منتديات بال مون  

العودة   منتديات بال مون > منتدى الفن والأدب > منتدى روايات عبير وأحلام > الروايات العربية

الروايات العربية قسم مختص بعرض أشهر الروايات العربية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-04-2016, 08:45 AM   رقم المشاركة : 13
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


عروس النيل


- إنها تزداد سوءاً يا دكتور .. فهي منذ أن عادت إليها الذاكرة وهي تلتزم غرفتها وتمتنع عن الحديث والطعام وترفض الدواء .. إنها تطلب الموت لنفسها في كل حين والدموع لا تفارق عيناها .. ولا أدري ماذا أفعل من أجلها .. أشعر بالخوف والقلق عليها يا دكتور ..
- لا داعي لكل هذا القلق .. إن حالتها طبيعية جداً .. فهي تعيش موقف آثار في نفسها الحزن وكأن هذا الموقف لم يمضي عليه سوى يوماً أو يومين .. فالأيام التي عاشتها وهي فاقدة للذاكرة ليست محسوبة لديها .. ولا تستطيع أن تعيش هذا الموقف على أنه مضى عليه ما يقارب السنتين والنصف .. هي تحتاج فقط بعض الوقت وبمساعدتك أنتِ لها لن تأخذ وقتاً طويلاً في النسيان وتقبل العلاج ..
دخلت الممرضة وهي تحمل كأساً من العصير وقدمته إلى "صفاء" وبينما هي تتناوله من يد الممرضة كان الدكتور "مراد" يطالعها ويراقبها بنظراته وعينان لا ترمشان ..
وبعد حديثٍ قصير دار بينهما قامت "صفاء" لتصافحه وتطلب منه السماح لها بالذهاب .. ولكنه طلب منها أن تجلس مرة أخرى لبعض الوقت .. لأن لديه موضوع يريد التحدث معها بشأنه ..
وجلست "صفاء" بعد أن ألقت نظرة خاطفة على ساعتها المشدودة على معصمها ثم قالت له بصوتٍ هادئ :
- خير يا دكتور مراد .. ما هو هذا الحديث الذي تريد التحدث معي بشأنه ..؟
تردد في الكلام بعد أن بحث عن كلمات مناسبة يبدأ بها حديثه .. فقد بدأ لسانه يتلعثم وقلبه يخفق بشدة .. وعيناه لا تقوى النظر إليها ..
وتناول منديلاً ليمسح قطرات من العرق افترشت جبينه .. ثم مسح على شعره بيده وقرر في داخله أن يتشجع ويقول ما يريد دون تردد .. ثم نظر إليها وقال لها دون أي مقدمات لكلامه :
- هل تقبلين الزواج مني يا صفاء ..؟
- ماذا تقول ..؟!!
- قلت هل تقبلين الزواج مني أم لا ..؟؟ أريد الجواب حالاً وبصراحة ..
أحست "صفاء" برعشة الخجل تنفض جسدها وتفقدها القدرة على الكلام .. كان سعيدة بطلبه هذا وفي نفس الوقت كانت لا تستطيع الإجابة عليه بعد أن عقدت المفاجأة لسانها وأصبحت غير قادرة على الكلام بدون تلعثم ..
وبعد لحظات من الصمت قطعه "مراد " حين قال :
- لم أسمع ردك على سؤالي يا صفاء ..؟؟
- لقد فاجأتني بسؤالك هذا .. إني أحتاج وقتاً للتفكير .. ومن ثم أجيبك على سؤالك..
- لكِ ما تشائين .. ولكن أريد أن أسمع منك كلمة واحدة تزرع الأمل في نفسي ..
ولا مانع في أن تفكري بالأمر ولكن عديني أن لا تتسرعي في قرارك ..
- أعدك بذلك ..
ورمقته بنظرةٍ ملئها السعادة والحياء حتى أنها انطلقت نحو الباب مسرعة دون أن تنظر إليه أو تقول له أي شيء ..
وخرجت من عنده وهي تحمل حلماً جميلاً طالما حلمت بتحقيقه بعد لحظة كهذه .. وها هي تعيش الحلم والأمل .. والقرار بيدها ..
بكلمةٍ واحدة تجعل هذا الحلم حقيقة .. وتجعله واقعاً تعيشه وتسعد به .. وبكلمة واحدة منها تنهي كل شيء .. حتى مجرد الحلم ..




** ** ** ** ** **

إن عذابي يفوق عذابه الآف المرات وكلانا يملك السعادة للآخر ..
ولكنني لا أستطيع منحه إياها كما لا أستطيع أن أعيش سعادتي بين يديه ..


كانت أم ليلى تعاني من مرض في قلبها .. وكثيراً ما تكون طريحة الفراش بأمر من الطبيب لضرورة الراحة التامة لها .. وذات يوم ازداد عليها المرض .. وطالت الأيام عليها وهي طريحة الفراش .. ولم يكن هناك ما يغير من حالتها الصحية سوى المهدآت ومسكنات الألم التي تجعلها في نوم مستمر ..
كان وجود ابنتيها "ليلى" و "صفاء" بجانبها يشعرها ببعض الارتياح وينسيها معاناة المرض والوحدة .. أما "ليلى" فقد أحست بحزنٍ شديد لمرض والدتها .. وسوء حالتها فراحت تذرف الدموع الغزيرة وهي تجلس بجوارها وتمسك بيدها الباردة كالثلج .. وتتضرع إلى الله لها بالشفاء وطول العمر .. فهي لا تريد مزيداً من ا لأحزان ولا تريد إضافة هم جديد على همها .. وفي بعض الأوقات تشرد بذهنها لتفكر في حالتها وحال زوجها "أحمد" وتتذكر خيانته لها فتزداد رغبتها في البكاء ويزداد حنينها لأن ترتمي في حضن والدتها وتذرف على صدرها الدموع الغزيرة التي لا تجف .. حتى جاءتها أختها "صفاء" وهي في مثل هذه الحالة من البكاء الشديد وقالت لها وهي تمسك بكتفيها وتحاول تهدئتها ومنعها من البكاء :
- مش كده يا ليلى .. إن والدتنا بخير وستشفى بإذن الله .. إنك تزيدين من ألمها لو استيقظت ورأتك في هذه الحالة من البكاء .. اهدئي .. اهدئي أرجوك .. من أجل أمي ومن أجل صحتك أيضاً ..
حاولت "ليلى" مسح دموعها بطرف أناملها ثم قالت :
- لا أدري ماذا جرى لي ..؟ كلما تخيلت أنني سأعيش بدون أمي وأنني سأفقدها في يوم من الأيام أشعر باختناق في صدري وأنفجر بالبكاء حتى أكاد لا أتماسك ولا أمتنع من البكاء إني خائفة جداً يا صفاء .. خائفة ولا أدري لماذا ..؟؟
أمسكت "صفاء" بيد أختها "ليلى" لتأخذها إلى خارج الغرفة التي ترقد بها والدتها .. وفي الصالة الصغيرة المجاورة لغرفة والدتها جلست "صفاء" وأختها "ليلى "تتحدثان بهدوء ثم قالت "صفاء" تسأل أختها "ليلى" :
- أما زلتِ مقتنعة بقرارك في إنهاء علاقتك بزوجك "أحمد" والابتعاد عنه إلى الأبد..؟ أنا لا أريد جواباً منك الآن .. أريدك أن تسألي نفسك وأن تجيبي على نفسك حتى تعرفي مصيرك بعد هذا القرار ربما تجدين حلاً ينشلك من هذا الخوف الذي أقلق منامك وعكر صفو حياتك..
كل ما تدركه "ليلى" هو أن أختها "صفاء" وقعت على جرحٍ عميق في صدرها وعرفت كيف تحيي هذا الجرح بسؤالها .. بل ربما عرفت كيف تبدأ في علاج هذا الجرح ..
لم تحاول "صفاء" أن تقطع شريط أفكارها وتركتها تستغرق في التفكير واسترجاع ذكرياتها السعيدة والتعيسة في آنٍ واحد .. حتى تستيقظ من وهم وضعت نفسها فيه ولا تعرف كيف الخروج منه ولو بوهمٍ آخر ..
وبعد وقتٍ قصير بدأت دموع "ليلى" تتساقط على خديها وعيناها لا تزالان تنظران في الفراغ دون أي حركة وحين رأتها شقيقتها "صفاء" في حالتها تلك من البكاء أمسكتها من كتفيها وصرخت بها قائلةً :
- ليلى .. ما بك يا عزيزتي ..؟ ليس إلى هذا الحد .. لا تعذبي نفسك أرجوك .. ألتفتت إليها "ليلى" والدموع لا تزال عالقة في عينيها ثم قالت :
- لقد تسببت في عذاب "احمد" كما تسبب في عذابي ولكن الفرق بيني وبينه أنه حاول جاهداً كي ينسيني العذاب ويعود بي إلى قلبه وحبه .. وأنا .. أنا مازلت أضربه بسياطي دون رحمة ولم أحاول العفو عنه وهو يطلب مني السماح والغفران بكل قوة وبكل رجاء ..
ثم وقفت "ليلى" لتمسح دموعها المتبقية بطرف يدها ثم أكملت تقول :
- أنا لا أستحق حب أحمد يا صفاء .. أنا امرأةٌ قاسية ومتمردة .. متمردة يا صفاء وأشعر بالخجل من نفسي ومن تصرفاتي ..
كانت "صفاء" تبتسم وهي تستمع إلى كلام "ليلى" فهي تعلم أن هذا الحديث لم يكن سوى بداية الشفاء الحقيقي .. ليس الشفاء من فقدانها الذاكرة .. فهي قد شفيت منه تماماً .. وإنما شفاءها من داء الهجر والابتعاد عن الإنسان الذي أحبها من كل قلبه ولا يريد أن يخسرها مهما كان الثمن ..
كانت "صفاء" تمسح على شعر أختها برفق وحنان وهي تتمتم بصوتٍ خافت :
- الحمد لله .. الحمد لله .. أنتِ بخير الآن يا حبيبتي .. ولن تشعري بالخوف بعد الآن أبداً .. أبداً ..
كان الدكتور "مراد" دائم الاتصال بصديقه "أحمد" الذي يجلس في بيته وحيداً بعد أن تركته زوجته "ليلى" وذهبت للعيش في بيت والدتها .. وكثيراً ما كان يلقي عليه كلمات الصبر حتى يخرج من وحدته ومن السجن الذي كتبه على نفسه ..
ولكن "أحمد" لم تكن لتأثر عليه كلمات الصبر تلك .ز ولم يكن يقبل أي عرض للخروج من سجنه الذي كان يرى في أركانه صورة حبيبته "ليلى" .. بل كان يصر على الجلوس في بيته وإغلاق جميع الأبواب والنوافذ من حوله .. حتى يسوَّد المكان ويعم الظلام في كل بقعة يجلس فيها كي يرى صورة "ليلى" وهي في أجمل مظهرٍ أحبها عليه .. وفي أرق ابتسامة رآها على شفتيها ..
وضل الدكتور "مراد" في حوار عقيم مع "أحمد" وخرج من عنده وهو لا يحمل أي أمل ولو ضئيل في عودة صديقه "أحمد" إلى حياته الطبيعية وإلى ابتسامته التي فقدها على وجهه ..
ولم يكن أمامه سوى الى بيت والدة ليلى ليتحدث إليها ويحاول إقناعها بالعودة إلى حياتها مع زوجها "أحمد" فلعل ذلك يثمر نتائج أفضل في إخراج "أحمد" من عزلته ومحنته بدلاً من التحدث إليه وإقناعه بما لا يرضى به ..
وصل "مراد" إلى بيت والدة "ليلى" وطرق الباب لتفتح له "صفاء" وحين وجدته يقف أمامها أحست بشيءٍ من الخوف والخجل فهي تخاف أن يتحدث مع أختها "ليلى" في موضوع زواجهما فالوقت غير مناسب لمثل هذه الأمور .. ولكنها قبل أن تغرق في أفكار أخرى لجأت إلى سؤاله وهي لا تزال تمسك بطرف الباب وقبل أن تسمح له بالدخول .. قالت :
- ما الذي أتى بك الآن يا دكتور مراد ..؟
أجابها مداعباً وقال :
- وهل من عادتكم سؤال الضيف عن سبب قدومه قبل دخوله ..؟ أم أن هذا السؤال معد لي شخصياً ..؟
حينها شعرت بالخجل من تصرفها العجيب معه .. واحمرت وجنتاها وقالت وهي تفتح الباب على مصراعيه وتشير له بيدها نحو الداخل :
- لا أبداً .. تفضل .. البيت بيتك يا دكتور .. تفضل ..
ودخل الدكتور "مراد" إلى الصالون .. وراح يتجول بعينيه حوله لعله يرى "ليلى" ولكنه لم يجدها وحين اقتربت منه "صفاء" سألها بهدوء :








رد مع اقتباس
قديم 05-04-2016, 08:45 AM   رقم المشاركة : 14
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


عروس النيل


- ستأتي حالاً .. ماذا تشرب ..؟
- قهوة من فضلك ..
وذهبت "صفاء" لتعد له فنجاناً من القهوة والدهشة تملئها وهي تراه يتحدث معها بكل حذر وكأنها تراه لأول مرة ولم يكن بينهما حديثٌ جميل تنجذب إليه الروح ويأنس له الفؤاد ..
حينها خرجت "ليلى" من غرفتها لتقابل "مراد" وتعرف منه سبب زيارته المفاجأة .. ووقف "مراد" ليصافحها ودهش وهو يرى علامات الإرهاق والتعب على وجهها .. وكأنها لم تنم منذ زمنٍ طويل .. وكأن عيناها قد أذبلتهما الدموع والحزن ..
لم يتمالك نفسه عن السؤال حين رآها بتلك الحالة .. فقال لها :
- ما بك يا مدام ليلى ..؟ تبدين متعبة ومرهقة .. هل أنتِ مريضة ..؟
حاولت أن تصرف وجهها عنه كي لا تقع عيناها في عينيه حتى لا يرى دموعها وهي تقول له بصوتٍ غائر :
- لا إني بخير .. فقط أشعر بالتعب من عدم النوم .. فأنا أسهر طوال الليل بجوار والدتي .. فأنت تعلم أن أختي صفاء مرتبطة بدراستها في الجامعة ولا يمكنها السهر مع والدتي ..
حينها سألها على الفور بدهشة قائلاً :
- والدتك ..؟!! وما بها والدتك ..؟
- إنها مريضة .. وتعاني من تعب في قلبها مما أطرحها على الفراش لأيام طويلة ..
- أنا آسف جداً .. لم يكن لدي علم بذلك .. ( ثم وقف وقال لها ) هل يمكنني الدخول إليها لرؤيتها والاطمئنان عليها ..؟
- بالطبع .. تفضل .. هذا لطفٌ منك ..
وبعد خروجه من غرفة والدتها أحس "مراد" أن الوقت غير مناسب للتحدث عن وضع "أحمد" فقد يزيد ذلك من تعبها وقلقها .. فقد لا تحتمل المزيد من المتاعب ..
ولكن "ليلى" شعرت بما يدور في نفس مراد .. وأنه يريد التحدث معها بأمرٍ هام وضروري فسألته بلطف :
- ما بك يا دكتور ر مراد ..؟ أرى أنك تحمل كلاماً وتخشى قوله ..
وقبل أن يجيب علي سؤالها دخلت "صفاء" وهي تحمل صينية القهوة وقدمتها وهي لا تنفك تنظر إليه وهو يبادلها النظرات بشيءٍ من الخجل من وجود أختها "ليلى" أمامه .. فهو لا يريد أن يخلق موقفاً محرجاً معها .. وجلست "صفاء" وقالت وهي تتناول فنجان القهوة الخاص بها :
- هل لديك أخبار عن أحمد يا دكتور مراد ..؟
كان سؤالها مفاجأة لشقيقتها فهي لا تريد التحدث بأي موضوع يخص "أحمد" .. ولكن الدكتور مراد كان سعيداً لهذه الفرصة التي أتاحتها له "صفاء" فقال دون تردد :
- في الحقيقة .. هذا ما جئت من أجله .. ولكنني أرى أن الوقت غير مناسب للتحدث في هذا الموضوع لذا من الأفضل أن أنتظر لقاءاً آخر ..
وقبل أن يعتدل في وقفته قاصداً الذهاب أمسكت "ليلى" بمعطفه وطلبت منه الجلوس وقالت له وفي كلامها نبرة قلق ورجاء :
- أرجوك أن تجلس وتحكي ما لديك الآن .. ماذا تحمل من أخبار عن أحمد ..؟
- إن حالته تزداد سوءاً يوماً بعد يوم .. إنه .. ( قاطعته ليلى بلهفة الخائف وقالت ):
- هل هو مريض ..؟ هل أصابه مكروه ..؟ أجبني أرجوك ..
تعجب من لهفتها عليه ولم يستطيع أخفاء ابتسامة صغيرة على شفتيه من تصرفها الذي لم يكن يخطر في باله أبداً .. ثم قال :
- لا هذا ولا ذاك .. إنه يحبس نفسه في البيت ولا يرضى الخروج منه أبداً .. كما أنه يمتنع عن الطعام والشراب حتى بدا هزيلاً تتوشحه الهموم والأفكار .. لقد أصبحت كثير القلق عليه فأنا طبيب وأعلم أن الذي يفعل بنفسه هكذا لن تكون نهايته مرضيةً أبداً .. وحتماً سيصاب بمرض الاكتئاب المزمن أو ربما يصاب بانهيار عصبي .. وهذا ما أخشاه ..
وقفت "ليلى" وهي تضع يداها على وجهها .. والرعشة تنفض جسدها النحيل وقالت بصوتٍ يكاد يحبسه البكاء والخوف :
- يا إلهي .. أنا السبب .. أنا السبب .. ماذا أفعل يا ربي ..؟ إن عذابي يفوق عذابه آلاف المرات وكلانا يملك السعادة للآخر .. ولكنني لا أستطيع منحه إياها كما لا أستطيع أن أعيش سعادتي بين يديه .. أكاد أفقد عقلي .. ويشل تفكيري .. ماذا أفعل ..؟ كيف أنقذ الإنسان الوحيد الذي أحببته في حياتي .. يا لعذابي وقلة حيلتي ..
واقتربت "صفاء" منها لتمسك بها وتهدأ من انفعالها وقالت لها وهي تمسح على شعرها وتقبض على يدها بحنان :
- اهدئي أرجوك .. ستجري الأمور كما تريدين .. لا تقلقي يا عزيزتي ..
كان " مراد" شديد التأثر مما قالته "ليلى" وقد أشفق على حالها البائس .. ووقف وهو يضع نضارته على وجهه ثم قال بهدوء :
- أنتِ إنسانة رائعة يا ليلى .. وأروع ما فيك حبك الصادق لأحمد وإخلاصك له رغم كل ما حدث .. نعم .. لقد سمعت حكايتكما من صديقه "سامح " وصعقت بتصرفه الخاطئ معك .. ولكنني لم أشأ أن أعاتبه فهو يعيش الندم بما فيه الكفاية .. وكل ما أطلبه منك أن تحاولي النسيان وقبل هذا كله أرجوك أن تسامحيه فالقلب الذي يحب لا يصعب عليه أن يسامح ويغفر لمن أحب .. ( نظر إلى ساعته المشدود في معصمه وقال ) أرجو المعذرة فالوقت يمضي ولدي الكثير من الأعمال .. عليه الذهاب الآن .. إلى اللقاء ..
لحقت به "صفاء " حتى أوصلته إلى الباب وودعته بابتسامة ساحرة تحمل فيها كل معاني الشكر على زيارته التي تركت بصمة رائعة في قلب أختها "ليلى " ..
وأغلقت الباب بهدوء ثم أسندت رأسها عليه قليلاً لتستعيد بعض كلماته الحنونة التي قالها حين زيارتها له في عيادته قبل أيامٍ قليلة ..

** ** ** ** ** ** **
تريده في هذه اللحظة أن يرى دموعها ..
ولن تمانع في أن يمسحها بيده .. ويشعر بمرارة الحرمان الذي تعاني منه ..


ماتت " أم ليلى " بعد أسبوعين من زيارة الدكتور "مراد" .. وأقيم العزاء في بيتها حيث تقف أبنتيها "ليلى" و "صفاء" لتقبل العزاء من كل معارفهما وأصدقائهما وجيرانهما ..
وفي اليوم الثاني من أيام العزاء كان "أحمد" يجلس في غرفته يتصفح دفتر المذكرات الخاص بـ"ليلى" ويبتسم فرحاً حين يصل إلى كلمات الشوق والحب التي كتبتها إليه أثناء فقدانها الذاكرة .. وتعود البسمة أدراجها حيث الحزن والقلق واليأس لتعلن أنه لا وجود لها في حياته .. حين يتذكر صدودها عنه .. ورفضها الرجوع إليه ..
وبينما هو غارق في الذكريات الجميلة والمؤلمة في آنٍ واحد وهو يضم دفتر مذكراتها في حضنه ويسرح بخياله نحو الأفق وهو يقف على نافذة غرفته جاءه اتصال من طبيب العائلة وصديقها المقرب منذ زمنٍ بعيد الدكتور مراد وأخبره بوفاة والدة "ليلى" وأنه عليه زيارتها والقيام بواجب العزاء لها ..
شعر "أحمد" بالأسف والحزن الشديد على حماته التي كانت في قمة العطاء بالنسبة له .. وهو يكن لها الحب الوفير والتقدير والاحترام .. ولكن يبقى أمامه عقبة يخاف تخطيها وهي كيف يمكنه زيارة "ليلى" ومؤاساتها وهي التي ترفض مقابلته وترفض حتى رؤيته ..
إنه يخشى أن يقف منها موقفاً يجرح فيه إحساسه ومشاعره .. فهو يدرك تماماً أنه لن
يجد من يستقبله ويصافحه بل قد يطرد من بيتها شر طرد .. وممن ..؟ من حبيبته "ليلى" وضل فترة قصيرة في تفكير وتردد .. ولكنه وقف عازماً على الذهاب وقرر في نفسه أن يحتمل أي شيء من أ جل التخفيف عن "ليلى" ولو جزءاً بسيطاً من حزنها .. وما عليه سوى أداء الواجب المفروض عليه ..
وفي بيت "ليلى" كان صوت القرآن يعلو في أرجاءه والنساء المرتديات الملابس السوداء إعلاناً للحزن يجلسن حول "ليلى" وأختها "صفاء" وهن ينصتن إلى صوت القارئ ويشاركن في ذرف الدموع والحسرات .. دخل "احمد" بتثاقل شديد .. وقلق مما سيواجه بعد لحظات .. حينها رأى ليلى تجلس على الكرسي وخدها يتوسد يدها .. والدموع تتساقط من عينيها كأنها سحابة ممطرة في خط الاستواء لا تقف ولا تجف ..
ووقف صامتاً وعيناه تتجولان في أرجاء البيت الذي عمه الحزن والأسى وتمنى من الله لو أنه يمسح تلك الدموع المتساقطة على خد "ليلى" ويكون أول من قدم لها العزاء في أقرب الناس إليها .. ولكن كيف يجرأ على وضع يده على خدها ليمسح تلك الدموع وهو الذي كان سبباً في ذرف دموع أخرى على خدها منذ فترة طويلة من الزمن .. ولم يستطيع بحبه ولا بدفء حنانه أن يمسحها ويخفف عنها وطأة الألم والحزن الشديد على حبها الضائع ..
واستعاد في هذه اللحظة الصغيرة أجمل الذكريات .. وأحلى أيام قضاها مع زوجته وحبيبته "ليلى" وعاد الحزن يفترش على وجهه حين تذكر غضبها وخيانته لها .. وقرر أن يعود أدراجه .. وأن لا يواجه الموقف مع "ليلى" واستدار بظهره للخروج .. ولكن "صفاء " أمسكت بكتفه وطلبت منه الدخول والتحدث إلى أختها ووعدته أنه لن يسمع منها ما يضايقه ويسبب حرجاً له ..
ولكنه مازال يشعر بالخوف والضعف .. وقدماه تسحبانه إليها .. وتوقف قليلاً وأخرج منديلاً أبيض من جيبه ليمسح قطرات من العرف تصببت على جبينه .. وقبل أن يعيده إلى جيبه مرة أخرى التفت إلى "صفاء" وطلب منها أن يدخل غرفة الجلوس ويقابل "ليلى" هناك حتى يكون بعيداً عن مراقبة أولئك النساء ..
ودخل "أحمد" إلى غرفة الجلوس .. ووقف ينتظر قدومها إليه بفارغ الصبر .. وحين
جاءت تقدم إليها مسرعاً وأمسك بيدها ليضعها بين يديه وشد عليها بلطف ثم قال لها بصوتٍ يشبه الهمس :
- شدى حيلك يا ليلى .. البقية في حياتك ..
سحبت يدها من قبضته ثم قالت له بصوتٍ غائر :
- شكراً لك ..
وطلبت منه الجلوس .. وبعد أن جلس "أحمد" أخذت مكانها بعيداً عنه حتى تهرب من نظراته التي كانت تتابعها ولم تكن ترفع عيناه إليه .. فهي تخاف أن يقرأ فيهما شيئاً كانت تخفيه ولكن "أحمد" قام ليجلس بجوارها وأمسك بيدها مرةً أخرى وقال لها :
- لا أخفي عليك أنني كنت خائفاً من هذا اللقاء .. ولكن ذلك الخوف تلاشى منذ أن رأيتك ولمست يدك .. أما الآن فأنا أخاف أكثر وأنا أراك تتحاشين النظر إلي .. أرجوك يا ليلى لا تعيدي الخوف إلى قلبي .. لا تحرميني من الأمان الذي لا أجده سوى في بريق عينيك ..
لم تكن "ليلى" قادرة على سماع مثل هذا الكلام دون أن تذرف دموعاً مختزنة .. وتطلق لها العنان .. فهي تنتظر منذ وقتٍ طويل مثل هذه اللحظة كي تفجر ما بداخلها من مشاعر مكبلة .. وصرخات ملثمة بلثام الصمت ..
ووقفت "ليلى" لتقف أمام النافذة .. وتتنفس الصعداء بعيداً عنه .. دون أن تمد يدها إلى خدها لتمسح دموعها المتساقطة بكثرة .. فهي لم تعد تهتم بإخفائها عنه .. تريده في هذه اللحظة أن يرى دموعها .. ولن تمانع في أن يمسحها بيده .. ويشعر بمرارة الحرمان الذي تعاني منه بعد فقدانها أقرب الناس إليها وهي والدتها ..







رد مع اقتباس
قديم 05-04-2016, 08:45 AM   رقم المشاركة : 15
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


عروس النيل


شعرت "ليلى" برغبة جارفة في أن تلقي برأسها على صدره .. وتبكي ملئ عينيها ربما تهدأ بين يديه .. وحين رفعت نظرها إليه أرسل ابتسامة صغيرة ومد يده ليمسح دموعاً التصقت بخدها .. وقال لها هامساً :
- لن أسمح لهذه الدموع أن تجرح خدك بعد اليوم .. أعدك بذلك ..
حينها ألقت برأسها على صدره وغرقت في بكاءٍ جديد .. ولكن دموعها هذه المرة ليست حزناً ولا ألماً .. إنما دموع الفرحة لعودة الحبيب .. دموع الشعور بالأمان في حضنٍ إنسانٍ ترفض العيش بعيداً عنه ..
شعرت "ليلى" بسعادة لا حدود لها وهي ترى كل شيء من حولها متجمد ولا حياة فيه لتبقى الحياة الوحيدة في هذا الكون هي تلك القابعة في صدره .. وغمرت وجهها أكثر .. وضمها بقوة وحنان وهمس في أذنيها كهمس العصافير في أول النهار قائلاً :
- الآن رجعت إليَّه نفسي .. وهدأت كل مخاوفي .. الآن فقط أشعر بالحياة وأنتِ بين ذراعي بعد أن فقدتها أياماً طويلة وأنت بعيدةً عني .. التصقي بي أكثر .. اغمريني بحبك فأنا احتاج إليك أكثر من حاجتي إلى الهواء ..
رفعت رأسها إليه ثم وضعت وجهه بين راحة كفيها وقالت له :
- أنا من فقد الحياة بعيداً عنك .. وها أنا آخذها منك لأعيدها إلى قلبي الميت .. فحبك نبض قلبي .. وقد فقد قلبي الحياة حين نزعت هذا الحب منه .. وحاولت أن أرغمه على النسيان ولكنني كنت ضعيفة أمام هذا الحب الذي غرس جذوره في صدري .. أحبك يا أحمد أحبك كثيراً ..
مسح بيده على شعرها وقال يهمس في أذنيها :
- هل هذا يعني أن "عروس النيل " قد عفت عني ونسيت كل .....
وضعت يدها على شفتيه لتمنعه من إكمال كلامه وقالت :
- أرجوك .. لا تكمل .. دعنا من الماضي ونحن الآن نعيش الحاضر .. دعنا نعيش اللحظة بقدر حرماننا منها .. لا أريد التحدث عن شيء لا وجود له ..
وضمها إليه مرةً أخرى .. وغرقا معاً في بحرٍ من الحب .. وراح كلاً منهما يبث للآخر شوقه وحنينه .. وغابا في لهيبٍ من الهمس والقبل ..
عادت الفرحة ترفرف في أرجاء البيت .. بيت "أحمد توفيق " و " ليلى علوان " وانطلقت منه زغاريد تبارك لهما حياتهما الجديدة ..
وبعد عامهم الأول معاً ارتفعت " زغرودة " عالية لقدوم طفلتيهما الأولى " أمل "..
" أمل " التي كان قدومها بالنسبة لهما إشراق الأمل من جديد .. الأمل الذي أثبت وجوده بينهما ليكون فانوساً مضيئاً لا ينطفئ أبداً ..
وتتجدد الفرحة ..
ويتجدد الأمل ليفتح باباً جديداً أمام قلبين اثنين .. حين طلب الدكتور "مراد" الزواج من "صفاء" الفتاة التي أحبها بكل جوارحه .. وتزوجا ليكملا مشوار حياتهما معاً ..




** ** ** ** ** ** **


غيداء الجنوب
1421هـ










رد مع اقتباس
قديم 05-04-2016, 08:46 AM   رقم المشاركة : 16
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


عروس النيل








رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة









الساعة الآن 11:59 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
منتديات بال مون - منتديات رومانس مون