وين في شغلها وانتو محلك سر .. بعد كل زيارة منك بتحصل المقارنات وبصراحة ما بتكون في مصلحتنا وبعدين يا منار انتي عارفة زوغان عين الرجال .. إحنا واثقين فيك لكن ما واثقين في رجالنا بالذات انتي وظيفتك كبيرة ومرتبك عالي ... ودة في حد ذاته إغراء ما بيقدروا يقاوموه .. إحنا قلنا بس نزح البنزين من جنب النار .. لكن والله معزتك في مكانها ولو عاوزانا نجيك في أي وقت انتي تحدديهوا في بيتك كلنا تحت امرك" كانت كلماتها تصيبي بالغثيان والرغبة في تقيؤ كل سنوات الصداقة التي ربطت بيننا فقطعت علاقتي بكل من اسميتهن صديقات .. بدات ادفع ضريبة عدم زواجي .. وصدقوني كانت باهظة ومؤلمة ...وعلمت فيما بعد من أخرى قابلتها صدفة بان قرار إبعادي أخذته تلك التي كنت أظنها الأقرب ألي ّ وحدث ذلك بعد أن عبّر لها زوجها عن إعجابه بي كانسانة محترمة وجميلة ومثابرة في عملها .. فما كان منها إلا أن أعلنت الحرب على وجودي و أقنعت البقية بخطري عليهن .

الساعة الحادية عشرة ...
لبست اجمل ثيابي ..تعطرت بأغلى عطوري وخرجت من غرفتي .. كان الصمت يعم المكان بعد خروج مجدي .. مررت بغرفة أمي ونظرت بحزن إلى وجهها النائم وآثار الدموع ما زالت محفورة على خديها المتغضنين .. مررت بالمطبخ وذكرّت الخادمة بمواعيد دواء أمي ووجبتها .. قدت سيارتي وخرجت ..
هل تدرون إلى أين ؟؟ خرجت ابحث عن رجل بمسمى زوج كي يمنحني أهلية الدخول إلى بيوت صديقاتي ويرفع عني حظر الاقتراب من أزواجهن .. رجل بمسمى زوج يمنحني حق الانتماء إلى عالم النساء ... رجل يسحق عائق وجودي في طريق مجدي فيتزوج قبل أن تضيع فرصته .. لقد سئمت من نظرات الإشفاق في عيون الجميع .. وكرهت الأسئلة المحبوسة في عيون كل من يراني عن سبب عدم زواجي حتى الآن ... سئمت خوف الزوجات وتغامزهن لحظة وصولي إلى أي مجتمع ... وكلماتهن الممطوطة الجوفاء " والله يا منار الرجال ديل عميانين .. معقولة انتي بحلاوتك دي كلها ما شايفنك ؟؟ "... " والله يا منار انتي في نعيم .. كدة احسن ليك مرتاحة من قرف الرجال والأطفال .. عايشة حياتك زي ما أنتي عاوزة .. لا راجل يتحكم فيك ولا عيال يستنزفوا عمرك "
من أعطاهم حق تحديد الأحسن والأسوأ في حياتي ؟؟ من اخبرهم أنى سعيدة بحياتي الخاوية من كل انتماء ؟؟ إذا سألوني رأيي سأقول لهم لا أمانع في الحصول على رجل يملاني قرفاً وحباً .. رجلاً يملاني ضجيجاً وحناناً .. أتوق للحصول على أطفال يحملون ملامحي وطباعي وامنحهم مخزون الحب المحبوس في أعماقي ولا أجد له متنفساً ..
أعلنها صريحة ... أريد زوجاً .. اعرض لقب عانس للبيع ... وسأدفع كل ما املك لمن يشتريه ... فهل من مشتر ؟؟...
قصاصة سرية من دفتر يوميات فتاة مجنـــونـــة

الخميس العاشر من سبتمبر الساعة الرابعة عصراً ...

انه احب الأيام إلى قلبي ... انه يوم الزيارة .. وسوف تأتى شقيقتي لزيارتي ... إنها الوحيدة التي تزورني منذ أن أودعني أبى مستشفى الأمراض العقلية ... برغم أني لا أعاني أي مرض ... أنا لست مجنونة أتمتع بكامل قواي العقلية .. مشكلتي الوحيدة أنى احب طعم الدم .. هل من الجنون أن يحب الإنسان طعم الدم ؟؟ لا اعتقد خصوصاً إذا امتزج بالحليب .. وبرائحة أمي .. هل تذوقتم مزيج الحليب بالدم ورائحة أمي ؟؟ ميقنة بانكم لم تفعلوا .. لان هذا المزيج خاص بي أنا فقط .. لم يتذوقه غيري ... لانه يومها لم يكن هناك أحد غيري في المنزل .. فقط أنا وامي ..
كنت في الثانية من عمري .. وما زلت ارضع ثدي أمي برغم احتجاجات أبى المتواصلة على إصراري رفض كل الأطعمة والمشروبات عدا حليب أمي .. يعتقد أنني كبرت على الرضاعة ... ههة انه غيور .. يغار من حب أمي لي لانه لا يمنحه مساحة كافية ترضي أنانيته البغيضة في الاستحواذ عليها .. أمي المسكينة الضئيلة الحجم ... وضئيلة العقل ايضاً .. كانت امرأة خائفة بصفة مستمرة .. فهي تخاف الناس والأصوات العالية .. تخاف الظلام والحشرات .. وتخاف أبي .. إنها تتنفس الخوف وتعيش به ... استشعرت خوفها بحسي الطفولي وحاولت أن أخرجها من عالمها المتحوصل حولنا أنا وأبي .. عندما بدأت أحبو اتجهت قوائمي مباشرة إلى الباب الخارجي في محاولة لاستكشاف ما يخيف أمي وراء جدران بيتنا الصغير .. لكنها لم تنحني الفرصة فقد انتزعتني بذعر هائل من العتبة الخارجية واصبح عالمي محصوراً في مسافة امتداد الحبل الذي يربط قدمي الصغيرة بقائمة السرير الخشبي القديم في غرفة نومها ... لم اهتم بالقيد كثيراً فقد وجدت ما يشغلني .. مجموعة من الحشرات الصغيرة التي اعتادت زيارتي بانتظام .. وملاحقة خطواتي المقيدة عندما أحاول الهروب منها ومن لسعاتها المؤلمة .. وبرغم ذلك نشأت بيننا علاقة سرية قوية .. كنت أدرك خوف أمي منهم .. لكنهم أصدقائي ولن ادعها تتخلص منهم .. من سيؤنس وحدتي إذا فعلت .. فهي مشغولة بامور أخرى خارج نطاق فهمي وتتركني وحدي فترات طويلة .. لذلك اعتدت على إخفائهم تحتي حال سماعي خطوات أمي حتى لا تذهب بهم بعيدا .. لكن اعتقد انهم لا يرغبون في الاختفاء لانه بعد رحيلها يرفض معظمهم معاودة الحركة واللعب معي .. يظلون في سكون تام والقلة القليلة التي تتحرك تهرب مني بحركة مترنحة حالما ارفع جسدي الصغير منها ...
كان انطواء أمي يزداد بمرور الأيام .. ورغبتها في التقوقع والعزلة تتنامى .. أصبحت ترفض الخروج أو استقبال الزوار برغم محاولات أبي المستميتة لجعلها تعيش حياة طبيعية .. وفي يوم غائم ومكفهر خرج أبي إلى عمله بعد أن اخبر أمي بأنه سيعود ومعه زوار أتوا من بلدته البعيدة .. أمرها بإعداد طعام لائق وتنظيف المنزل .. والاستحمام .. ههة نسيت إخباركم بان أمي خاصمت النظافة منذ أمد بعيد ... فقد أصبحت تخاف الماء ايضاً ...
بعد خروج آبي حملتني أمي كالمعتاد وأغلقت الباب من الداخل .. أرضعتني حتى غفوت كان نوماً مليئاً بالأحلام .. ولكن هل يحلم من هم في مثل عمري ؟؟ لا ادري لكنني كنت احلم بألوان جميلة ومساحات واسعة .. وقدم لا يربطها حبل ... صحوت على وقع الصمت الثقيل الغريب .. زحفت خارج فراشي الأرضي الذي صنعته أمه أمانا لي مخافة الوقوع من مكان عال .. وبخطوات متعثرة اتجهت إلى الخارج بحثاً عنها ... ووجدتها .. كانت نائمة على الأرض بوضعية غريبة .. عيناها مغمضتان بسكون ... يداها مضمومتان على صدرها ... ومن حولها انتشرت بقعة لون احمر داكن .. نفس اللون الذي أراه في أحلامي .. كنت جائعة زحفت بهدوء كيلا أوقظها من نومها .. دفعني فضولي لمعرفة ماهية هذا اللون الذي يملا كل مكان في جسد أمي الضئيل .. عندما أعياني البحث وغلبني الجوع
أزحت يدها عن صدرها وبحثت عن مصدر غذائي حتى وجدته كان مليئاً بالحليب .. وملطخاً باللون الأحمر الداكن .. لم اهتم فأنا جائعة .. كان الطعم غريباً لكني جوعي كان أقوى فواصلت الرضاعة .. أغراني سكون أمي بارتشاف اكبر كمية ممكنة من المزيج الأبيض والأحمر .. بعد الشبع وكعادة الأطفال عدت إلى النوم في حضن أمي الذي أدهشتني برودته فقد اعتدته دافئاً ..
لم ادر كم مضى من الوقت ونحن نيام فقد استيقظت فزعة على صراخ آبي وهو ينتزعني من حضن أمي البارد ... وفجأة امتلا بيتنا الخالي دوماً بإعداد كبيرة من البشر .. كانوا يصدرون أصوات عالية ومزعجة .. وجدت نفسي أتنقل بين الأذرع الغريبة وأنا اصرخ مطالبة بان يعيدوني إلى حضن أمي ...



 
 
رد مع اقتباس
 
 
   
  #2  
قديم 05-04-2016, 02:11 PM
الصورة الرمزية جنيــن
:: عضو مميز ::
______________
View جنيــن's Photo Album  جنيــن غير متواجد حالياً
 
قصاصات سرية اعترافات نسائية جريئة الرجـــال يمتنعــون



آهـ ... كم أتوق إلى هدوء بيت أمي وعزلتها عن العالم .. كم اكره زحام بيت أبي واكره الأصوات التي تملاه .. كم اكره الناس كلهم ... لقد عثرت زوجة آبي على دفتر يومياتي الذي أخبئه بكل حرص .. قرأته بكل وقاحة .. أعطته لأبي كي تدلل به على جنوني الوراثي .. فما كتب فيه لا يمكن أن يصدر عن طفلة في الثانية عشرة من عمرها .. وهو يظهر بوضوح اختلال عقلي وجنوني الخفي الذي قد ينفجر في أي لحظة .. خاف آبي من دفتري فمزقه إلى قطع صغيرة واحرقه .. لقد قتل آبي صديقي الوحيد الذي أودعته أسراري منذ أن تعلمت الكتابة والقراءة .. الوحيد الذي يسمعني ويفهمني .. الوحيد الذي لا ينعتني بالجنون ... لحظتها فقط أحسست بجوع إلى طعم الدم ...
في تلك الليلة تسللت إلى المطبخ واخترت سكينا كبيراً وحاداً .. جلست في الظلام ارقب آبي حتى خرج إلى الصلاة .. ودخلت إلى غرفة الشريرة التي تسببت في مقتل صديقي .. كانت ضربة واحدة أودعتها كل قوتي وحقدي لهذه المرأة التي احتل مكان أمي في قلب آبي .. لم تصرخ .. فقط فتحت عينان فزعتان للحظة ونظرت في عمق عيوني ثم أغمضتهما إلى الأبد .. ولم يكن طعم دمها كطعم دم أمي .. لا باس .. ربما أجد الطعم الذي ابحث عنه في دم أطفالها القذرين .. فهم مثل أمي يكرهون الماء ويقاطعون الاستحمام ...
ههة .. أيقنت الآن انه ليس هناك طعم دم شبيه بدم أمي .. ولكن هناك مشهد شبيه .. عودة أبي من الصلاة وصراخه .. أمواج البشر التي توافدت إلى بيتنا .. أصواتهم المزعجة ..
واخيراً ... هدؤ تام .. مثل هدؤ بيت أمي .. فقط من وقت لآخر يزعجونني بجلسات مع رجل وقور يتصنع الشجاعة في مواجهة نظراتي الثابتة .. ويطلب مني أن اخبره عن سبب إقدامي على قتل زوجة أبي وأطفالها ... انهم لا يفهمون .. لم أرد قتلهم .. فقط كنت ابحث عن طعم دم أمي ...
اقترب موعد الزيارة .. لقد وافقت على الاستحمام استعداداً لحضور أختي وطلبت أن يمنحوني ورقة وقلماً حتى اكتب رسالة لأبى تحملها أختي عند مغادرتها .. الممرضة التي اقتنعت بشفائي خلال الفترة التي قضتها معي منذ سنوات .. أحضرت لي ورقة بيضاء وقلم رصاص .. لكن ما هذا ؟؟ سنة القلم مكسورة .. كيف يريدونني أن اكتب بسنة مكسورة ؟؟ ماذا يظنونني ؟؟ مجنونة ؟؟ طلبت من الممرضة بهدؤ أن تسن القلم حتى أستطيع الكتابة بخط جميل سوف اطلب من أبي أن يأتي لزيارتي .. فقد رفض أن يزورني منذ كم من الوقت ؟؟ لا ادري ربما عشر سنوات أو اكثر منذ آخر لقاء لنا ..
أتت أختي .. أنها تشبهني كثيراً ... نفس الملامح والطول .. حتى وزني المتهاوي تشابهني فيه .. جلسنا .. تسامرنا سألتها عن آبي أخبرتني بأنه تزوج مرة أخرى وانجب طفلة وحيدة أعطاها اسمي .. كنا نضحك بحبور ... وفجأة .. شعرت بالجوع ... يا الهي احتاج إلى رضعتي .. عفواً اقصد وجبتي ... نظرت إلى أختي اللاهية عني بالنظر حولها .. كان العرق الموجود في عنقها النحيل ينبض بإغراء .. حاولت أن أقاوم بكل ما املك من إرادة .. اعذروني لم استطع .. فهويت بقلم الرصاص المسنون على ذلك النابض المغري ...
آهـ .. أخيرا .. طعم دم شبيه بدم أمي ... نفس المذاق .. كم احب هذا المذاق .. كم بحثت عنه منذ طفولتي ..
ما هذا الصوت المزعج ؟؟ إنها الممرضة .. لقد أصيبت بالجنون .. لابد انه تأثير مخالطة المرضى .. أنها تصرخ بهستريا .. إنها تحاول أن تخنقني ... إنها تضغط بكلتا يديها على عنقي النحيل ... لا استطيع التنفس ... طعم الدم يملا حلقي ... أمي .. أنا أراك .. أري يدك الممدودة إلى ... أشم رائحتك .. أخيرا سأعود إليك ونبقى سوياً ..

ملحوظة :
كتب في تقرير الطبيب الشرعي الذي عاين الجثة بان الضحية طعنت نفسها بقلم حاد في الشريان الرئيسي في العنق وكان اندفاع الدم قوياُ حيث فشلت محاولات الممرضة لإنقاذها عن طريق الضغط عليه .

كتب في تقرير الطبيب النفسي أن المذكورة أدخلت المصح منذ عشرة أعوام بعد أن قتلت زوجة أبيها وأطفالها .. وكانت هناك شكوك بأنها ربما شربت القليل من دمائهم .. .. هي شخصية ذهانية مصابة باكتئاب حاد وانفصام في الشخصية بصور لها وجود أخت تشبهها وتتكلم معها .. وتعاني من ميول انتحارية قوية وربما تلعب الوراثة دوراً فقد انتحرت والدتها بقطع شرايين يديها عندما كانت المذكورة طفلة في الثانية من عمرها ...
قصاصة سرية من دفتر يوميات امرأة مطلقة

الاثنين 17 يوليو الساعة 3:15 فجراً ...

يا لها من ليلة جافاني فيها النوم بإصرار عنيد .. اشتكى السرير القديم من فرط حركاتي القلقة تجعّد الفراش تحتي بانبعاجات غريبة .. رافة به نهضت عنه ونظرت إلى وجه أختي النائمة بسلام حسدتها عليه .. حملت خطواتي بهدوء كي لا اوقظها واتجهت الى الطاولة الموضوعة قبالة الحائط في ركن الغرفة .. اخرجت دفتري الاحمر وقلمي الازرق وقررت ان ادون مذكراتي عن هذا اليوم الحزين بكل فرح .. يحق لي ان افرح برغم حزن الباقيين .. فاليوم حصلت على ورقة طلاقي بعد صراع مرير استمر سنتين كاملتين مع زوجي .. او ربما يجب ان اقول زوجي السابق ؟؟ عشت معه خمس سنوات لم اعد بعدها اطيق الحياة معه .. هذا الرجل القمئ ذو الانفاس النتنة .. منذ اول ليلة اكتشفت أي نوع من الرجال هو .. مخلوق محدود التفكير منعدم الطموح اعتمد على ميراثه الضخم من والده المتوفي حديثاً ليحل له كل مشاكله بما فيها شراء زوجة جميلة .. متعلمة ومن اسرة فقيرة .. فرح اهلي بالصفقة فقد كانت رابحة .. بالنسبة لهم على الاقل .. الخلاص من مسئولية فتاة اخرى على اعتاب الثلاثين .. والفوز بصهر غني قادر على تنفيذ كل الطلبات بسخاء .. انتزعوا موافقتي بعد ممارسة كل انواع الضغط من امي الملحاحة وابي المصرّ واخوتي المتاملين الطامحين في الحصول على جزء من ارباح الصفقة .. بالاضافة الى ضغط واقع بيتنا المتهالك وحاجتنا الماسة الى الدعم الموعود من الزوج الثري بصيانة المنزل .. ومن في المنزل ..
كرهته من أول يوم خصوصا بعد ال العنيف الذي مارسه بكل قسوة متجاهلاً خوفي وتعبي وحاجتي إلى التعود على وجوده الثقيل .. ناهيك عن رغبتي في التقيؤ وانا اراقب اسلوبه الهمجي في ابتلاع كميات هائلة من الطعام .. اصراره على الكلام وفمه ممتلئ به .. التجشؤ بصوت كالرعد بعد كل قضمة تدخل جوفه البدين ..
لقد بذلت أقصى ما املك من إرادة وقدرة على التحمل لإنجاح هذا الزواج .. وبعد ثلاث سنوات استنفذت كامل طاقتي خصوصاً بعد ان يئست من الحصول على طفل يملا حياتي ويلهيني عن زوجي الذي انحصر تفكيره طيلة وجوده في المنزل بين شيئين لا ثالث لهما .. تناول الطعام .. وسحبي إلى السرير كلما حلا له الامر .. في أي وقت وبدون مراعاة لمشاعري ورغباتي ... اذداد قبحاً ونتانة بعد ان اكد لنا الطبيب سلامتي من أي مانع يحول دون حملي .. وان زوجي العزيز يعاني خللاً يستحيل معه الانجاب ...
بمرور الأيام تطور سوء المعاملة ليصبح عنف جسدي يحاول أن يعوض به عجزه في إنجاب وريث يثبت به رجولته المهدورة كل يوم على فراش الخادمة المثيرة التي أحضرها خصيصاً من بلدها بمواصفات خاصة كي يعيش معها أوهام السيد المتملك بعد أن اصبح جسدي لوح خشبي في مواجهة رغباته المهينة اللامتناهية .. طلبت الطلاق اثر ضربه لي بوحشية بعد نقاش بسيط بيننا .. رفض هو .. ورفض اهلي بشدة اكثر منه مع اختلاف الدوافع ... رفضه كان محاولة يائسة لاذلالي عن طريق رهن حريتي في سجنه الفخم .. اما رفض اسرتي المتوقع فقد كان مخافة انقطاع الدعم المادي الذي اشترى به زوجي رضاهم وسكوتهم عن ما يحدث لي ... في أول فرصة للهرب جمعت اغراضي ووضعت اهلي امام الامر الواقع .. لقد عدت اليهم كما خرجت .. ولن ارجع إلى زوجي الا جثة هامدة .. لم يستطيعوا الوقوف امام عنادي واصراري فسكتوا على امل أن تهدا النفوس واعود إلى صوابي ... إلى الدجاجة التي تبيض لهم ذهباً ... لم يساندوني فلجات إلى المحكمة واوكلت قضيتي إلى احدى صديقاتي وهي محامية اشتهرت بكسب قضايا الطلاق الصعبة .. واخيرا اتاني عمي الذي يقاربني في العمر وبعد جلسة مصارحة طويلة قصصت له فيها أي نوع من الحياة كنت اعيش .. قرر مساندتي في طلب الطلاق ... بل اقنع ابي بالموافقة على أن اعمل حتى اشغل وقتي واساعد في مصاريف المنزل .. وبعدما اتت الموافقة حصل لي على عمل في احدى شركات التامين كسكرتيرة لصديقه مدير الشركة ...
حصرت علاقاتي بالجميع .. خصوصا الزملاء الرجال كنت حريصة على اخفاء مشاكلي الزوجية وجعلت الجميع يعتقد انيي اعيش حياة طبيعية ...كما قال المرحوم احمد زكي في فيلمه الذي يحمل نفس الاسم ( انا لا اكذب ولكني اتجمل ) .. وبما انني في نظر الجميع متزوجة فقد احترم البعض رغبتي في التباعد وعدم الاختلاط .. ولكن افتضح سر خلافي مع زوجي عندما ايقن بخسارته للقضية فاتى الى مكان عملي .. وكان مشهداً مجانياً مغرياً للعيون الفضولية توزعت فيه النظرات الشامتة بيني وبين زوجي بسبابه البذئ الذي ختمه بتهديد صريح بتعليقي بين السماء والارض حتى اموت ..
بعدها تغيرت طريقة المعاملة .. واسلوب التعامل .. كثرت التلميحات المتوارية .. الكلمات المبطنة بمعان اخرى .. اصبحت الزميلات اكثر حذراً واقل وداً ... كان هذا قبل ان استحق لقب مطلقة .. يا ترى كيف سيكون الحال بعد الطلاق ؟؟ لا استطيع ترك وظيفتي فانا احتاج الى الراتب لتوفير احتياجاتي .. اضافة الى المساهمة في مصروف البيت ومحاولة تعويض الاسرة عن المبلغ الذي اعتاد زوجي السابق دفعه اليهم كل شهر
أحس بصداع قاتل ... تجازوت الساعة الرابعة والنصف صباحاً اصبحت عيناي ثقيلتان وتنبعث منهما حرارة قاتلة ودموع لم اعد استطيع التحكم بها .. لقد طلبت اجازة لمدة اسبوع حتى استعد لمواجهة الحياة بعد ان تنازلت عن لقب زوجة وسعيت وراء لقب المطلقة بمحض اختياري ... ساتوقف الان عن الكتابة .. غداً يوم آخر ...


الخميس 2 يوليو .. الساعة الخامسة صباحاً ...
اشتقت إلى دفتر يومياتي .. كانت الأيام الماضية عصيبة ومرهقة جسدياً ونفسياً ولم اجد الوقت ولا الطاقة للكتابة .. عدد كبير من الناس توافدوا ليقدموا واجب المواساة في طلاقي .. وتوالت الدعوات باصلاح البين مع زوجي وانا ادعو الله بكل حرارة و بعد كل دعوة " اللهم لا تستجب .. " وسط كل هذا كنت احاول التاقلم مع ما يدور حولي واستيعاب قدرة البشر على تغيير مواقفهم غضب ابي .. حزن امي .. وارتباك اخوتي ..
بالأمس أحسست باني اختنق فقررت الخروج لزيارة رقية صديقتي منذ الطفولة .. بدا التحفز على وجوه الجميع عندما اعلنت نيتي في الخروج .. اتتني امي بنظرات خائفة " سهيلة ؟ انتي صحي قلتي ماشة لرقية ؟؟ اجبتها بتحدى ..ايوة يا امي انا متضايقة وعاوزة اطلع شوية اشم هوا غير هوا البيت الملان نكد دة .. ومحتاجة اتكلم مع زول قريب لي .. انتي عارفة اني ما برتاح لزول قدر رقية " نظرت الي بغرابة وتمتمت بكلمات لم يسعني سماعها " في شنو يا امي ؟؟ مالم بتتكلمي تحت تحت ؟؟ عندك اعتراض اني امشي لرقية ولا شنو ؟؟
نظرت إلى طرف ثوبها وقامت بانتزاع خيط وهمي تشاغلت به عن النظر إلى وجهي ثم ردت بخفوت " يا سهيلة يا بتي انتي هسة وضعك اختلف .. يعني ما مفروض تدخلي وتطلعي زي زمان .. لسان الناس ما بيرحم وانتي خلاص بقيتي مطلقة .. كانت الكلمة كرصاصة صوبت إلى راسي بعد حكم اعدام سريع بلا قاض ولا محلفين ... وكان الدفاع انا .. " امي ؟؟ دة كلامك ولا كلام ابوي ؟؟ شنو يعني مطلقة ؟؟ يعني عشان اتطلقت خلاص بقيت ناقصة .. محتاجة وصاية ومراقبة ؟؟ .. انا لا اول واحدة ولا آخر واحدة تتطلق .. المفروض عشان الشئ دة حصل احبس نفسي وما اطلع ؟؟ يكون في علمكم انا اجازتي حتخلص يوم الاتنين ونازلة شغلي عادي .. موضوع الطلاق دة خلاص انسوه " ضربت امي صدرها بيدها للدلالة على عدم تقبلها لكلامي " فضيحتنا .. شغل شنو العاوزة تمشيه ؟؟ انتي مجنونة ؟؟ عاوزة الناس تاكل وشنا ؟؟ كيف تشتغلي وانتي مطلقة ؟؟.. اجبتها بتحدي " ولو ما اشتغلت منو حيصرف عليّ ؟؟ وانتو حتتملوني لو ما ساهمت في مصاريف البيت ؟؟ يا امي خليكم ناس واقعيين وبطلوا الكلام الفارغ دة .. انتو محتاجين لمرتبي اكتر مني واسكتها ردي على الفور .. وهمت بالخروج ثم التفتت مرة اخرى " طيب يا سهيلة موضوع الشغل دة لمن نشاور ابوكي فيه لكن كدي هسة ختي الرحمن في قلبك واقعدي .. ما تقولي طالعة لانو ابوك هايج شديد وانا ما عاوزاكم تتشاكلوا .. بكرة الصباح لمن يطلع امشي لرقية وارجعي قبل ما هو يجي ..
وهكذا يا دفتر الحبيب حدد طلاقي حقي في الخروج ووضعني تحت الإقامة الجبرية ...

الجمعة 21 يوليو الساعة الثانية ظهراً ...
ذهبت اليوم إلى منزل رقية برغم رفض آبي وتعنت آخي .. لقد نسينا أن اليوم الجمعة اصبح تشابه الأيام مملاً .. ومخيفاً .. لكنني اصريت على حقي في الخروج ووقفت امام وجه آبي العابس واخي المكفهر وهما ينظران الي بتوتر " ابوي انا ما قادرة افهم .. يعني مفروض احبس نفسي في البيت عشان اتطلقت ؟؟ انا ما باعمل حاجة غلط .. وما عندي نية اسجن روحي بسبب طلاقي .. لو أي واحدة اتطلقت اهلها حبسوها كان كل بيت في السودان بقى سجن .. صمت آبي وتكلم الشقيق الذي اكبره بستة اعوام " سهيلة .. لازم تعرفي انو طلاقك غيّر حاجات كتيرة .. بقى وضعك حساس ولازم تعملي حسابك على أي حركة وتصرف .. وبعدين تعالي شنو التوب الانتي لابساه دة ؟؟ مبهرج زيادة عن اللزوم .. والجيبة في نص ساقك وبلوزتك نص كم .. لازم تغيري طريقة لبسك وتاني ما تختي مكياج في وشك وانتي طالعة .. انتي خلاص بقيتي مطلقة ...

الاثنين 24 يوليو الساعة الخامسة عصراً ...
آهـ ... كم أنا متعبة .. تعاني روحي من الارهاق والتشتت .. انتهى اسبوع الاجازة وعدت إلى عملي اليوم .. لحظة وصولي المكتب رايت الغمزات تتطاير من عين لاخرى .. والهمسات تتناثر باستتار مفضوح .. تجاهلت الجميع واتجهت إلى مكتبي اغلقت بابي وغرقت في حزني وتوجسي مما هو آت ...
عند منتصف النهار كان خبر عودتي قد انتشر في الشركة فتوافد الزملاء والزميلات إلى مكتبي بحجج واهية ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب .. وتباينت النظرات بين متعاطفة وشامتة ... وطامعة ...
آخر النهار وعند وقوفي أمام بوابة الشركة بانتظار بص الترحيل الجماعي .. اقترب مني اكثر من زميل عارضاً خدمة توصيلي .. هذه الخدمة التي لم تكن متوفرة طيلة الفترة السابقة عندما كنت متزوجة .. فلماذا الآن ؟؟ بالتاكيد لانني مطلقة ... يا لها من كلمة ...

الأحد 3 يوليو ..
اصبح الوضع في الشركة لا يطاق .. باتت عداوة الزميلات واضحة ومفضوحة .. المتزوجات منهن والعازبات .. تكتل الجميع ضدي لممارسة سياسة العزل والاقصاء بلا رحمة .. غابت التحايا الودودة .. انتهت جلسات الشاي والفطور المشتركة .. وبدا التحفز ياخذ منحى جديداً باطلاق الشائعات عن بحثي لرجل يلعب دور البديل للزوج .. شريطة ان لا يكون زوجاً .. هل فهمتم قصدي ؟؟ ما اقبح عالم النساء .. وما اشد كيد النساء للنساء .. وما اقبح عالم الرجال .. وما اشد طمعهم ودناءة نفوسهم ...
مديري صديق عمي الذي ربطتني به علاقة ود واحترام ... احسست به اليوم يقف وراء ظهري وانا أعيد ترتيب الملفات في الادراج .. كاد يلتصق بي .. سمعت انفاسه اللاهثة في اذني وجاءني صوته كالفحيح وهو يسالني " سهيلة .. محتاجة مساعدة ؟؟ " منذ متى اصبح المدير يساعد السكرتيرة في ترتيب الملفات ؟؟ اجبت بلا وانسحبت بهدوء وحزم .. انزويت وراء مكتبي احتمي به من محاولة التقرب المثيرة للاشمئزاز .. واخفي وراءه دهشتي من تلاشي الاحترام الذي كان يسود بيننا .. واتساءل اين ذهب ؟؟ هل انتهى بانتهاء لقبي كزوجة ؟؟
السبت 5 أغسطس ...
اليوم قدمت استقالتي من عملي .. لقد تعرضت لاقبح موقف قد تمر به امرأة محترمة .. تعرضت لمحاولة انتهاك كرامتي وتدنيس اعتزازي بنفسي .. برغم محاولاتي المستميتة للاحتفاظ بوظيفتي وتجاهل تصرفات مديري والتجاوز عن اسلوبه الذي بدأ تتخذ طابع الوقاحة .. الا انه لم يرتدع .. اليوم حضر مبكراً على غير العادة وطلب مني موافاته .. بنظرة غريبة أخافتني امرني بالجلوس في الكرسي المواجه له .. فتح درج مكتبه واخرج كيس صغير انيق .. وضعه امامي وطلب مني فتحه .. بتردد تناولت الكيس وفتحته فاصطدمت يدي بصندوق طويل من المخمل الناعم ويوحي مظهره بما يحتويه .. مادت الأرض تحت اقدامي .. أغمضت عيني وأنا أدعو ربي في سري أن تخطئ توقعاتي .. وكان واضحاً بأنه هو من اخطأ في فهم ردة فعلي .. نهض بسرعة من خلف مكتبه وتقدم نحوي بخطوات مترنحة وجلس في الكرسي المقابل " سهيلة دي هدية بسيطة اعبر بيها عن إعجابي الشديد بيك ... أتمنى تقبليها عشان تبقى عربون محبة بينا .. وانخفضت طبقة صوته حتى صار اقرب للهمس وبلا انذار قبض على يدي المرتجفة وبدا يسحقها تحت ضغط يده ... حاولت ان اسحبها لكنه امسك بها بقوة أخافتني وظهر الفزع في عيني ... " ما تخافي يا سهيلة انا انسان رقيق ومليان حنان وما لاقي الاديه ليه .. يمكن تقولي في سرك ما اديه لزوجتي .. حاقول ليك من زمان هي بقت في وادي وانا في وادي تاني .. مشغولة بالبيت والعيال وما حاسة بي ولا باحتياجاتي ..ما قادرة تديني الانا عاوزه ... ازداد الدوار في رأسي ويده تواصل سحق يدي بقوة وعنف .. " انا حاسي بيك يا سهيلة .. عارف العذاب الانتي عشتيه مع راجلك .. وعاوز اعوضك عنه بس انتي اديني الفرصة أكون قريب ليك وتاكدي انك ما حتندمي " عندما استطعت النطق اخيراً جعله سؤالي المفاجئ يطلق سراح يدي بسرعة " يعني انت عاوز تتزوجني ؟؟ " قفز من الكرسي كمن لدغته حية " اتزوجك ؟؟ هسة الجاب سيرة العرس منو ؟؟ فزعت من المعنى المبطن لكلماته وحاولت تكذيب ظنوني " امال انت قصدك شنو ؟؟ " ... اتاني رده كريهاً تفوح منه رائحة العفن .. " سهيلة انتي بتستهبلي ولا شنو ؟؟ انا ما عندي طريقة اعرس مرة تانية .. لكن ممكن نكون اصحاب ونريح بعض .. كدت اتقيا في وجهه الملئ بالرغبة السافرة وهو يواصل " انا عندي شقة مفروشة ما في أي زول عارفها ممكن نتقابل فيها .. وتاكدي اني حاخليك الكل في الكل هنا في الشركة .. حازيد مرتبك الضعف ولو عاوزة عربية بانزلها ليك جديدة من الورقة .. لكن شرطي الوحيد انو علاقتنا دي تفضل سر وما في أي زول يعرف بيها .. نهضت بقرف وسالته .. يعني انت عاوز ليك صاحبة مش كدة ؟؟ آسفة انا ما باصلح للدور دة فتش في مكان تاني .. كان رده مليئا بالسخرية " انتي عاوزة تعملي لي فيها خضرة الشريفة ؟؟ انتي ناسية انك مطلقة ؟؟

يوم آخر لا اعلم تاريخه ..
لقد توقفت عن حساب الأيام والساعات .. فقد اصبحت كل اللحظات متشابهة .. تحمل طعم الالم ولون الغضب صار التمرد يملا اعماقي ضد الجميع بسبب معاملتهم القاسية لي وكانني ارتكبت جرماً لا يغتفر .. واصبحت محاصرة من جميع الجهات بالنظرات المنتقدة لكل ما اقول وافعل وارتدي .. حصار بالكلمات اللاذعة من امي وابي واخي .. حتى اختي التي كنت اعطيها كل ما تريد .. باتت الآن تعاملني كانني عار يحلق فوق راسها وتحاول اخفاؤه من العيون .. لقد طلبت مني اليوم وبكل صفاقة أن اختفي ساعة حضور اهل خطيبها حتى لا يتذكروا أن لديها اخت مطلقة ...
يبدو لي انهم قريباً سوف يمنعون عني الهواء الذي اتنفسه بحجة أني مطلقة ... كانت الافكار تدور في راسي وانا اركض بتعب خلف ابن اختي الصغير ذو الستة اعوام في محاولة يائسة لتبديل ملابسه المتسخة استعدادا لوصول الضيوف .. وعندما امسكته اخيراً كان يهز راسه بعنف يمينا ويسارا تفادياً لدخول القميص في راسه الصغير وهو يصيح " يا خالتو ما تلبسيني .. ما عاوزك تلبسيني " كنت اجاريه في حركاته واحاول اقناعه بارتداء القميص .. " ليه يا حمودي ما عاوزني البسك ؟؟ مش انا خالتو حبيبتك ؟؟ تلعثم وهو يبحث عن سبب مقنع .. عشان .. عشان ... عشان .. واخيراً تهللت اساريره بعد ان عثر على الجواب المناسب " عشان انتي مطلقة " ...
قصاصة سرية من دفتر يوميات بائعة هوى

الجمعة 6 اكتوبر .. الساعة العاشرة والنصف صباحاً ..
ما زلت أجاهد عضلاتي المتعبة كي تلين و أستطيع مغادرة السرير .. كل جزء في جسدي يئن الماً .. كل عصب داخلي مشدود ومتشنج ... كأن عجلات شاحنة ضخمة مرت فوقي مراراً وتكراراً ... ألم تكن شاحنة ؟؟ بلى فزبون ألامس الستيني كان بجسده البدين وحركاته العنيفة أشبه بشاحنة ثقيلة متهالكة الإطارات .. معطوبة الفرامل .. ويتسرب زيتها بلا انقطاع ... ألا لعن الله من اخترع حبوب الفياجرا .. فقد جعلت من النعاج ثيراناُ هائجة تصعب السيطرة عليها ... وجعلتنا نحن كالفوطة التي توضع في دورة مياه عامة .. متعددة الاستخدامات .. ومليئة بالقذارة ...
في السابق كان الزبائن ذوو الاعمار الكبيرة والجيوب المنتفخة سلعة مرغوبة لنا نحن معشر بائعات الهوى .. فهم سريعوا الإرضاء ويسهل التعامل معهم .. وفي بعض الأحيان كانت الجلسة تقتصر على كثير من الكلام .. وقليل من الأفعال .. وعندما أكون مع أي منهم أحس وكأنني طبيب نفسي يتقاضى أجرا باهظاً كي يستمع إلى مشاكل تافهة ليس مطلوباً منه حلها عليه فقط أن يستمع بانتباه .. ويبدي التعاطف المطلوب ..
أما الآن فقد تساوى الكهول مع الشباب وهم اصعب فئات الزبائن إرضاء .. فهولاء يأتون مشبعين بثقافة الأفلام والمجلات الغربية .. امتلا خيالهم بنظريات صعبة التطبيق .. بعضهم يأتي غريراً وبه مسحة حياء سرعان ما تختفي .. وبعضهم يأتي منتفخاً كالديك الرومي لينهار غروره مع سقوط ملابسي ... ويصبح كالدمية في يدي أحركها كيفما أشاء " ابتسام يا بتي الساعة قربت على حداشر ..مالك الليلة نايمة للوقت دة ؟؟ قومي الدنيا جمعة " أتاني صوت أمي الحنونة الغافلة عن مهنتي السرية ... فهي شانها شان جميع الأمهات تعتبرني اطهر مخلوق على وجه الأرض ... أمي التي رفضت الزواج بعد وفاة أبي فجأة .. دفنت شبابها الغض في عيون أبناءها الثلاثة احمد الكبير الذي سافر إلي ليبيا منذ سنين وانقطعت أخباره والمساعدة الضئيلة التي كان يرسلها .. أعيانا السؤال عنه .. بلا جدوى .. فقد اختفى ولا ندري برغبته واختياره أم لاسباب قاهرة لا نعلمها .. أنا في الوسط ثم آخر العنقود أمير المدلل الذي تخرج من الجامعة و أدمن الجلوس على ناصية الشارع بعد أن أعياه البحث عن عمل يتناسب مع مؤهله الغريب " فنون جميلة " .. كأنه لم يدرك بان الجمال لم يعد يقطن مدينة الفنون .. وان تخصصه لن يؤهله لوظيفة محترمة تدر دخلاً نعتاش منه .. تذكرت إصراره الحالم على دخول الكلية لصقل موهبة الرسم اعتقاداً منه بأنه سيكون دافنشي عصره هدر سنوات من عمره ليجلس في نهايتها عاطلاً على حجر أمام دكان عم ياسين يدخن السجائر التي يبتاعها بعفتي المسلوبة يومياً على فراش الغرباء ... كل ليلة عندما أعود بجسد منهك وروح ميتة .. اجلس لادون الأحداث التي مرت بي خلال اليوم .. ولكن قبل أن يخط قلمي حرفاً واحداً في الصفحة الجديدة .. أتلذذ بتعذيب نفسي والعودة إلى صفحات قديمة بتاريخ يعود إلى سنوات مضت ... تاريخ بداية السقوط ... أقرا بسخرية كيف كنت اصف مشاعري تجاه أول حب في حياتي ..
كنت في الصف الثالث الثانوي استعد بهمة للجلوس لامتحان الشهادة السودانية .. كانت قد مرت خمس سنوات على وفاة أبي صارعت فيها أمي الحياة لنعيش بكرامة .. عملت في كل حرفة تتقنها فباعت الكسرة والفسيخ .. خاطت الثياب .. هذا عدا عن الشغل الموسمي .. عواسة الحلو مر قبل رمضان .. وبيع الخبيز قبل العيد .. تجهيز عطور العرائس .. بعملها الشاق لم نحتاج لمعونة أحد .. لكننا أيضا عشنا على الكفاف
أصرّت أمي على دخولي دروس خصوصية مسائية في مدرستي القريبة من المنزل .. كانت أسعارها زهيدة لان المدرسين كانوا طلاب جامعات وليسوا أساتذة محترفين ...
اعتقد أني قد وقعت في غرام أمين منذ أول درس رياضيات .. كان طويلاً نحيلاً .. له عيون بنية وشعر ناعم يلتف في دوائر جميلة تقترب من حدود النظارة الطبية ذات الإطار الأسود الرفيع .. كان طالباً في السنة الأخيرة بكلية الهندسة ومن أسرة ميسورة الحال .. تطوع كأقرانه لمساعدة الطلاب غير المقتدرين بإعطائهم الدروس بأسعار رمزية ..
تطورت علاقتنا بصورة مخيفة من نظرات مختلسة وابتسامات متبادلة ... إلى قصاصات ورق صغيرة مدسوسة بين الدفاتر .. وقبل أن نفقد حجة اللقاء بانتهاء الامتحانات كنت قد التقيته عدة مرات بعد انتهاء الدرس في الشوارع المنعزلة المحيطة بالمدرسة .. تغلغل داخل كياني كالحمي وقضى على كل مقاومة داخل عقلي وقلبي .. انقطعت عن رؤيته أثناء فترة الامتحانات وبقيت بيننا الاتصالات الهاتفية اليومية التي كنت أتحايل على أمي المسكينة كي احصل منها على أجرتها واجريها من محل الهاتف القريب من المدرسة ... عند انتهاء آخر امتحان وجدته ينتظرني أمام بوابة المدرسة.. كان شوقنا اكبر من كل محاولات التعقّل وانتهى بنا الأمر في شقة صديق له .. وكانت لحظة انتصاره وسقوطي ...


 
 
رد مع اقتباس
 
 
   
  #3  
قديم 05-04-2016, 02:11 PM
الصورة الرمزية جنيــن
:: عضو مميز ::
______________
View جنيــن's Photo Album  جنيــن غير متواجد حالياً
 
قصاصات سرية اعترافات نسائية جريئة الرجـــال يمتنعــون



عندها أدركت أن اصعب لحظات السقوط هي اللحظة الأولى بعدها تنخر سوسة التعود في ضمير الإنسان حتى يصبح الخطأ عادة لا يتحرك لها عصب ولا يهتز لها طرف ... أصبحت لقاءاتي مع أمين منظمة وبمواعيد متفق عليها .. لم اعدم حيلة تخرجني من المنزل في أي وقت أرغبه .. زيارة صديقة .. البحث عن عمل .. وامي المنهكة من العمل المتواصل والمتبلدة من الثقة الزائدة تعتبرني الملاك الذي لا يخطئ فأعطتني حرية لا حدود لها ..
تخرج أمين من الجامعة بتقدير جيد جداً أما نتيجتي فقد كانت متواضعة ولا تؤهلني لدخول كلية يعتد بها .. لذلك قررت البحث عن عمل حتى أساعد أمي في توفير لقمة العيش .. خصوصاً مع استسلام أمير الاختياري لعطالته الإجبارية.. وحاجتنا الماسة لزيادة مصدر دخل الأسرة ...حصلت على وظيفة مدرّسة في مدرسة ابتدائية مما أعطاني حرية اكبر في الخروج ومقابلة أمين ... اصبح تواصلنا الجسدي امراً مسلماً به في كل لقاء .. وبدا وعده بالزواج يتباعد مع تزايد اللقاءات .. ثم أتت مرحلة التهرب من لقائي إلا بعد إلحاح شديد مني .. وأنا الغبية اصدق تحججه بالعمل الجديد الذي حصل عليه في إحدى الشركات الكبيرة ... وفي يوم طلب هو لقائي فطرت إليه فرحاً وشوقاً .. فوجئت بوجود آخر معه .. عرفني به .. كان صديقه صاحب الشقة .. جلسنا معا قليلاً يلفنا الصمت والارتباك .. ثم اعتذر أمين بمواعيد مسبقة وخرج مسرعاً ... تركني مذهولة وأنا استمع لشرح صديقه عن ضرورة تفهّم الظروف .. وانه سيكون بديلا جيداً لامين .. أصبت بالشلل وأنا أحاول استيعاب ما يحدث .. لقد تنازل أمين عني لصديقه .. كانيي حقيبة أو حذاء .. ولم يكلف نفسه عناء الشرح أو الاعتذار .. ترك الأمر لمن ستؤول إليه الملكية الجديدة كي يجد الأعذار ويوضح الأسباب .. وفي لحظة الشلل الذي اعتراني كنت قد أصبحت جسداً مستباحاً للصديق المتلهف .. يبدو أن الحب في قلب أمين قد مات في اللحظة التي منحته فيها نفسي عربوناً ادلل به عن حبي له...

بعدها لم يعد لدي ما افقده .. ألم أخبركم أن لحظة السقوط الأولى هي الأصعب ؟؟ وبعدها تتساوى الأشياء ... امتهنت بيع جسدي لمن يدفع ثمنه .. لقد منحته مجاناً لامين .. وحان الوقت لاستفيد منه .. كانت حرفة سرية .. ومجزية .. وما اكثر الجائعين للحرام في بلدنا ...
أصبحت صورة مجسدة لدكتور جيكل ومستر هايد .. في الصباح انا المدرسة الرزينة الهادئة التي تعلّم الأطفال القراءة والكتابة ,, وتغرس فيهم الأدب والأخلاق ... يا لسخرية القدر .. كيف يقولون أن فاقد الشيء لا يعطيه ؟؟ أنا افتقد لكل هذه القيم .. لكني اغرسها كل صباح في عقول تلاميذي الصغار ...
كانت حجة إعطائي دروس خصوصية للتلاميذ المقتدرين في منازلهم مقنعة أمام الجميع بما فيهم أمي وأخي لتغطية خروجي اليومي وعودتي المتأخرة احياناً .. استقل المواصلات العامة من الشارع أمام الجميع .. فتاة محترمة كادحة تساعد أمها بالعمل الإضافي .. ارتدي ملابس محتشمة واضع الطرحة على رأسي .. احتضن كتب ودفاتر .. نفس خائفة .. وروح ميتة.. انزل في مكان بعيد لا يعرفني فيه أحد ...وبنفس هيئتي اقف في اقرب رصيف بانتظار

الزبائن ... اختارهم حسب نوع السيارة وشكلها .. وعندما احدد هدفي القادم من بعيد أظل ساكنة شأني شان بقية المبعثرين على طول الشارع بانتظار وسيلة مواصلات ..
ظللت فترة طويلة أسال نفسي لماذا تتخطى السيارات بقية الناس وتأتي لتقف أمامي ؟؟ فأنا لا أبدو مختلفة عنهم ؟؟!! وفي يوم من الأيام تجرأت وسالت أحد زبائني الذي التقيته صدفة وبنفس الطريقة المعتادة .. عادل السوداني الذي يحمل جواز أمريكي .. في بداية الأربعين ترك زوجته الأمريكية هناك وأتى لقضاء إجازة وسط أهله بعد غياب دام خمسة عشر عاماً متواصلة قضاها في جمع الدولارات وتعلم فنون ممارسة الحب .. كان شبقاً وبداخله جوع غريب لا يشبع .. اعتاد حيل الغرب فارهقني .. وعندما اعتدت عليه أعطاني متعة لم أتخيل وجودها .. وكنت أحيانا أحس بالذنب لأنني أتقاضى أجرا مقابل ما يمنحني إياه ..الفرق بينه وبين الآخرين انه كان يتحدث .. نعم يتحدث معي كانسانة بغض النظر عن مهنتي التي أمارسها .. غالبية الرجال لا يكون تبادل الحديث من أولوياتهم بقدر تبادل اللمسات .. أما عادل ومنذ أول لقاء تكلم قبل أن يلمس .. وعندما أصّر على تكرار اللقاء لم أمانع لثلاثة أسباب .. سخاؤه .. حديثه .. وبراعته ... بعد اللقاء الثالث سألته ما السبب الذي دفعه لإيقاف سيارته لي أنا بالتحديد دوناً عن بقية الفتيات الأخريات ؟؟ كيف عرف من أكون ؟؟ أجابني بضحكة مجلجلة وصراحة مؤلمة " يا ابتسام ما تزعلي مني لكن انتوا بتتعرفوا بالإحساس .. عندكم جو معين بيحيط بيكم .. زي الكانوا جسمكم بيفرز ريحة خاصة إحنا بس البنقدر نلقطها .. نظراتكم بتكون مختلفة عن باقي البنات .. حتى طريقة وقفتكم .. سمعتي عن حاجة اسمها لغة الجسد ؟؟ اهو انتو بتملكوا اللغة دي .. انتو حتى لو الواحدة منكم لابسة خيمة مغطياها من رأسها لرجليها لكن ريحتها وكل حتة من جسمها بتقول أنا كدة .. تعالوا لي " وكان تفسيره مقنعاً ..

قبل عودته إلى أمريكا بيوم .. أصر على قضاء طيلة اليوم معي .. كانت حصيلتي في نهايته ثلاثمائة دولار ومشية غريبة عللتها للجميع بتعثري والتواء قدمي مما جعل المشي عصياً .. عندما هم بالمغادرة ذلك اليوم احتواني بين ذراعيه وطبع قبلة عميقة على شفتي وهمس في أذني " تعرفي يا ابتسام لو ما كنتي كدة انا كنت عرستك .. انتي اول بت سودانية تديني المتعة دي "
وهمست في أذنه بسخرية " وتعرف يا عادل أنا لو ما كنت كدة ما كنت قابلتني ..ولا عرفتني ولا اديتك أي إحساس "




السبت 7 أكتوبر .. الخامسة مساء ...
اليوم اجري استعدادات خاصة للخروج .. لدى أحد زبائني المتخمين بالمال حفل صغير مع ضيوف أجانب في منزله ويود أن يقدم لهم صورة مختلفة عن المرأة السودانية التي يسمعون عنها او يرونها في القنوات وهي ترتدي الريش والتمائم كأنها خرجت لتوها من إحدى الغابات .. أتت أمي الحبيبة وهي تحمل كوب الشاي بالحليب " بسمة اشربي شايك قبل ما تمرقي عشان رأسك ما يوجعك .. قلتي الليلة عندك طلبة كتار وحتتاخري " كان حنانها يمزقني .. وغفلتها تعذبني ...
" يا بسمة أمير أخوك قال محتاج مبلغ كدة .. طالع مع أصحابه يوم الخميس وما عاوز يمشي أيده فاضية " .. نظرت إلى أمي بطرف خفي .. تدليلها الزائد لشقيقي الأصغر كان عاملاً فعالاً في استمرار عطالته .. وتلبيتها لجميع طلباته خلقت منه انساناً انانياً لا مبالياً واعتماده على توّفر المال كلما احتاج له قتل داخله روح الطموح والرغبة في العمل ..
" حاضر يا أمي .. عاوز كم ؟؟ ردت أمي بخفوت " قال عاوز تلاتين الف " ورددت عليها بانزعاج " تلاتين الف عشان يطلع مع اصحابه ؟؟ ليه اصلهم ماشيين وين ؟؟ وازداد خفوت صوت أمي " والله يا بتي ما عارفة لكن هو قال محرج منهم كل مرة يدفعوا ليه .. والمرة دي هو عاوز يدفع .. أنا ما عاوزة اتقل عليك عارفاك شقيانة عشان تساعديني لكن انا والله ما عندي .. لو عندي ما كنت جيتك " وكي لا أرى النظرة المنكسرة في عينيها ولا نبرة الاستعطاف في صوتها أومأت موافقة " حاضر يا أمي قبل الخميس باديه القروش " لا يا بسمة انتي اديني ليها وانا باديها ليه باقي اخوك بيخجل يشيل منك انتي " وابتسمت وأنا أفكر... ما اجمل خجله ؟؟!!

الجمعة 13 أكتوبر ...
هل تؤمنون بالخرافات ؟؟ .. يقال انه لو صادف يوم الجمعة تاريخ الثالث عشر فهذا نذير شؤم .. فيما يخصني كان يوم الشؤم بالأمس .. واليوم مجرد استمرار له .. بالأمس خرجت عن ترتيب مسبق خلافاً لبقية الأيام التي اختار فيها زبائني بعشوائية ...أحد زبائن الأسبوع الماضي شاب في مقتبل العشرينات التقيته مرة أخرى أثناء وقفتي المعتادة واخبرني انه أتى خصيصاً للبحث عني .. يبدوا أن الدروس التي لقنني اياها عادل قد حسنت كثيراً من قدرتي في توفير المتعة والإشباع لهذه الأجساد الجائعة .. في نهاية اللقاء اخبرني برغبته في لقاء آخر يوم الخميس حيث يجتمع هو وأصدقاؤه في منزل أحدهم لاقامة حفل صغير بلا مناسبة محددة .. وسوف يجلب كل منهم فتاته .. وطلب أن أرافقه ...
كان منزلاً جميلاً في أحد الأحياء الراقية .. غياب الأسرة خارج البلاد في إجازة أعطى ابنهم الحرية في استقبال أصدقاؤه ... عندما دخلت دهشت من كمية النساء والفتيات الموجودات .. بعضهن يصغرن أمي بسنوات قليلة مع فارق نقوش الحناء ورائحة البخور الطاغية .. والضحكات الخليعة .. همس لي رفيقي بان بعض أصدقاءهم يفضلون النساء كبيرات السن لأنهن يمتلكن الخبرة وأشياء أخرى لا نملكهما نحن الصغيرات غير المتزوجات .. وعلى النقيض كانت هناك فتيات تخطين مرحلة الطفولة بقليل ..
بعد الأكل والشراب وفواصل من الرقص بكل اللغات .. تهاوت الأجساد وأوى كل إلى مكان يتيح له فعل ما يريد .. كان العدد كبيراً لذلك توزع البعض في أركان الصالة الفسيحة على الكنبات وفي الأرض .. كل في عالمه ولا يعي بما يدور حوله ... انعدم الحياء وانهارت الحواجز .. كنت في طرف قصي من الصالة أحاول أن أجد وضعاً مريحاً في الكرسي المنخفض ويساعدني رفيقي بقلة صبر واضحة ... فجأة شعرت بيد ثقيلة تهوي على رقبتي وتشدني من شعري .. وانهالت الصفعات .. ثم أتاني صوت أمير المبحوح من الغضب والدهشة " قوم منها يا .... قوم منها يا ود ال .... واصبحت ركلاته موجعة وأنا أحاول إخفاء وجهي بيدي .. وفي اللحظة التالية هب شريكي الغاضب من انقطاع متعته وبدا بضرب أخي وسادت الفوضى .. تعالت الصرخات وتكالب جميع الأصدقاء على ضرب هذا الغريب الذي تجرا وعكر صفو الجلسة .. كل بما طالته يده أو قدمه .. كنت انظر برعب للدماء التي بدأت تتفجر من رأسه ووجهه وكل مكان فيه .. وسمعته يهمس بكل قوة يمتلكها وهو يصارع لصد الضربات المؤلمة " دي أختي ... دي أختي ... دي أختي " وجم الجميع عند سماعهم لهمسه المصبوغ بالدم واتجهت النظرات اليّ وأنا أحاول لملمة ثيابي لتغطي جسدي شبه العاري ... وسألني شريك الشؤم " صحي دة أخوك ؟؟ " هززت رأسي إيجابا بعد أن التصقت حبالي الصوتية بسقف حلقي .. واتى سؤال من بعيد " يا جماعة الزول دة جا مع منو ؟؟ " فرد أحدهم وهو يشق الجمع كي يصل إلى الجسد المصبوغ باللون الأحمر .. وقد توقفت حركته " يا جماعة دة صاحبي وأنا عزمته ما كنت متخيل يلاقي اختو هنا "
رد آخر ببرود وسخرية " الزمن دة تتخيل أي شئ .. وشنو يعني اختو ؟؟! ما ديل كلهم اخوات ناس !! ولا شنو ؟؟!! ... الله يعكر دمه .. عكر علينا قعدتنا .. قوموا شيلوه وارموه قدام أي مستشفى احسن يموت هنا ونبقى في المشاكل "
كنت حريصة أن يجد آخي الرعاية الطبية اللازمة فألححت على شريكي الغاضب أخذه بسيارته ووضعناه أمام المستشفى وجلست بعيداً ارقب الأصوات المتحسرة والأيدي المساعدة وهي تنقله داخل المستشفى ..
دفتري الحبيب ربما تكون هذه آخر مرة نلتقي .. لا ادري ما قد يحدث إن تعافى أخي وفضح سري .. مشاعري ممزقة بين رغبتي في شفاؤه لاجل خاطر أمي التي لم تذق طعم النوم منذ ليلة أمس وبين خوفي على نفسي ..
لقد تطوع شريكي بعد إلحاح شديد مني للاتصال بهاتف الجيران وطلب أمي لإخبارها أن آخي تعرض لحادث سيارة نقل على أثره إلى المستشفى .. جرتني وراءها لزيارته .. وارتاحت خطواتي الخائفة عندما رايته ما زال غائباً عن الوعي .. كلمات الطبيب زرعت الطمأنينة في نفسي والنار في قلب أمي " والله يا حجة ولدك اتعرض لضربة قوية شديد ونزف دم كتير .. عنده ارتجاج حاد في المخ واربعة ضلوع مكسورة وفي عين اتضررت لغاية الآن ما قادرين نعرف وضعها بالضبط شنو ... لو بكرة حالته استقرت حيكون اتعدى مرحلة الخطر انتي بس ادعي ليه والله كريم قادر يشفيه "
ما زالت أمي تبكي وتدعو له بالشفاء .. وأنا ابكي ودعائي يتأرجح بين شفاؤه .. وطلب الستر بأي طريقة .. ولكن أليست الطريقة الوحيدة لضمان ستري ... هي موته ؟؟ ...
قصاصة سرية من دفتر يوميات فتاة متمردة

كيف يصبح الإنسان متمرداً على كل ما حوله ومن حوله ؟؟ هل التمرد صفة تولد معنا وتظل كامنة فينا حتى تأتى الظروف التي تفجرها ؟؟ أم هي صفة مكتسبة من بيئتنا التي نعيش فيها ونتعامل بها لرفض واقع نرفضه ونجبر عليه ؟؟
بدأ تمردي منذ سن السابعة .. ربما تندهشون لأنني كتبت السابعة وليس السابعة عشرة .. لكنها الحقيقة فعندما وصلت تلك السن كان الصراع الدائر بين أمي وأبي بشأني قد وصل مداه .. وكي لا أشوش تفكيركم سوف أقص عليكم خلفية الأطراف كلها حتى تكتمل الصورة في خيالكم ...
أبي السوداني الأصل يحمل الهوية الهولندية منذ عام 1986م بعد أن أتى طالباً اللجوء إلى بلد أمي قبلها بسنة .. أمي الهولندية بأصول فرنسية وألمانية كانت تعمل في مكتب شئون اللاجئين وكلفت بمتابعة ملفات السودانيين .. تدريجيا وقعت في غرام هذا الأفريقي الأسمر الذي يحمل نداء الغابة في عينيه وتحفز النمر في حركات جسده .. وغموض آسر في صوته وكأنه آت من عالم آخر يبدو بعيداً بالنسبة لهذه المخلوقة الشاحبة من شدة البياض مع شعر أشقر ذهبي وعينان بلون العشب الأخضر .. سحرها هذا البدائي العملاق .. وقبل أن تبت الحكومة في قبول أو رفض طلبه .. أعطته أمي حق اللجوء الى قلبها فمنحته الإقامة والجواز الهولندي ...
في بداية عام 1987م .. أتيت أنا إلى الوجود .. طفلة ساحرة تحمل لون كوب من الحليب أضيفت إليه قطرات من القهوة السوداء .. تجلت غرابة شكلي منذ اللحظة التي فتحت فيها عيني الكبيرتين لتشع وسط وجهي البرونزي ببريق يحمل لون السماء الصافية ففرحت به أمي لانه يذكرها بجدتها الألمانية .. كان هناك زغب بني ناعم تتخلله خصلات ذهبية يملا رأسي المستدير .. حملت اسم ياسمين .. فهو اسم عربي ويحبه الغرب .. سيكون مألوفا وسهل النطق .. نشأت في منزل ملئ بالحب والاستقرار .. وبعد وصول آخى الصغير عندما بلغت الثالثة من عمري بدأت بذرة الخلافات بين الزوجين المحبين .. أرادت أمي اسماً لا يجعل من أخي أضحوكة بين أقرانه ولا يعرضه لعنصرية الوسط الذي سيعيش فيه عندما يكبر .. أراد أبي اسماً يثبت به عروبته التي تخلى عنها بمحض إرادته .. واسلامه الذي تمسك به برغم محاولات أمي المستميتة لجعله ينساه ... استخدمت أمي سلاح الدموع والمقاطعة لفرض إرادتها .. وهما سلاح فعال للتأثير في قلب رجل محب .. فحمل آخي اسم مزدوج مايكل محمد .. وخلال فترة قصيرة كانت أمي قد طمست الاسم الثاني واصبح أخي مايكل فقط ...

كان أبى رجلا حنونا .. ذكياً .. مرحاً .. برغم كل شئ يحمل ولاء لا حدود له لوطنه الأول اعتاد أن يجلسني في ركبتيه كل مساء ويحكي لي قصصاً عن السودان وباللهجة السودانية الدارجية .. فنشأت وأنا اعرف الكثير عن بلد أبى .. أسماء جدي وجدتي .. أعمامي وعماتي أسماء أبناءهم ... كانت هذه الحكايات هي قصصي المفضلة لما قبل النوم كل ليلة .. وعندما أصبحت في الخامسة حفظت عن ظهر قلب خريطة السودان بأسماء المدن والأنهار .. وكنت ارسم الطريق بإصبعي الصغير إلى مدينة أبو حمد مسقط راس أبي ..
لم يكن هذا الأمر يروق لامي فحاولت منع أبي من غرس هذه المعلومات في رأسي .. لكنها لم تفلح لان الصغيرة المفتونة بابيها وقصصه كانت تطلب المزيد .. أتى رد فعل أمي مباشرا وصريحاً .. تركتني لابي وجعلت مايكل عالمها الخاص الذي لا ينافسها فيه أحد .. خصوصا وانه ورث عنها بياضها الشاحب .. شعرها الذهبي .. والعيون بلون العشب ... بمرور الوقت أضحى بيتنا معسكر مقسوم بحدود غير مرئية .. وقّع أبي وامي اتفاق ضمني بان لا يتعدى احدهما منطقة الآخر ..
ظلت امي ترفض بشدة محاولات ابي تلقيني تعاليم الدين الاسلامي .. كانت تطالب بان اعطى حق الاختيار لاتباع دينه او دينها عندا اصل السن التي تتيح لي المعرفة والاختيار .. اصر ابي على موقفه .. واصرت امي .. وبدات حرب معلنة بين الطرفين انحاز فيها مايكل تلقائيا لامي .. وكنت انا حزينة وخائفة ومرتبكة مما يحدث .. وصلت الخلافات ذروتها عند بلوغي الصف الثالث الابتدائي كنت حينها في السابعة .. ووقتها بدا تمردي ...
في ليلة ارتفع فيها صراخ ابي وعويل امي .. نزلت من غرفتي الى غرفتهما في الطابق الارضي .. فتحت الباب دون ان اقرعه وقفت بهدؤ اتطلع الى نظراتهما المندهشة من تصرفي .. واخبرتهما بقراري .. انا لن اتبع ديانة أي منهما .. لقد قررت ان اكون لادينية حتى يكفا عن الجدال بشاني .. واذ استمر ت حربهما سوف اخبر الاخصائية الاجتماعية في مدرستي عن عدم ارتياحي في منزلي .. كان تهديدي فعالا .. فهما يدركان معنى ان اخبر سلطة رسمية عن حربهما المتواصلة وقد يصل الامر الى اخذي منهما ووضعي تحت حماية الدولة .. بعدها كمم الخوف الافواه .. اختفت الخلافات .. واختفت معها ايضا الرابطة الحميمة التي كانت تجمعني بابي .. لكنه ما زال مصرا على اجراء أي حوار بيننا باللهجة السودانية التي رفضها مايكل بشدة .. كما رفض اسم محمد قبلها ..


في العاشرة من عمري كنت اجمل طفلة في المنطقة .. امتزاج جينات ابي وامي افرز خليطا مثيرا للانتباه .. وقتها عرفت معنى ان يكون لي صديق خاص ( بوي فريند ) اصبتكم بالدهشة مرة اخرى ؟؟ لا تندهشوا فهذا شئ متعارف عليه في بلدي لكنه كان نقطة خلاف جديدة بين ابي المعارض لنشوء علاقة مع الاولاد في هذه السن المبكرة حتى لو كانت برئية وامي المؤيدة للامر وترى انه تطور طبيعي في شخصيتي وخطوة ضرورية تمهد لانتقالي من مرحلة الطفولة الى مرحلة المراهقة .. وتمردت عليهما معا.. اتخذت صديقا تمردا على تحفظات ابي .. وكان عربيا مسلما تمردا على رغبات امي .. وجن جنونهما معا ولكن لاسباب مختلفة ...
اتسعت الهوة بين افراد عائلتي ..اصبح ما يربطنا فقط عنوان المنزل المشترك .. عندما وصلت الرابعة عشرة بدات امي تفكر بالطلاق .. اخبرت ابي برغبتها فرفض بشدة خوفا من فقداني انا تحديدا لان مايكل وقتها كان قد قطع شوطا طويلا في طريق الضياع .. في الحادية عشرة من عمره اصبح صبيا عصبيا وقحا وعنيفا ... حلق شعر راسه ووشم الصليب المعقوف على ذراعه .. كان يكره ابي بسبب لونه ودينه واصوله العرقية .. ويكره امي لانها تزوجت بابي .. ويكرهني لاني احمل ملامحهما معا ..
في السادسة عشرة رفعت امي دعوى طلاق امام المحكمة .. ورفعت انا عن نفسي عبء العذرية التي لازمتني طيلة حياتي السابقة .. منحتها عن طيب خاطر الى سامي صديقي العربي المسلم الهجين الذي كان يكبرني بعامين .. يومها عدت الى المنزل حيث العراك اليومي بين امي وابي ومايكل .. وقفت انظر اليهما فترة وهم يتبادلون السباب .. ابي باللغة الهولندية واحيانا بالعربية التي تفهمها امي وان كانت تنكر ذلك .. امي ترد عليه بخليط من الهولندية والالمانية .. بينما يصر مايكل على الالمانية التي لا يتقنها ابي .. وفي لحظة صمت نادرة اخبرتهم بانني قد فقدت عذريتي .. صرخت امي وسقطت على الارض لعلمها بعلاقتي مع العربي القذر كما كانت تدعوه .. كاد ابي يصاب بنوبة قلبية .. اما مايكل فقد بصق على الارض بين قدمي وهو يسبني بكلمات لو كتبتها هنا لتوقفتم عن قراءة بقية يومياتي ...

مر اسبوع هادئ على بيتنا وكأن اعلاني قد اصاب الجميع بالبكم .. كان ابي صامتا وتبدو عليه علامات التفكير العميق .. امي غاضبة وباكية .. مايكل ليس له اثر في المنزل .. الاسبوع الذي يليه كان غريبا .. بدا وكأن ابي يسعى الى ترميم علاقته المدمرة مع امي ويحاول ان يسترضيها .. كما بدا يكلمني بنضج وكانه اكتشف فجاة ان ابنته الصغيرة قد اصبحت امراة .. وفي جلسة نادرة جمعتنا نحن الثلاثة فجر اقتراحه القنبلة .. طلب من امي ان يفترقا بلا طلاق لفترة معينة يعيدا فيها تقييم علاقتهما .. ان كانت بعدها ما مصممة على الطلاق فسوف يمنحها حريتها بلا مشاكل ... كانت الغرابة تكمن في انه يرغب خلال هذه الفترة في العودة الى وطنه .. السودان .. وان يصطحبني معه فترة اجازتي الدراسية التي تبلغ خمسة وثلاثون يوماً ... لم تعجبني فكرة مغادرة موطني والذهاب الى بلد غريب والبقاء وسط غرباء طيلة هذه الفترة .. وترددت امي في قبول عرضه .. وهنا تجلى ذكاء ابي حيث ظل يلوح لها بجزرة الطلاق بالتراضي مما جعلها تلين من تصلبها وتوافق شريطة موافقتي انا على الذهاب معه .. وفي جلسة طويلة استغرقت ساعات ظل ابي يحفر ذاكرتي ويستخرج منها كل القصص الجميلة التي سمعتها عن بلده وانا صغيرة .. اعادني الى ايام احببتها .. الى الفترة الوحيدة التي شعرت فيها انني اعيش وسط عائلة طبيعية وليس في ساحة حرب .. ظل يغريني بالجو الجميل والشمس الساطعة مقارنة بجو هولندا الغائم القاتم .. حدثني عن جدتي التي تتمنى رؤيتي قبل موتها .. عن اعمامي وعماتي .. كانت كلماته الاخيرة المعول الذي هدم به آخر حصون مقاومتي
" ياسمين انا باحاول اصلح حياتنا عشان اسرتنا ترجع زي اول واحسن كمان .. محتاج مساعدتك ..لازم نخلي امك براها عشان تفكر بدون ضغوط .. وما شرط نقعد هناك اجازتك كلها .. صدقيني لو الوضع ما عجبك طوالي حنرجع "
انا من شعب يؤمن بالوعود .. يصدقها ويفي بها .. لذلك حزمت حقائبي وذهبت مع ابي الى بلده على امل ان تكون هذه اولى الخطوات في اصلاح حال عائلتنا التعيسة ..


في مطار الخرطوم المتهالك استقبلتني شمس مشرقة وحرارة لافحة فكانت علامة ترحيب جيدة .. اثناء دخولي الى الصالة احاطتني النظرات المعجبة المندهشة من ملامحي المتناقضة .. في هذه السن كانت الجينات الأفريقية قد لعبت دورها فاصبحت امتلك جسد امرأة ناضجة .. قامة طويلة وبشرة بلون البرونز .. شعر طويل متموج في حلقات لولبية تمازج فيه البني والذهبي بترتيب الهي بديع .. كانت عيناي السماويتان تتطلعان بفضول في الوجوه والمناظر .. صدمني شكل المطار فهو يفتقر للجمال والنظافة مقارنة مع مطار امستردام الفخم .. تمت الإجراءات بسهولة وخرجنا تتابعني النظرات والابتسامات والهمسات .. كان أبي صامتا بشكل يدعو للريبة ويبدو انه قد أجرى اتصالاته قبل وصولنا .. ما ان خرجنا حتى هرول الينا رجل في اواسط العمر يرتدي ما يشبه الزي الرسمي وحمل أمتعتنا الى سيارة لاندكروزر حديثة ..
كانت رحلة طويلة استغرقت نصف اليوم او اكثر لم تتوقف فيها السيارة إلا للتزود بالوقود او شراء الطعام والماء .. أحسست بالخوف والتعب والغربة وصمت أبى لم يساعدني في التغلب على أي منها .. شغلت نفسي باللعب في كمبيوتري المحمول الذي أصررت على إحضاره معي .. ففيه كل عناوين أصدقائي في هولندا .. صور أمي ومايكل .. مذكراتي .. أغاني المفضلة .. كل ما احتاجه موجود داخله ..
يبدو لي ان جو السيارة المكيف والهدوء الذي لا يقطعه الا صوت قرآن خافت جعلني أغفو .. استيقظت على يد تهزني برفق لاكتشف ان السيارة توقفت في منطقة سكنية تحيط بها الصحراء .. نزل ابي امام منزل متواضع غريب الشكل .. لك يكن الباب مغلقاً فدفعه ودخل وأنا اتبعه بخوف ... رأيت أمامي مساحة شاسعة أرضها تراب وفي نهايتها يوجد مبني وحيد غريب الطراز ..
بدا الاستقبال بصرخة أطلقتها امرأة خرجت من المبنى الصغير .. فتبعها آخرون .. وفجأة وجدنا أنفسنا وسط دائرة من البشر الذين يبكون ويضحكون في آن واحد .. وعلى أصواتهم المتنافرة تدافعت جموع اخرى من الباب المفتوح حتى امتلأت الساحة بطوفان من البشر .. كان ابي يتنقل من ذراع لآخر باكياً بصوت عال فيما بدا لي وكأنه كابوس لن ينتهي .. واخيرا تنبه البعض لوجودي فسالت اكبر النساء سناً " دي منو يا سعيد ؟؟ " كانت لهجة ابي مزيجا من الفخر والحزن " دي ياسمين بتي يا امي " وانطلقت الصرخات مرة أخرى واتى دوري في التنقل من حضن لاخر .. لم يتركوني الا بعد ان شارفت على الإغماء ...
ليلتها اختبرت اغرب تجربة في حياتي .. النوم في العراء وتحت السماء مباشرة .. ظللت مستيقظة فترة طويلة وأنا ارقب النجوم وهي تدنو مني وتبتعد عني حتى خيل الي في لحظات أنني أستطيع إمساكها بيدي .. كنت أدرك إنها خيالات عقلي المرهق لكنني أحببتها في اليوم التالي اختبرت تجربة أخرى لا تقل غرابة عن الأولى لكنها مفزعة .. تم ذبح عدد من الخراف بوحشية بالغة بدعوى الترحيب بنا .. عزفت عن الأكل لمدة يومين حتى تفهم أبي مشكلتي واصبحت الخضراوات طعامي الرسمي ...
كانت رؤيتي تثير دهشة كل من يراني .. ثم يتبعها الفرح عند سماع لهجتي السودانية الطلقة .. قابلت أعداد هائلة من البشر .. مر أسبوع من السلام الغريب عن طريق هز الذراع بقوة او الاحتضان بعنف وعانيت في نهايته من ألم حاد في ذراعي اليمين ... في الأسبوع الثاني لحضورنا اختفى كمبيوتري المحمول بصورة غامضة من الغرفة التي خصصت لي وحدي بعد أن رفضت بصورة قاطعة مشاركة أي كان خصوصيتي التي اعتدتها منذ طفولتي .. علل أبي الاختفاء بان لصا قد سطا على المنزل وسرقه اللابتوب مما أثار حيرتي .. لماذا يسرق لصا فقط كمبيوتري ويترك بقية أغراضي ومن بينها أشياء قيمة وغالية الثمن ؟؟ وعدني أبي بالبحث عنه فسكت على مضض .. لكن عندما اختفى جواز سفري وكل أوراقي الثبوتية من الدولاب أدركت ان هناك شيئا ما يحدث حولي .. شيئا غامضا يستهدفني .. فواجهت أبى بشكوكي ... ويا لها من مواجهة ...
" ياسمين .. انسي هولندا تماما .. انسي أمك ومايكل .. من هنا وجاي دي بلدك ودة بيتك وديل اهلك " احتدم النقاش وارتفع صوتي وانا ادعوه بالكاذب المحتال فما كان منه الا ان صفعني بقوة .. كانت هذه اول مرة يضربني فيها ابي .. لكنها لم تكن الاخيرة ...



 
 
رد مع اقتباس
 
 
   
  #4  
قديم 05-04-2016, 02:11 PM
الصورة الرمزية جنيــن
:: عضو مميز ::
______________
View جنيــن's Photo Album  جنيــن غير متواجد حالياً
 
قصاصات سرية اعترافات نسائية جريئة الرجـــال يمتنعــون



بت آكل فقط ما يعينني على البقاء حية وبعيدة عن المستشفى والتزمت الصمت التام برغم محاولات جدتي العجوز وعمتي التي تكبرني بثمانية اعوام ... مرت شهور توقفت عن عدها .. ففي مدينة مثل ابو حمد تتشابه اللحظات والدقائق والساعات كنت خلال هذه الفترة قد اكملت عامي السادس عشر .. وقتها فكر ابي ان علاجي الوحيد سوف يكون تزويجي حتى يقطع كل الجسور التي تربطني ببلدي وتبقيني هنا .. وتوافد الراغبون عندما علموا برغبة ابي وما كان اكثرهم .. جميع شباب المنطقة تقريباً تدافعوا للحصول على هذه المخلوقة الهجين بجمالها الغريب ..اخيراً وافق ابي على ابن عمي الذي يكبرني بتسعة عشر عاما .. اتاني مهددا بانه سوف يذبحني كما ذبحت الخراف عند حضورنا ويدفنني في صحراء ابو حمد ان انا رفضت الزواج .. اخبرته بموافقتي شريطة ان يتم العقد بوجودي واوقع على السجل بخط يدي .. استغرب طلبي ولكن فرحته الكبيرة بموافقتي السريعة جعلته يرضخ لما اريد .. حددت مواعيد العقد يوم الخميس على ان يتم الزواج بعد شهر حينما تكتمل عملية تحويلي الى امراة سودانية كاملة وحرق الجزء الهولندي في حفرة الدخان التي اعدت خصيصا لهذا الغرض ...
يوم العقد البستني عمتي الثوب السوداني بعد جهد كبير وثبتته بكيمة من الدبابيس حتى لا بنفرط عقده امام الرجال .. دخلت وجلست بهدوء والعريس المرتقب يرمقني بنظرات متلهفة فرحة .. انتظرت حتى وصل الماذون لنقطة البكر ثم القيت قنبلتي في وجه ابي وعريسي وكل الحضور .. اعلنت بصوت واضح ولهجة سودانية صميمة بانني لست بكراً واخبرتهم بفقداني لعذريتي مع صديقي منذ عام .. وان ابي على علم بهذا الامر ..
كانت فضيحة مدوية تكلمت عنها ابو حمد لفترة طويلة نلت بسببها ضربا مبرحا من ابي الحانق ونلت ايضا اعفاء من هذا الزواج المفروض عليّ وترحيلي من ابو حمد التي اصبحت جحيما لا يطاق من الغمزات المتبادلة في أي مكان يرتاده ابي ..
تم سجني في شقة مفروشة باحد الاحياء الجديدة في العاصمة بلا أي وسيلة اتصال بالعالم الخارجي .. لم احاول الاستغاثة .. فانا في بلده .. والقانون في صفه .. املي الوحيد هو ايجاد وسيلة للاتصال بالقنصلية الهولندية .. هذا المستحيل ..
كان ابي يغيب لساعات طويلة .. احيانا طيلة النهار وجزء من الليل .. حتى ايقنت انه يتفادى البقاء بمفرده معي حتى لا تستعديه نظراتي اللائمة على ضميره النائم ولا تذكره ملامحي الشاحبة بافعاله القبيحة ... تآمر ضدي الصمت والعزلة والاحساس بالظلم وبدات اهوي في بئر عميق من الياس واحسست باني اكاد افقد عقلي .. وفي ليلة طال فيها غياب ابي قررت ان حياتي ليس فيها ما يستحق ان اعيش من اجله ان كانت ستمر على نفس الوتيرة .. احضرت موس الحلاقة من الحمام وزينت معصمي بخطين رفيعين لكنهما يكفيان لاستلاب روحي المعذبة .. جلست بهدوء وانا انظر الى دمي يسيل ويملا الارض حولي .. عندما فتح ابي الباب بعد فترة قصيرة كنت لا ازال في وعيي احملق في البقعة الداكنة التي بدات تتكون تحت قدمي .. نظرت الي وجهه المفزوع بشماتة وتشف .. وعندما بدا ركضه اليائس نحوي وهو يصرخ .. غبت عن الوعي ..

فتحت عيناي في غرفة بيضاء انظف من تلك التي كنت فيها في ابو حمد .. طالعني وجه ابي الباكي ونظراته القلقة التي ذكرتني برجل كنت اعرفه في زمن مضى .. رجل اعتدت الجلوس على ركبتيه وسماع حكاياته عن وطن صار لي سجنا وجحيماً .. لم احس بالشفقة تجاهه ولا الحزن ولا أي شئ .. مجرد فراغ سكنني بعنفوان .. علمت انني احتجت لكمية كبيرة من الدم لتعويض ما فقدته .. وان ابي اعطاني دمه ..
جاءت الشرطة للتحقيق في محاولة الانتحار والتزمت الصمت التام فعلل ابي الامر بعدم معرفتي للغة العربية .. واخرج لهم جوازي الهولندي .. اخبرهم باني احس بالغربة والحنين الى بلدي واهلي .. فتركوني ومضوا ..
عند خروجي من المستشفى اخذني ابي مباشرة الى المطار .. سلمني جواز سفري .. كمبيوتري .. وتذكرة العودة .. بكلمات حزينة هامسة ودعني وانا مشيحة بوجهي الى الاتجاه المعاكس .. " ياسمين .. يمكن هسة ما تفهمي انا عملت كدة ليه .. لكن حيجي يوم وتفهمي لما تتزوجي ويبقى عندك اطفال تحسي انك ممكن تعملي أي حاجة في الدنيا عشان تحميهم من أي شئ .. حتى من نفسهم لو استدعى الامر .. انتي حتة مني يا ياسمين .. حبك اتزرع جواي من اول لحظة فتحتي فيها عيونك في المستشفى .. انا عملت كدة لاني عرفت من زمان اني ضيعت مايكل .. وكنتي انتي الباقية لي .. كنت عاوز احافظ عليك واحميك من حياة غلط .. لكن واضح انو انا الكنت غلط من البداية .. من يوم ما اتزوجت امك .. حاولي تسامحيني .. حاولي تفهمي وتتفهمي " تعالى نداء طائرة الخطوط الجوية الهولندية معلنا دخول الركاب .. غطيت معصمي باكمامي الطويلة .. شددت ظهري .. رفعت ذقني واتجهت الى بوابة الخروج دون نظرة الى الوراء ...

فــبرايـــر 26م ...
اصبحت في التاسعة عشرة .. انتقلت من امستردام الى مدينة صغيرة .. اعيش وحيدة في شقة خاصة بي واعمل في مجال الدعاية والاعلان .. خارج نطاق العمل اعيش كقط بري لا يألف الناس ولا يتعايش معهم .. اصد كل محاولات التقرب وارفض العلاقات الاجتماعية .. في الليالي الطويلة الباردة التي يجافيني فيها النوم .. اغمض عيناي واسترجع ذكرى سماء تغطيني ونجوم تدنو وتبتعد .. وفي لحظات اكاد اقسم باني اشم عبير الصحراء ومن وراء التلال يتراءى لي وجه حزين يطالبني بالتفهم والغفران .. وجه لكيان احمله داخلي طباعا وملامح ..
في احدى المرات صورت اعلانا وضع في غلاف مجلة مشهورة .. كتب احد النقاد معلقاً على شكلي الغريب " يا له من جمال فريد .. في عينيها نداء الغابة .. وفي حركاتها توثب نمر افريقي .. يحيط بها جو من الغموض وكانها من عالم آخر ..
ارسلت المجلة بالبريد الى عنوان ابي في ابو حمد .. اتمنى ان تكون قد وصلته ...
قصاصة سرية من دفتر يوميات فتاة معقدة


أنا معقدة .. نعم اعترف بهذا الأمر .. وهي صفة تم زرعها داخلي ببطء وألم مع مرور كل يوم من أيام حياتي .. ومع كل تجربة بسيطة تمر على الباقيين مرور الكرام دون أن تخلف وراءها أثرا يبقى .. لا أستطيع أن القي اللوم على من كانوا سبب إحساسي بالنقص .. فأنا قد ولدت بأسباب عقدي ..
عندما حملت بي أمي كانت قد دخلت عقدها الخامس بسنة فتغاضت عن كل الموانع اعتبارا منها بأنها قد وصلت مرحلة الأمان من احتمال حدوث أي حمل .. حتى انقطاع دورتها الشهرية عللته بانها قد وصلت إلى سن اليأس وهذا تطور طبيعي يحدث لكل النساء في عمرها كانت امرأة ممتلئة الجسد وكل ما فيها مستدير لذلك لم يلفت بطنها المتكور انتباه أحد خصوصا وإنها لم تعان من أعراض الحمل التقليدية إلا بعد وجودي داخل أحشاءها بخمسة اشهر .. عندها بدأت تعاني من ارتفاع ضغط دمها .. التعب لاقل مجهود .. والنوم لفترات طويلة تنافست فيها مع أختي وداد التي كانت تحمل طفلتها الثالثة منذ أربعة اشهر ونصف وعندما تزايدت أعراض المرض على أمي حملوها إلى الطبيب وبعد الفحوص التقليدية ظهرت النتيجة التي كانت بمثابة قنبلة سقطت في منطقة هادئة لا حرب فيها .. فأشاعت الرعب وملأت القلوب بالتوجس .. تباينت ردود الفعل ما بين مصدق ومكذب ومصدوم ورافض .. وكان الأوان قد فات للتخلص من وجودي المزعج بعد أن تخطت أمي الشهور التي يمكن فيها إجراء عملية للتخلص من المتطفل آلاتي دون تعريض حياتها للخطر فنجوت من الوأد المبكر .. ويا ليتهم قتلوني وقتها .. فعدم وجودي ارحم كثيرا من ألم حياتي الحاضرة
مرت الأيام وحمل أمي يزداد صعوبة .. وفجأة أعلنت عن وجودي بعنفوان فاصبح بطن أمي كبالون قابل للانفجار في أي لحظة .. بعد تجاوز الإحساس بالصدمة والخجل من الحمل في هذا العمر المتأخر أصبحت أمي سعيدة بفكرة وجودي لانه أعاد إليها أحاسيس كانت تظن أنها فقدتها إلى الأبد .. واصبحت تتيه على نساء الحي بأنوثتها المثبتة ببطنها المتكور وهو يعلن بخيلاء أن خلفه امرأة ما زالت هرموناتها تعمل بكفاءة عالية ... حتى أبي اصبح اكثر لينا وحنانا .. وهبة الأبوة المتأخرة جعلته يزهو وسط أصدقاؤه ...

أثناء فحص روتيني للجنين خلال الشهر الخامس اكتشف الطبيب أن هناك غرابة وشذوذ في التكوين الجسدي للطفلة .. وأنها قد تخرج للحياة بالعديد من الإعاقات وارجع الأمر إلى الحمل في سن متأخرة إضافة إلى استعمال موانع الحمل لفترة طويلة .. تقبلت أمي الأمر بامتثال وخضوع لارادة رب العالمين لكنها لم تستطع إخفاء صدمتها وانفجرت بالبكاء عندما أعطوها قطعة لحم صغيرة حمراء بملامح مطموسة مع نتوء كبير في الجهة اليمنى من كتفها الصغير ألم أخبركم باني قد ولدت بأسباب تعقيدي ؟؟
المضحك في الأمر أن أمي قررت وبكل إصرار تسميتي " جميلة " كأنها أرادت أن تثبت لنفسها وللآخرين إن شكلي لا يهم .. وإنني طفلتها الجميلة في عينيها مهما كان مظهرها ..
مرت السنوات سريعة كنت خلالها اكبر يوما بيوم مع إيمان ابنة شقيقتي وداد التي وضعتها بعدي بيومين ... فكنا كالتوأم وليس كخالة وابنة أختها اعني توأم في الإحساس ومسار النمو وليس في الشكل لان إيمان كانت طفلة جميلة بكل معنى الكلمة عكسي أنا خصوصا بعد أن تمركزت الحدبة في وسط ظهري مع حجم ضئيل وقدم اقصر من الثانية بعدة مليمترات .. عدا ذلك لم اكن أعاني من شئ .. على العكس كنت امتلك ذكاء غير عادي بالنسبة لطفلة في عمري .. تكلمت بطلاقة في شهري الرابع عشر .. في عمر ثلاث سنوات كنت قد حفظت جداول الضرب وقصار صور القرآن الكريم والحروف الأبجدية العربية والإنجليزية .. كنت تجسيد لمقولة كل ذي عاهة جبار .. مرت سنوات الدراسة بين المتعة والعذاب .. متعة التفوق والنبوغ .. وعذاب الرسوب في العلاقات الاجتماعية .. تميزي الأكاديمي جعلني أتخطى أقراني بعدة سنوات فوجدت نفسي في صفوف أعلى بزميلات اكبر سنا واكثر قسوة .. لم يعجبهم أن تأتى هذه الفتاة المعاقة لتحتل المرتبة الأولى وتصبح نجمة المدرسة .. أحيانا كنت اسمع همسهم وهم يصفونني بكلمة " الخلاقة " من وراء ظهري فاتالم والعن سمعي الحاد الذي يجعلني التقط الهمس من مسافات بعيدة
في الرابعة عشرة كنت اصغر طالبة تجلس لامتحان الشهادة السودانية .. كانت الرياضيات التخصص مادتي الأساسية .. والأحياء مادة إضافية .. أهلني مجموعي لدخول كليتي الطب والهندسة من أوسع الأبواب .. فاخترت كلية العلوم الرياضية وتخصصت في الحاسب الآلي لعلمي باني سأبرع في التعامل مع الأرقام الجامدة اكثر من براعتي مع البشر .. طيلة سنوات الدراسة الجامعية كنت اجلس منزوية ارقب علاقات تبدا وأخرى تنتهي .. نظرات ولهى وأخرى حزينة .. همسات ناعمة وضحكات فرحة .. كنت أدرك أنها مشاعر لن تمر بي ولن اختبرها أبدا وسأظل العب دور المتفرج الوحيد في مسرح المشاعر حتى آخر يوم في عمري وكانت هيئتي سبب وحدتي ونفور الناس مني ..لم يكن بمقدورهم النظر إلى ابعد من ظهري المحدوب أو رجلي العرجاء ليرى جمال روحي أو صفاتي الأخرى واكتفى الجميع بالفرجة المجانية على هذا المخلوق المشوه .. كنت أتظاهر بالتجلد والبرود أمام النظرات المشفقة أو المندهشة وعودت نفسي على عدم الاهتمام بمن حولي من البشر ... حتى التقيته ..

كان مخلوقاً بالغ الوسامة .. دمث الخلق .. حلو المعشر .. يملك ابتسامة لها القدرة على إذابة جليد القطب الشمالي .. وضحكة تجعل الشجر يرقص .. في عينيه بريق آسر .. صوته بعمق البحر .. لونه بصفاء الذهب .. مع شخصية قوية تفرض وجودها المهيمن حيثما حلت .. حتى أنا التي كنت احتقر الجمال .. احترمته .. واحببته .. نعم أحببته دون تخطيط او تعمّد .. تم لقاؤنا صدفة في إحدى الندوات التي تقيمها الجامعة عن البرمجة والصيانة .. كنت في سنتي الأخيرة بالكلية وقد ذاع صيتي كعبقرية في مجال الكمبيوتر .. تصلني الدعوات من كل مكان لحضور المؤتمرات التي اقدم فيها أفكاري وبرامجي التي جعلت كل شركات التقنية تتمنى أن انضم إليها .. ووصلتني عروض مغرية حتى قبل التخرج .. رفضت كل العروض لأنها كانت تقدم لجميلة الآلة المتطورة .. وليس جميلة الإنسان الكامن وراء المظهر المنفر .. بدأت علاقتي بأسامة بعد نقاش حاد عندما اختلفت وجهات نظرنا في موضوع يختص بالبرمجة وتشبث كل من بوجهة نظره .. لقد نسيت أن أخبركم بأنه محلل نظم حاصل على ماجستير في مجاله من جامعة بونا بالهند .. انشأ شركة مع مجموعة من أصدقاؤه وكانت تتقدم بخطوات حثيثة .. بعد ذلك النقاش التقينا عدة مرات ولعب اهتمامنا المشترك بالكمبيوتر دوره في تقريب وجهات النظر .. طلب مني الحضور إلى شركته لإبداء رأيي في بعض المسائل الفنية .. وبعد العمل جلسنا في مكتبه الصغير وكان حوارا طويلا في شتى أمور الحياة .. اكتشفت بعدها انه يقرا نفس كتبي ويسمع نفس أغنياتي .. يحب نفس شعرائي .. أحسست بما يشبه الخدر يتسلل إلى أعماقي .. كان للحديث معه لذة غريبة .. متعة خالصة .. وكانت كلماته تصافح أذني كقطرات من العسل الشهي في فم اعتاد مذاق المرارة .. كل هذا وهو لاهي عن الأثر الذي يحدثه في نفسي ..


بمرور الأيام وتعدد اللقاءات غرقت تماما في حب هذا الرجل الحلم ... هذا الحلم المستحيل .. برغم معاملته المتميزة الا انني لم اعطي نفسي الحق في التفكير بانها قد تنم عن شئ غير الاحترام لعملي وعلمي وتفوقي في مجال هو يحبه .. اصبحت لقاءاتنا شبه يومية .. وصار وجودنا الدائم معا مثار تعليقات وغمزات .. فقد صدف يوما وجودي في مكتبة الجامعة وراء كومة عالية من الكتب التي اخفت حجمي الضئيل .. وفي طاولة بعيدة عني جلست فتاتان جميلتان تتحدثان بهمس خافت .. استطاع سمعي الحاد ان يلتقطه بسهولة .. كنت انا واسامة محور الحديث ...
" تصدقي انا محتارة في الولد دة .. بسماحته دي كلها ما لقى غير البت المخلقنة دي يمشي معاها ؟؟ والموضوع باين عليه كل يوم بيتطور زيادة .. في الاول كان بيجي كل فترة .. هسة يوم والتاني ناطي ليها .. يا ربي العاجبه فيها شنو ؟؟ ظهرها ابو حدبة ولا رجلها العرجاء .. حتى وشها شين ولونها عامل زي الطين .. وكلامها دشن وكله عن الكمبيوتر والرياضيات عاملة فيها اينشتاين "
ردت الاخرى بصوت ناعس " يا عويرة ما هو دة الفلم زاته .. مش بيقولوا كل راجل عنده مفتاح لقلبه ؟؟ الزولة دي زكية شديد وعرفت من وين تدخل ليه لاني على حسب ما عرفت انو هو زاته بتاع كمبيوتر وعنده شركة .. يعني الاهتمامات المشتركة لعبت دور .. تصدقي احتمال ما يكون شايف منظرها دة زي ما احنا بنشوفه ؟؟ احتمال يكون شايفها بعيون تانية .. من كمبيوتر لكمبيوتر يعني "
يبدو ان مزاح ذات الصوت الناعس اغضب ذات الصوت الحاد فنسيت هدوء المكتبة وعلا صوتها وهي ترد على صديقتها " بلا عيون تانية ولا تالتة .. الزولة دي بكل العيون بتتشاف قبيحة .. لا والمهزلة انو اسمها جميلة ؟؟ والله ما عارفة اهلها ديل لمن سموها الاسم دة كانوا بيفكروا في شنو ؟؟ .. عارفة انا لمن اشوفهم مع بعض باتذكر مسلسل الجميلة والوحش بس هنا الآية معكوسة نسميها الوسيم والقبيحة وبدل فنسنت وكاثرين عندنا جميلة واسامة "
جعلتني الكلمات القاسية انزوي اكثر واكثر وراء كومة الكتب وانا افكر بمرارة ما اصعب ظلم الانسان لاخيه الانسان .. وما اشد قسوة البشر على بعضهم البعض .. قسوة تفوق تلك التي تمارسها الوحوش في الغابات .. اقله هي تقتل بدافع الجوع فقط أي لسبب مشروع .. ولكن البشريقتلون بعضهم بلا اسباب ..

عندما عدت الى المنزل ذلك اليوم اغلقت باب غرفتي وغرقت في حزن عميق .. احسست بالرثاء على نفسي ولعنت ظروفي .. لقد اعادتني همسات المكتبة الى ارض الواقع بعد ان عشت في خيالي لفترة طويلة .. منذ تعرفي باسامة اصبحت احس وكأنني كازيمودو قارع اجراس كنيسة نوتردام الاحدب القبيح الذي احب ازميرالدا الغجرية الجميلة .. واصبحت هذه القصة مرجعي الذي اعود اليه كل ليلة لاذكر نفسي بما قد يكون .
تخرجت بامتياز مع مرتبة الشرف الاولى .. انهالت علي عروض العمل من كل مكان حتى من خارج السودان .. وبرغم المغريات الكثيرة الا انني فضلت البقاء في السودان .. حيث يوجد اسامة .. قبلت منصب معيدة في الجامعة حتى يتوفر لدي الوقت لتحضير رسالة الماجستير ووزعت وقتي بين الجامعة صباحا .. المكتبة ظهرا .. وشركة اسامة مساء حيث عملت كمستشار براتب مجزي .. وقتها اعتقدت بان الحياة لا يمكنها ان تكون اجمل مما هي عليه .. ما زال اسامة يزرع بداخلي مع معاملته المميزة ولطفه ومراعاته .. وانا ما زلت ازرع حبه سرا مع كل نظرة او لمسة غير مقصودة اثناء العمل سويا على لوحة المفاتيح تغيرت نظرتي للحياة .. خلعت منظاري الاسود واعتبرت نفسي في مرحلة انتقالية كي البس الوردي ..

استمر الحال هكذا حتى جاء اليوم الذي تم فيه تعيين سوزان المتخرجة حديثا من كمبيوتر مان للعمل كفنية في الشركة التي اصبحت بفضل وجودي وعملي المخلص من اكبر الشركات واتسع نشاطها ليشمل خدمات ما بعد البيع عندما افتتحنا صالة العرض الضخمة التي تضم احدث ما وصلت اليه التكنولوجيا في هذا المجال بالطبع كان مكان سوزان في الواجهة بسبب جمالها الفتان ورشاقتها المبهرة واناقتها المفرطة ولغتها المميزة .. بينما اكتفيت انا بمكتب صغير في آخر الصالة .. بمجرد رؤيتها قرع كازيمودو اجراس الخطر في راسي .. لكنني اسكتها وجلست اراقب توددها المستتر الى اسامة .. كل يوم اقيس درجة صموده بترمومتر حساس احمله داخلي .. بدات اشارات الترمومتر بالانخفاض وانا عاجزة عن التدخل .. لم تكن تحبني .. وتغار من طريقة اسامة في معاملتي ..

تبا لسمعي الحاد .. لماذا لم يكن ناقصا كبقية اجزاء جسدي ؟؟
كنت معتادة على الحضور عند الساعة الخامسة مساء .. لكن في ذلك اليوم المشئوم اتيت مبكرة وجلست في مكتبي الصغير دون ان التقي احدا .. لم اتعمد الاختباء او عدم اعلان وجودي .. كنت اعلم ان اسامة سوف ياتي لتفقدي حالما يصل مثل كل يوم .. سمعت ترافق خطواتهما معا .. خطوات اسامة هادئة وواثقة وكعب سوزان العالي وهو يضرب سيراميك الارضية بتتابع رتيب وهما يتجهان الى مكتب اسامة .. لماذا اتوا مبكرين اليوم ؟؟ كنت اود ان انعم ببعض الهدوء والعزلة لترتيب اوراق بحث الماجستير .. لذلك لزمت مكاني وهممت بفتح حقيبتي المنتفخة بالاوراق عندما اتاني صوت الضحكة المليئة بالدلال والغنج .. شيئا ما فيها جمد حواسي فتوقفت يدي في منتصف الطريق واصخت السمع ليأتيني صوت سوزان متبرماً ملحاً ...
" اسامة .. انا ما عارفة انت ليه مصر على وجود جميلة في الشركة ؟؟ .. خلاص انا موجودة وممكن اقوم بكل شغلها .. ولا انت ما عندك ثقة في كفاءتي ؟؟ وبعدين تعال اسالك انت ليه ما عاوزها تعرف بعلاقتنا ؟؟ وليه بتتعامل معاها بالطريقة دي ؟؟ البيشوفك بتعاملها كدة يقول بتحبها .."
وكان رد اسامة ضربة قاسية لكازيمودو .. " سوزان .. قولي بسم الله .. احبها شنو ؟؟ واحبها كيف يعني ؟؟ هو البيعرفك انتي تاني بيقدر يحب بت غيرك ؟؟ خلي تكون جميلة ؟؟ انا بس مجرد باشفق عليها عشان حالتها .. دي بت مسكينة ما تشوفي شكلها القبيح دة لكن جواها انسانة جميلة ومثقفة وفاهمة شديد .. و .. قاطعته سوزان بصوت ممتلئ غيرة وحقداً " يا اخي ما تنظم لي فيها قصيدة شعر ؟؟ بلا جميلة بلا مثقفة .. اسمع يا اسامة انا المخلوقة دي ما باحبها .. يا اخي لمن اشوفها بتجيني غمة في صدري .. باتشاءم من منظرها وبتذكرني افلام الرعب .. وهي زاتها بتكرهني شديد وما طايقة وجودي في الشركة .. يبقى خلاص انت حدد منو فينا التقعد ومنو التمشي "
كان صوت اسامة مستعطفاً وملحا " يا سوزان كبري عقلك .. انا محتاج لجميلة عشان الشغل يمشي .. انتي عارفة انو الزولة دي عبقرية في مجالها .. والشركات المنافسة لي كلها بتتمنى لو بس تديها ساعة من وقتها .. ما باقدر افرط فيها .. حاليا على الاقل لغاية ما الشغل يثبت شوية .. واوعدك بعد كدة استغنى عنها "
وكأن اصرار اسامة على وجودي زادها غيرة وعناداً فاتى صوتها حادا ومصمما ً " خلاص يا اسامة لو انت اخترت تخلي جميلة انا حاطلع .. مش من الشركة بس .. من حياتك كلها .. انا باقول ليك يا انا يا هي "
بدا صوت اسامة متوترا وهو يرجوها " يا سوزان ما تختيني في حتة ضيقة .. البت بتشتغل لي بكل اخلاص .. عاوزاني اقول ليها شنو ؟؟ فجاة كدة ما عاوزك ؟؟ "
وقبل ان ترد سوزان اتاه ردي " ما في داعي تقول أي شئ يا اسامة ... وشكرا يا سيدي على شفقتك وعطفك يسعدني ارجعهم ليك لاني ما محتاجة ليهم .. ومعاهم هدية ليكم الاتنين مرتب الشهر دة .. اعتبروها هدية عرس مقدمة مني ليكم "
خرجت بكرامة جريحة .. قلب مكسور وظهر محدوب ...


رفضت كل عروض العمل المغرية وقررت التفرغ للجامعة والتحضير ... وعالمي الخاص .. عندما ياتي الليل ويسود الهدوء احضر لنفسي كوب شاي بالحليب ..ساندويتش جبن بالطماطم .. وافتح ابواب عالمي الخاص .. عالم يتكون من نفسي التي ازدادت عقدها .. ولوحة المفاتيح .. وخيال واسع ..
عالم خلقت فيه عدد لا متناه من الاشكال والاسماء .. عالم النت الغريب .. عالم انا المتحكمة بسير الامور فيه .. بضغطة زر اصنع كيانا جديدا .. وبآخرى امحوه .. لكل شخص التقيه انا شخصية جديدة باسم جديد وهيئة مختلفة .. القاسم المشترك بينهم جميعاً ان كل الاسماء جذابة وموحية .. وكل الهيئات جميلة وساحرة .. ليس فيها عيب او نقص ..

ولجت كل الات السودانية .. واصبحت نجمة فيها .. في منتدى الحب .. انا حبيبة .. الفتاة الجميلة المدللة التي تدخل وهي تتابط لوحة اشارات فتعطي هذا الضوء الاخضر وتضع آخر في الاصفر لتضئ الاحمر لمغفل صدق اكاذيبها ووعودها ...

في منتدى العقلاء انا لبابة الفتاة العاقلة المثقفة التي يطلب الكل وصالها وتتمنع ..
في منتدى الضحك والفرفشة .. انا بسمة الشقية المرحة .. احب الفرح واكره الحزن ..
واصبحت ضوء تدور حوله الفراشات .. تعلقت بي قلوب الكثيرين .. وفي كل ليلة تاتيني عشرات رسائل الحب .. ومئات الطلبات بكشف هويتي او وضع صورتي .. وكنت اجد لكل طلب حجة مختلفة .. وكان تمنعي يزيد الجميع اصرارا ..


 
 
رد مع اقتباس
 
 
   
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة








الساعة الآن 06:02 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
منتديات بال مون - منتديات رومانس مون
  PalMoon.net