صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

العودة   منتديات بال مون > منتدى الفن والأدب > منتدى روايات عبير وأحلام > الروايات العربية

الروايات العربية قسم مختص بعرض أشهر الروايات العربية






الرجاء استخدام خاصية البحث أدناه للبحث في الموقع:









إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #5  
قديم 05-04-2016, 11:04 AM
الصورة الرمزية جنيــن
:: عضو مميز ::
______________
View جنيــن's Photo Album  جنيــن غير متواجد حالياً
 
غرباء منتصف الطريق



لم يكن التبغ ما شغل فكرها، بل شروده وشعوره بالانقباض وأحياناً بالعظمة، وإحساسه بوجود ضوضاء خارج البيت، ووجود موجات صوتية تعطي اهتزازات داخل الغرفة، بدأت تخافه خاصة بعد أن مدّ يديه وغسلهما من نقاط ماء مدلوقة على الأرض، إذ تصورها بحيرة، ضحكت وخرجت من الغرفة، وهي غير قادرة أن تنسى هذا الموقف. بدأت تسأل نفسها إن كان خطيبها إنساناً صحيح العقل. لامت نفسها على الموافقة قبل أن تعرف كل شيء عنه. في حالات صحوه يستغرب ما ينقل لـه عن حالته، ينكر أنه أقدم على ذلك، يرفض الذهاب إلى الطبيب ويعزو ذلك إلى السهر والإرهاق، إذ ادعى أنه لا ينام قبل أن يصلي الصبح، لم تكن تبريراته مقنعة. أتتزوج من شخص مريض؟ ندمت على سكوتها، اكتشفت عقم ثقافته وعدم قدرته على نقاشها وإقناعها في أي موضوع، إذا عجز يقول: «الله أعلم»، اتهمت أمها بأنها تدمر حياتها، تحول ندمها إلى كره للبيت، لخطيبها، للحياة. بدا قلقها واضحاً في المدرسة وأمام المعلمات. تغيرت تصرفاتها مع زميلاتها وتلميذاتها، آثرت الصمت، هجر المرح حياتها، تخرج صباحاً ولا تعود إلا ليلاً، ترفض الجلوس معه، ترفض الحديث مع أمها، تذهب إلى أختها، تبكي بين يديها على نصيبها وحظها العاثر، وأحياناً تنام عندها، هددت أمها بأنها ستسمم نفسها إن أرغمتها على الزواج منه، لن تتزوجه ولو لم يبق غيره في دمشق، تجيب على أسئلة أمها بكلمتين أو بهزة من رأسها، تردد كلما حل ذكره: "كرهته يا ماما، لا حياة مع الكره، كما أدخلته إلى حياتنا عليك أن تتصرفي."
لمن تصف حالتها؟ هزلت. لا تأكل ولا تشعر بطعم الحياة، ضائعة. بدت عليها علائم الشرود، سألتها أحب المعلمات إلى قلبها زميلتها هلا بقولها: "ما بك يا فرات؟"
لِمَ لا تفتح قلبها لصديقتها؟ إنها مدرسة معها، قد تخفف عنها وعلاقتهما جيدة، تدخن وبالتأكيد تعرف إن كان التبغ يخدر الجسم ويمنح شاربه شعوراً بالعظمة وحب الانزواء، وفي مرات كثيرة يفقد ملكة السيطرة على الأشياء وتقدير حجمها.
تشجعت ووصفت حالتها وهمومها وهي ترتجف، وكأنها تفضي بأمر ستعاقب عليه، هلا إضافة إلى تدريسها تداوم في الجامعة في قسم اللغة العربية، متحررة وهي الوحيدة القادرة على نصحها وتخليصها من ورطة الخطوبة والزواج، حزنت لما سمعته من صديقتها، صار همها أن تخلصها من كابوس خطيبها، الذي استولى على غرفتها وعلى حياتها، وبات مستقبلها رهناً بين يديه.
لم يفترقا بعد المصارحة، كل يوم يأتيان إلى البيت، أحياناً تضطر هلا للنوم عندها، يسهران، يقلبان الأمر مع أم سمير ومع هدى أثناء غياب رامي الشيخ وذهابه إلى الجامع، ما الحل؟ ثمة شكوك حول خطيبها بحاجة إلى دليل، ثلاثة أسابيع وملابسه والغرفة رهن التفتيش، حتى وجدن كمية من مادة تشبه معجون الأطفال لونها أخضر ضارب إلى البني، هتفت هلا بفرح:
- إنها الحشيش!
- لا تظلميه يا هلا!
كان هذا رد أم سمير.
- عندما يأتي سنواجهه.
لم تكن هلا مخطئة في تقديرها، ولتبرهن على ذلك لفت قليلاً منها مع التبغ، ثم طلبت إليهما أن يأخذا نفساً عميقاً، وكل واحدة تشرح حالتها، الأعراض متشابهة، رأس يلف ويدور مع شعور بالزهو. كل شيء قدرته إلا ذلك، واجهته وصرخت في وجهه وشتمته، كانت المفاجأة حين أجاب بصوت عال، وكأنه لم يفعل شيئاً:
- لا يوجد نص يحرم عليّ تعاطيه!
- أنت تلوي عنق الدين يا... اخرج من هنا ولا ترنا وجهك ثانية.
بصقت في وجهه. امتدت يده وصفعتها. اجتمعن حوله. حضر الجيران على أصواتهن وصياحهن وعويلهن، جروه خارج البيت، رمت فرات نفسها على السرير، هل يعقل ما حصل؟ نظرت إلى وجه أمها، أرادت أن تصرخ، أن تقول أهذا هو الحظ والنصيب؟!
أخطأت عندما سكتت، فضلت أن لا تفكر، أن تنسى، لم تتوقعه على هذه الحال، وأنه بلا ضمير، يمد يده ويأخذ كل أسبوع مئة ليرة منها أو من أمها، هل عليها أن تنحرف لتجابه انحرافه، أخبرت أمها قرارها النهائي، أن الذي أدخل الجمل قادر أن يخرجه.
حمدت ربها لأنها لم تمكنه من نفسها، ستدخل إلى الحمام وتمحو كل أثر ليديه، للمساته على جسدها. ستفرك شفتيها اللتين لعقهما في اليوم الرابع للخطوبة، كاد يهم بها، لولا قرع أمها على الباب. خافت وقررت أن تبقي الباب مفتوحاً، ولا تسمح لـه بالاقتراب منها.
صفعت وجهها، كيف للحياة أن تدب بروحها الميتة؟ الذكرى تميت الروح، ما يخفف عنها مصابها، طيف والدها الذي يزورها، ويظل معها يحادثها وقبل أن يغادر يعانقها ويعدها بدوام زياراته، لو كان على قيد الحياة لرفض مجرد فكرة البحث عن زوج، كان على خلاف مع أمها في العديد من الأمور الدينية والدنيوية، يهزأ من أفكارها المستسلمة للقدر، وكأن الإنسان لا يستطيع فعل شيء، ستزور قبره، وستنتقي أحلى باقة ورد، وتطلب منه أن يسامحها لأنها لم تقل رأيها، ولم تحتج على كلام أمها وأفكارها، حين أبلغتها بأنها منذورة للزواج من شيخ، لم تفعل شيئاً، إنها الإرادة الإلهية، الله سبحانه وتعالى يلهمها إلى الصواب ويحدد مسيرتها.
أعلنت فرات أنها غير منذورة لأحد، هي وحدها التي ستحدد حياتها ومستقبلها، ارتاحت نفسها بعد زيارة قبر والدها، قبلت ما حصل على أنه امتحان. بفرح قال حامد: "تهانينا!"
نظرت إلى عينيه المشرقتين بالأمل، سكتت، لم يعد بجعبتها ما تقوله هذه الليلة، حدثته عن ماضيها الذي لم يعد ملكها، يقاسمها إياه أفراحاً وأتراحاً، النادل يقدم فنجان القهوة للمرة الثانية، تناول فنجانه، وضعت يدها بيده، أحست بدفئها، سارت إلى جانبه، إلى يساره، لا تستطيع أن تكون في غير هذه الجهة، تسمع دقات قلبه، وتحس بكل حركة يقدم عليها، أما هو فقد استعد ليحدثها عن ماضيه، ليكون صفحة بيضاء أمامها، لا خربشات عليها، أية خربشة لن تكون إلا لها أو بإرادتها.
-1-


العصافير تنقر في الأرض باحثة عن طعام، هدها التعب، كوتها حرارة الصيف. تفرّ صوب الأكمات والصير المتهدمة باحثة عن قطعان الأغنام والماعز، عن الشجيرات والنباتات البرية الملتصقة بالأرض، طيور ملونة تزين السهل، الدراج مبقع بالسواد والبياض أشبه بثوب الجنة والنار الشعبي، والحجل الذي يكرج على الأرض بخفة يقفز بشكل متوال، والترغل الحنون صاحب الصوت الوديع يهدل وهو يفر لمسافات بعيدة بألوانه السوداء والبيضاء والبنية والشقراء، والهدهد صاحب التاج والطلة يختال بحزمه اللونية رافعاً رأسه إلى الأعلى وكأنه الوحيد في البرية، وطائر الدوري وغيره. يحني الصيادون الصغار رؤوسهم، يخطون خطوات بطيئة على رؤوس أصابعهم، وقبل أن يهجموا على السرب بمسافة قصيرة، يطير لمسافة أبعد قليلاً، تنشط روح الدعابة، يلاحقونها في حركة مد وجزر تتعبهم و تسعدهم، الطيور تشعر بالريبة لدى قذفها بحجر؛ تعرف أن لحظات المزاح انتهت، تسبح في الجو إلى مسافة بعيدة، تجعلهم يكفون عن ملاحقتها، وكل منهم يلقي اللوم على الآخر.
يصيدون بالفخاخ، يجهزونها ويغطونها بطبقة تراب ناعم، هي في الغالب من بقايا أكوام الخلد المنتشرة، تاركين الدودة ظاهرة. يقتفون أثر الطيور، يتوزعون إلى جماعات لكل منها وظيفة. منهم من يكمن، ومنهم من يداور الطيور محاولاً دفعها صوب الفخاخ، بحركات هي مزيج من رقصات بدائية، تتمثل بالتصفير والتصفيق باليدين والمشي البطيء، هذه الحركات تدفع السرب إلى الأمام نحو الهدف. بعد جهود مضنية تقترب الطيور، أحدها ينقر الدودة، ترتفع كتلة التراب في الجو، يتسابقون. كل يتوقع أن فخه هو الذي صاد، تعاد الكرَّة ثانية وثالثة، يعودون بصيد أو دونه وهم سعداء. يصرون على متابعة ذلك في يوم آخر. هذا في أيام العطل والصيف، أما في أيام الدراسة، فإنهم يحضرون أطباق الورق والخيطان، ليصنعوا طائراتهم الورقية، بعد أن ينهوا ربط الذيل بجسم الطائرة، يدفعونها إلى الجو، ترتفع وتتلاعب بها الريح، تحلق عالياً، يركضون والخيطان في أيديهم، يتسابقون ويراهنون على أيها ترتفع أكثر محاولين منع تشابكهن، وكما يساعد الهواء بالدفع إلى الأعلى، فإنه يسبب تخريبهن، الخوف يترافق مع فرح طفولي، لا ينهيه إلا تمزق الطائرة أو انقطاع الخيط، ينتهي مشهد الفرح، يعودون إلى بيوتهم وكل منهم يحاول الحصول على طبق ورق وخيط بديل، وهذا ليس سهلاً، يكلف بكاء ساعات، وقد لا تجدي الدموع في إعطائه ما يريد، يحسب حساب هذا في المرات القادمة، ليوفر دموعه وصراخه.
نظر حامد إلى عيني فرات المتشوقتين لبقية الحديث، تشكلت على شفتيها ابتسامة بريئة، حدقت بعينيه وبشيء من الارتباك، سألته:
- أما زلت قادراً على صنع طائرة ورقية؟
- أتريدين اللعب؟
- أريد أن أهرب بها.
حلق في الجو كطائرته الورقية، التي أعادت إليه ذكرى السهول الممتدة حول كفرخبية، البلدة المنسية التي اختارها أبو صالح والد حامد محطة لسكناه. لا أحد يعرف ما الذي دفعه لاختيار هذه القرية المتواضعة، التي يعتقد أنها كانت في يوم من الأيام ديراً يؤمه المصلون من وادي العجم، لا تضاهيها في القدم إلا الكسوة وقطنا والوعرة. أبو صالح أحبها على الرغم من عدم وجود أقارب لـه فيها، وبعدها عن المخيمات والعاصمة. كثيرون ظنوا أنه الزهد أو الابتعاد عن الذين دفعوه بشكل أو بآخر إلى ترك أرضه. قالوا له: "من يبقى تحت حكم العصابات اليهودية خائن!"
من يلج إلى نفسيته يتأكد أن هذه ليست الأسباب الحقيقية، أبو صالح يهوى الجمال ويعشق الطبيعة، ولا شيء في تلك المنطقة أجمل من البلدة التي اختارها، أرض مجبولة بالزمرد تشع نوراً وعطراً، نساؤها عقيق، أجسادهن فتية ورشيقة داخل ثياب طويلة وفضفاضة، أعناقهن تصافح الأفق، خدودهن تلوح إلى الحمرة الجميلة، وشعورهن طويلة ناعمة. كم أعجب بفتياتها! وريثات عرش بيزنطة وتدمر. فكر أن يجدد شبابه، أن يصاهر أهلها ثمة فتيات بعمر الورد يقبلن به. يتذكر حمله الثقيل زوجته وابنه صالح، فتعاف نفسه الزواج، ويعود للتفكير بحاله.
لم تكن البلدة التي اختارها نائية، نصف ساعة في السيارة أو أكثر بقليل ويكون القاصد لدمشق في المرجة، تربطها طريقان بالعاصمة، طريق الكسوة مروراً بمرانة والمقيليبة، وطريق المزة المؤدي إلى دروشة ومنها إلى البويضية، كفر خبية واحة مسيجة بالزيزفون والورود والبساتين، من الشرق بستان الشلاح المنظم والمزروع بشكل هندسي بالتفاح، الواحدة قد يصل وزنها إلى ما يقرب النصف كيلو مزّة المذاق، من الجنوب الزيتون الذي يمتد بشكل متقطع حتى الوعرة، وربما أشهرها ما كان يخص عمر آغا، من الشمال بساتين منوعة الثمار، تسقى بمياه آبار ارتوازية، أما الأراضي الواقعة في أقصى الشرق فتزرع بالشوندر السكري أو القطن، إضافة إلى غابة من الصفصاف قرب نهر كفر خباني الذي هو أحد فروع نهر الأعوج.
حل أبو صالح على كفر خبية يحمل صرراً على ظهر حمار. بجانبه أم صالح وخلفه طفله، رحب به أهل البلد، أشفقوا عليه، بدؤوا يتهامسون فيما يجب فعله. يشتمون اليهود الذين طردوه من أرضه، شعر أنه بين إخوته وربعه وسط ترحيبهم، ضمه الفلاحون إلى صدورهم، قدموا ما يستطيعون تقديمه، أعطوه بيتاً من اللبن، رفضوا أخذ الأجرة. صاحب البيت قال له: "اسكن يا أبا صالح حتى تعود إلى بلدك."
لم يكن كلامه مستهجناً، لا أحد توقع أن يظل الفلسطينيون خارج أرضهم أكثر من شهر، لكن عندما طال سكنه في الدار لسنوات، قرر أن يشتري داراً أو يبني واحدة مثل باقي الفلاحين. أعطوه قطعة أرض وقالوا له: "ابن بيتاً لك ولأولادك تظل فيه حتى تعود إلى بلدك."
عيناه تدمعان لهذا الموقف النبيل. طيف فلسطين يتراءى في الحلم، في اليقظة، في الدروب الخضراء. ساعدوه في صنع اللبنات التي هي مزيج من تراب وتبن أضيف إليه الماء. فتيات البلدة ساهمن بجلب الماء، كل واحدة تأخذ منديلاً إضافياً وتلفه حتى يصير على شكل إكليل. تضعه على رأسها ليرد ثقل تنكة الماء. شمر أبو صالح عن ساقيه حتى أعلى الفخذ، وشمر جيرانه وأصحاب النخوة، يخوضون بالطين، يعجنونه بالمجرفة، وعندما يصير كتلة عجين. يترك أحياناً لليوم الثاني ليختمر، في صباح اليوم التالي يتسابق الفلاحون للعمل. يصنعون القوالب الطينية التي تتحول إلى جدران لا تهزها الريح، بينما آخرون يحفرون الأساس ويرصفونه بالحجارة، البنّاء يبني اللبنات، يضع بين اللبنة والأخرى الطين الطري، وهكذا يرتفع البناء، الذي يتأكد من جودته كلما أنجز بناء عدة لبنات بميزانه الشاقولي. وهو في العادة يمد خيطه ويرفع المداميك واحداً بعد الآخر، الحماسة تدب بالعاملين، ينسون تعبهم لحظة تمد السفرة. يتناولون كمية من البرغل والبصل، وبعد انتهاء الأكل يحضر الشاي مع علبة تبغ من نوع «تطلي سرت رفيعة» أو علبة «مرجان»، يصل عدد المساعدين إلى عشرة، عشرين، ثلاثين، بل البلدة كلها تنتظر البناء وتساهم به. تزغرد النسوة لدى عقد الأبواب والنوافذ، بعد اكتمال البناء يصلون إلى مرحلة سقف البيت، يمدون جسراً خشبياً بالطول وأخشاباً أقل ثخانة بالعرض. يحضرون القصب وخيطان المصيص، يصعد الصغار ويبدؤون بشد القصب على قصبات سميكة، أشبه بمن ينسج على نول، ثم تمد طبقة من الأكياس والخيش، تليها «الوبلة» تراب مبلل بالماء غير مجبول، ثم طينة السقف والبيت وطرشه بحوارة بيضاء.
أحس أبو صالح بالفراغ يمزقه، بالجبال تطبق على صدره، وبالحنين إلى الدار يقتله، هل يجتاز الحدود ويغامر؟ لا يسأل عن لغم قد ينفجر به أو جندي يطلق النار عليه بحجة تجاوز الحدود، وقد يتهم بالخيانة ويودع في السجن، وإذا استطاع اجتياز الحدود قد يقبض عليه الأعداء ويتهمونه بأنه مخرب! الأفكار السود تراوده، يظل أسير الماضي، روحه متعلقة بأرضه وبيته، هل يذرف الدموع أم يجوب البلاد يندب حظه؟ يوزع حزنه على الطبيعة، يحب السهول والهضاب والمشي في البراري، يظل دائم التجوال في كفر خبية والوعرة، لـه أصدقاء في البلدتين، يسهر عندهم ويعود إلى أولاده وزوجته آخر الليل، ونظراً لقرب البلدتين فقد جابهما وعرفهما شبراً شبراً.
كفر خبية مفتوحة على الحياة، أهلها يمارسون الزراعة، أما الوعرة فتقع في أرض صعبة المسالك حجارتها بركانية مغلقة تماماً، أهلها أشداء ذوو مراس صعب، يعيشون في عزلة، مواردهم الاقتصادية شحيحة، يعتمدون على الرعي والزراعات التي لا تحتاج إلى سقاية، لهجتهم ذات علاقة بطبيعتهم الصلبة، طبيعة خشنة محافظة على تفردها ببعض الألفاظ والنطق. لكن وبعد نكبة فلسطين واستيطان المنطقة الواقعة في مسافة وسط ما بينها وبين قطنا. انفتحوا قليلاً على القادمين الجدد في محاولة للتخلص من عزلتهم ووحدتهم وبناء جسور الثقة والحب مع من حولهم، بدؤوا يبادلون منتجاتهم بطحين الوكالة الأبيض الذي وزع على اللاجئين.
ماذا يفعل أبو صالح، أيظل يحلم أم يتعامل مع الواقع؟ الحدود أقوى من الجميع، بكى وأذعن واندمج في عالم الفلاحين، يشتغل مع بداية فصل الربيع وحتى نهاية الخريف، يرتاح في الشتاء، ينتقل من مضافة إلى أخرى، وأحياناً يستقبل في بيته الساهرين، لم يشعروه أنه غريب، وعندما يتخاصم أطفاله مع أبناء الفلاحين، يقفون إلى جانب أبنائه، يقولون لأطفالهم: «هؤلاء ضيوف والله أوصى بالضيف، الخنازير طردوهم من أرضهم».
عندما بلغ حامد سبع سنوات، قاده والده مع عدد من أطفال كفر خبية للتسجيل في مدرسة وكالة الغوث البعيدة عن البلدة. احتج المدير وقال لأبي صالح:
- ممنوع تسجيل هذا العدد الكبير من التلاميذ السوريين.
- لا ليس ممنوعاً، هم قبل ابني، أتعرف ما فعله أهلهم؟
- هذه يا أبا صالح مسؤولية، على وزارة المعارف السورية أن تفتح لهم مدرسة في بلدتهم؛ نحن وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين.
- الله يساعد الوزارة يا أستاذ. سجل هذا بعض من كرمهم.
- سأسجل الجميع وأتجاوز القوانين. تكرم يا عم.
صار على حامد والصغار الذين سجلوا أن يقصدوا مدرسة وكالة الغوث في خان الشيح، لم يكونوا الوحيدين الذين يأتون للتعليم من خارج المخيم، هناك تلاميذ من الوعرة ودروشة، كان سعيداً برفقة زملائه، ساعة وربع ذهاباً ومثلها إياباً، صار لـه أصدقاء يزورونه، يلفون في البساتين ويحصلون على بعض الفواكه، وأحياناً يصلون شرقاً حتى جبل المانع، يصعدونه ليطلوا على الطريق الذي يربط ما بين دمشق ودرعا، يذكرهم بطلائع الجيش العربي يوم جاؤوا محررين لدمشق من العثمانيين.
مات أبو صالح حزناً وكمداً على بيته بعد عشرين سنة من خروجه من وطنه، شعرت أم صالح بالغربة بعد وفاته، قررت أن تشتري قطعة أرض إلى جانب أخيها في الغوطة، أحسَّ حامد بالغربة، لو كان يعلم البون الشاسع ما بين كفر خبية والغوطة لما جاءها، لكنه النصيب أن يعيش فيها، ويشرب من مياهها الملوثة، وأن يلتقي بفتاة مخلوقة من البدر، امتدت يده إلى يد فرات علامة انتهائه من حكايته، إذ بعد ثلاث ساعات من الحديث، اعتذر على إطالته وذكره لتفاصيل قد لا تهمها كثيراً. بفرح قالت:
- لا تأسف يا صديقي. قلبي الذي كان يدق في صحراء قاحلة وأرض مقفرة لم يعد كذلك، ألم تلاحظ مرحي وابتسامتي المطبوعة على شفتي وفؤادي؟ أشعر أنك غزوتني، وأنني أتغيّر. هل تعرف ما الذي غيرني بهذه السرعة؟
نظر إلى عينيها المبتهجتين وقال:
- الحب!
- لم أفهم!
- بل تفهمين. الحب يا صديقتي يغزونا دون مقدمات، وعندما يقرع جدار أفئدتنا نبدأ بالتغيير.
- لم يمض على تعارفنا سوى زمن قصير. أتسمي ما بيننا حباً؟
- أنت تستنزفينني بشكل رائع!
ابتسمت وبدا جسدها أكثر رشاقة وأنوثة، أنوثة تستدرجه إلى حد الرضوخ، تعرف أنه يحبها قبل أن يصرح، فكيف وقد صرح لها في هذه الجلسة؟ لها حذق الحاسة السابعة، عرفت ذلك منذ النظرة الأولى، الغزل يمنحها حبوراً وجمالاً فوق جمالها. تبتسم وتطالبه أن يقول كل ما عنده قبل أن يتركا المكان. الكلمات تهبط إلى جوفها، تترك فيها رعشة وحيرة، فتبدو بتناقضها وشكلها مزيجاً من الربيع والموسيقا، الشمس تنير داخلها فيبدو كل ما فيها مضيئاً.
تغيرت ملامح فرات، بدا الحزن على محياها، نظرت حولها، وجودها مع حامد نبش شيئاً من حياتها، من ماضيها الذي يؤلمها كلما تذكرته، ضغط على كفها، ونظر إلى وجهها، السماء تتبرج بما تملكه من غمامات، أطياف قزحية تظهر في الأفق، لماذا لا تمنحنا الذاكرة إلا الحزن؟ وجهها عكس حالة الجو، دعاها أن تشعل النور في صدرها. بحزن وألم عميقين علقت:
- ماما لا تدرك ما أريد، وهي لا تريدني سعيدة!
- الحب ينتصر يا فرات مع الإرادة.
- لا أريد أن أصل إلى حافة الجنون، فأنا ابنة التجارب. الحياة لا تعطي بقدر ما تأخذ، وها هي ذي تأخذ كل شيء!
البحر المتوسط أرسل غماماته وأبجديته إلى الغوطة. دفع بالسحب الكثيفة، لتعود الحياة أجمل مما كانت، لتنمو الأعشاب وتزهر الأشجار وتغسل عفن الشوارع. صوت فيروز ينطلق من مذياع قريب. تذكرا صوتها الملائكي، واحتجاجها حداداً وحزناً على زهور ماتت واقفة وهي تقاوم الأعاصير. فيروز مع سكوتها صمتت كل الأصوات الجميلة، بانتظار الفرح، في هذه اللحظة تكاثفت الغيوم أكثر وبدأت تمطر. فقال: هذه دموعنا ردت لنا. هيا قبل أن نبتل!"
-11-




 
 
رد مع اقتباس
 
 
   
  #6  
قديم 05-04-2016, 11:05 AM
الصورة الرمزية جنيــن
:: عضو مميز ::
______________
View جنيــن's Photo Album  جنيــن غير متواجد حالياً
 
غرباء منتصف الطريق



الغوطة ترتدي أثواباً عدة في وقت واحد، كل ثوب دال على عصر من العصور، قريبة من المدينة لدرجة أن جزءاً منها ألحق بأمانة العاصمة، تمثل تعانق الريف والمدينة ولقاءهما، إلا أنه ظل هامشياً، لقاء يبقي الناس في حدود تفكيرهم وعاداتهم. رجالها يعرفون بعضهم بعضاً، كتلة سكانية متجانسة إلى حد ما، أما على جانبي الطريق العام والطرق الهامة الأخرى، فقد ارتفعت بنايات بطوابقها الأربعة، ضمت الشرفات إلى الغرف، لتحجب ما عداها، ولتصير جزءاً من النوافذ الممنوع على النسوة الاقتراب منها.
أشجار الحور لم تعد تتباهى بطولها أمام علو الأبنية التي تناطح السماء، حتى إن بعضها انهزمت أمام الكتل الأسمنتية والطرق المعبدة، السحب تتدافع، تمر دون سلام، ترقص رقصتها المجنونة على أنغام الموت البطيء، تستقبل الشجيرات تلك الدموع بفرح، غير مدركة أن تلك القطرات هي آخر نواح للطبيعة.
سكنت فرات الفيحاء في طفولتها وصباها، عاشت حياتها بلا تعقيد في مدينة مفتوحة، هي واحة وسط بادية، محطة تجارية، أهلها تعلموا الكثير من مفردات الحضارة، ظنت أن الفيحاء تهب ما حولها كل فنون الحضارة، اكتشفت البون ما بين المدينة وغوطتها، لغتان تمازجتا وانفصلتا، في الأولى صوت العلم والعقل والروح وفي الثانية دوي العصور الوسطى، اعتقدت أن خصوبة الأرض وعلو الأشجار وجمال الطبيعة تدفع سكانها للأمام، تتمسك بعروة الأحلام الخلبية، تحلم بالتاريخ والجغرافية والتراث، بصوت أبيها الذي يدوي في سمعها، تحلم بلقاء يوازي عظمة مدينتها، التي صمدت في وجه الرياح والأعاصير والزلازل، وظلت تفور بالخصب والماء، في هذه المدينة المعطاء تلتقي الشعوب على المحبة، يسافر الزمن ويحمل في جعبته التاريخ، ينسى الناس أنهم أبناء أمم شتى، ينسون كل شيء إلا الحب الذي يوحدهم، فتجمع الفيحاء حضارات العالم في صدرها وتهبه لقاطنيها.
سكنت عائلة فرات في حي العمارة الشعبي، في بيت مؤلف من طابقين بمساحة تزيد قليلاً على مئة وأربعين متراً مربعاً للطابق الأرضي، منها ستون متراً باحة مكشوفة، في الوسط بحيرة تتوسطها نافورة، الحيطان من الخارج مبنية من حجارة، أما طينتها فمن التراب المخلوط بالتبن، يتألف البيت من غرفة استقبال على يمين المدخل وغرفتي نوم في صدر البناء وإلى يسار المدخل المطبخ والحمام، أما الطابق الأول فهو أكثر انشراحاً، يطل على الأبنية المجاورة والمتقاربة، الدرج الصاعد من الحجر الأسود فوقه «فرنكة» منخفضة الارتفاع، الدرج الواصل إليها خشبي تداعت بعض درجاته مع الزمن، وصار صعوده مغامرة. للساكنين رحلتان، رحلة الصيف في البناء الأرضي، ورحلة الشتاء في الطابق. الباب الخارجي على شكل قنطرة، مصنوع من خشب سميك ومصفح، تفتح خوخته التي تطل على شارع عرضه ثلاثة أمتار، وعلى أسواق قريبة، ما تزال تذكر أصص الورد ونباتات الزينة التي تنتشر حول البحرة وأمام الغرف والتي تحيل البيت إلى جنة.
العمارة وسوق الهال وكل المنطقة الممتدة من برج الروس إلى شارع الثورة، هي مرتع أهل الغوطة طوال النهار، ذكريات البيت منقوشة على جدار ذاكرتها، كيف ستتركه؟ تفيض عيناها بالدموع، تداعب أناملها حيطانه، تلقي نظرة على أخشاب السقف والنوافذ، على المساحات الواسعة للغرف والباحة، أجهشت بالبكاء وهي تلملم أغراضها في صرر، لقد باعت عائلة الوردان البيت، واشترت أمها بحصة زوجها بيتين، اعتقدت أن الغوطة ستفيض عليهم حباً وحبوراً، حياة شبيهة بحياتهم في العاصمة، إن لم تكن أفضل، لكن مسحة الجمال التي غلفت أدمغتهم بدأت تتوضح، الانتقادات تنصب على لباس فرات، أمها تعلم أن من الصعب أن تغيّر ابنتها لباسها وتصرفاتها والحرية التي ورثتها في دمشق، كانت طالبة في كلية الفنون الجميلة، قادرة على التنقل، تخرج من البيت صباحاً وتعود إليه أنى شاءت، لقاؤها مع زملائها وعقد صداقات أمر تعودته وتمارسه، النسوة تنظر بريب واستهجان إلى تحديها للباس الغوطة وتقاليدها، تسمع حديثهن، تشعر أنها متجاوزة تفكيرهن بقرن من الزمن، أحلامهن لا تتجاوز غرف النوم والمطبخ، في لقاءاتها القليلة تمنت أن تؤثر فيهن، فكان حوار الطرشان، بعضه محرم وآخر إذا صرحت به تتهم بأشياء لا تليق بشخصيتها، أمها تجاوبت مع محيطها الجديد وغيرت طباعها، آمنت بمثل ومفاهيم أهل الغوطة، وأرادت أن تطبق ذلك على ابنتها، التي أعطاها أبوها من القوة ما يكفيها لعشرات السنين، بعد وفاته أحست أن الناس تآمروا عليها، أمها أقرب الناس إليها بينهما فجوة وبون.
تفقد الغوطة جزءاً من غطائها وخضرتها، تغرق في سبات عاجزة عن بث شكواها، فقدت دندنة الترام الذي ربطها بدمشق، لا شيء سوى ثرثرة السواقي التي تتغذى من فروع بردى ومن المجاري، قاسيون الشامخ شعر أن السّل هجم على رئتيه، بات يسعل وينتحب غير قادر على إعادة ما اقتلع من أشجار.
فيض من الألم يتجدد، تحترق لحظة الحب، الحزن غطى حامداً وفرات، يبحثان عن سبل تجاوزه، حاولا أن يدفناه كل بطريقته الخاصة، لكن لحظات كهذه بدل أن تمحوه تجعله حاضراً، يعودان إلى البداية وإلى التساؤل، وإلى النتائج التي توصلا إليها، الألم جزء من النفس الإنسانية، يسكنها، يعشش في خلايا الصدر ويصير جزءاً من نبضات الفؤاد في كل منهما، القدر ساقهما ليتبادلا بدل كلمات الحب والعشق خيبتهما، إنهما لا يشبهان أي حبيبين، لا يتغزلان إلا لماماً، المديح والكلام الخجول يبدو وكأنه من قبيل الواجب، الذي يفرض عليهما أن يتحدثا بإطراء، حتى لا تتحول لقاءاتهما إلى روتين لا يقال فيه إلا السلام وكيف الحال، هذا الشعور تواطأا على إبقائه الخيط الواصل بينهما، يشعران بخجل حقيقي لدى سماع بعض كلمات الغزل، كل منهما يقرر بينه وبين نفسه أنه سيتجاوز الحالة ويعبر عن آرائه، عما يكنه اتجاه الآخر، في النهاية يفترقان دون أن يقولا شيئاً مما خططا له، كل واحد يراجع ذاته ويُحضر أحلى الكلمات التي ستقال، لكن طبيعة اللقاء والهموم التي تحملها تبقي الكلمات في الحلق، ذات ليلة فارقه النوم، فكانت الرسالة التي خطها دون تخطيط مسبق، قال فيها ما عجز لسانه عن نطقه:
حبيبتي فرات:
"ربما نرتبك وتتحول جلستنا لمناقشة تفاصيل صغيرة عن متاعب التدريس والحياة وأي شيء آخر، ولا نناقش ما جئنا أصلاً من أجله، قبل أن تخرج الكلمات من فمي يعيدها العقل ثانية إلى جوفي لتختبئ فلا ترى النور، لا ننتبه لأنفسنا، أتساءل لم لا تبادرين منعي الحديث خارج موضوع الحب في حضرتك؟! يبدو أنك معلمة متساهلة مع تلاميذك، وأنا طالب كسول لا يجيد قول ما عليه أن يقوله لمعلمته.
إن ما هو مشترك بيننا يشير إلى أننا نحب بعضنا بعضاً لدرجة الوله، يكفيني أن أنظر إلى وجهك الجميل وعينيك اللتين تجمعان خصب العالم، وإلى شعرك وكيف تردينه لتريني بشكل أفضل، إن أحلى ما بيننا لحظة الصمت، أشعر أن روحي تهيم، تبحث عن روحك، عندما تجدها تتعانقان، تقولان ما لا نجرؤ على قولـه، وبعد يا عزيزتي هل تقلقين مثلي وتتقلبين في الفراش، أم تنامين لمجرد وضع رأسك على الوسادة؟"
لم يكمل الرسالة، أمسكها بكفه، قرر أن يمزقها، لكنه عاد وسواها من التجاعيد التي لحقت بها، طواها ووضعها في مكان آمن لا يد تمتد إليها، تساءل عن جبنه، كيف يكتب لها رسالة وهو يراها في معظم الأيام، عليه أن يسمعها ما يريد مباشرة، فلا شيء أجمل من لغة العيون والشفاه لحظة تبادل الغرام، لكن الحزن المتأصل في قرارة ذاتيهما منعهما، هل هما قادران على تجاوزه؟
بعد صمت رأى أن ما فعله لا يليق به، عليه أن يحترم صمتها وحزنها وآلامها، الآلام ميزة إنسانية دونها يفقد الفرح طعمه ومبرر وجوده، يتحول إلى شيء عادي، ومع الزمن يصير مرضاً وألماً، كما الضحك في غير مكانه والبكاء في موقف مفرح!
بدأت فرات تتعود حياتها الجديدة، في التدريس تنسى ذاتها، تنسى ماضيها وطفولتها، تصالحت مع مأساتها، باتت كلماتها أكبر من سنها، وكأن الله وهبها قول الحكمة، آلمتها كلمات حامد عن اللاجئين، سكبت دموعها التي بللت مخدتها وصدرها، أحست على أمها تفتح الباب وتتجه نحوها، حاولت مسح دموعها والتخلص من آثار الحزن، لم تهبها الفرصة الكافية، لتعود إلى طبيعتها، اقتربت منها وضمتها إلى صدرها تهدهدها وتسألها:
- ماذا يا بنتي؟
- لا شيء يا ماما إنه الحزن الذي يدهمني بعد فقد بابا، أبكي ذاتي وأيامي القادمة، أحياناً تنتابني نوبة حزن وأنا في الصف، أحاول أن أسيطر على ذاتي، فلا أستطيع، أفتعل أي شيء ألهي به الطالبات، بينما أكفكف دموعي وأجففها على مهلي.
حاولتْ أن تخفف عنها، أن تدخل إلى قلب ابنتها وتكتشف أسرارها، والحزن المسيطر على حياتها، تشاغلت عن أمها، تفحصت مكونات غرفتها، خرجت إلى الصالون، الجدران تحاصرها، تمنع الشمس والهواء، البيت يطبق على صدرها، تشعر بثقله، البيت الذي تجاوزت مساحته مئة متر مربع، تراه زنزانة منفردة! لا أخ ولا أخت ولا صديقة ولا مؤنس، شقيقتها هدى يكفيها بيتها وأولادها، وهلا يكفيها المصائب التي تتوالى عليها، وحامد يكفيه تشرده وبعده عن وطنه، تتناول قلمي الرصاص والفحم، تخربش، ترسم طيوراً سوداً وسط سماء رمادية، ترسم خيمة سوداء وأطفالاً أنصاف عراة يمدون أيديهم تجاه الجنوب، ونساء متوحدات مع الطبيعة ينقلن من أعشابها وخيراتها ما يسد الجوع، وأسلاكاً شائكة... تجلس على الكرسي، تسهر وهي ترسم حتى ساعة متأخرة، فرغت شحنة عذابها، اندست في فراشها، تأتيها الأحلام، صباحاً تفيق مشرقة ريانة، وقد أخذت من الشمس شيئاً من ضيائها، استمرت في الرسم، أربع لوحات جاهزة بعد شهر، صبت فيها فنها، لتكتشف أنها لا تعبر فقط عن حياة حامد بل عن داخلها.
عندما تقرر الرسم، لا تزعج أحداً، ولا تستقبل أحداً، ولا ترتبط بأي مواعيد، حتى شقيقتها هدى التي تزورها وتتطفل عليها، في محاولة لإخراجها من أحزانها ومن أجواء الرسم، لا تفلح، تحاول فتح موضوع أو أكثر، تفشل في استدراجها للنقاش، تقوم لترى ما أنجزته من باب الفضول، مدركة أن شقيقتها تقتل الوقت، تفرغ شحنة الأحزان على الكرتون، أنكرت فرات أحزانها، أخبرت أختها بأن لوحاتها تحمل الأمل، في الأولى إشعاع، وفي الثانية أطفال، وفي الثالثة نساء وفي الرابعة التصميم، فأين التشاؤم؟
- الحق أنك ترسمين ذاتك وانفعالاتك وإن جاهدت لإخفائها، إلا أنها ظاهرة بالنسبة لي.
كادت تبوح بموضوعات اللوحات، التي استمدتها من مأساة فلسطين، نظرت إلى أختها وبلغة تنم عن المرح قالت:
- هل تودين أن أرسم شيئاً منفصلاً عن ذاتي؟
- ارسمي الفرح، المناظر الطبيعية، أي منظر من الغوطة، من دمشق، من بردى، من المرجة وسوق الحميدية والحريقة والعمارة، والأحياء الراقية في أبي رمانة والمالكي وفيلات المزة والقصاع...
- أنا أرسم شيئاً آخر غير دمشق، ولكن دمشق موجودة في كل لوحة!
- إنها أحجية!
- اللوحة لغة لا تصرح عن كل ما فيها، تحتاج إلى جهد وقراءة حتى لا تظل عصية على الفهم.
يختصر حامد لوحات فرات بقوله: «إذا كان الله قد أبدع من الذرات المادة، فإن لأناملك روح الخلق القادرة على تشكيل الذرات».
طالبها أن تتابع طريق الفن، وعدها أن يقف إلى جانبها، ها هو ذا يدفعها إلى إقامة معرض بعد أن صار عندها عدد من اللوحات.

-12-


في صباح الأحد الخامس عشر من آذار عام سبعة وثمانين، التقى بفرات صباحاً، وهما ذاهبان كل إلى مدرسته، قال:
- البارحة عيد المعلم العربي كل عام وأنتِ بخير.
- التهاني مشتركة.
- تهاني بزيادة الرواتب التي صدرت بمرسوم.
- يا حسرة أنا وكيلة وقد لا تشملني، حتى لو شملتني سيصير دخلي تسعمئة ليرة، ماذا تساوي في هذا الزمن الأغبر، الأسعار زادت وقفزت منذ بداية العام، ماذا يفعل الراتب؟ لولا الدروس الخصوصية لبعض تلميذات الصف السادس في مادة الرياضيات، لكان وضعي مأساوياً.
نظر إلى وجهها الرائع، إلى حبات الندى التي تلمع على جبينها، إلى ابتسامتها التي تشف عن كبرياء، سألها عن نوع شهادتها الثانوية، أجابت بكل فخر:
- الثانوية العلمية، مجموع علاماتي أهلني الدخول إلى معظم الكليات العلمية، فضلت الفنون الجميلة، يا حسرتي عمر السعادة قصير، والبقية تعرفها!
تمشي برقة ودلال، كأنها تعبر أرضاً تطؤها للمرة الأولى، كل خطوة مدروسة، وكل حركة توحي بما فيها من أنوثة وجاذبية، تتوسد الشمس شفتيها، تمنح ثغرها نداوة الصباح وأنواره، وترتاح العصافير على أفنان أناملها، في حين يمنح الياسمين صدرها نهاراً كله ربيع وثمر، قبل أن يودعها اتفقا على اللقاء مساء، الشتاء يصارع أيامه الأخيرة، وآذار نسي أنه ملك لفصلين، تمرد على غير عادته، هبت العواصف الباردة، فغدا الكون كبسمة طفل، المطر انهمر خلال الأيام الماضية بكميات كبيرة، شدّ البرد شهر آذار، نسي نفسه، نسي أن يوقظ الأشجار والنيام، أن يغمر الكون في ثلثه الأخير بالربيع والورود، صحا متأخراً، قرر أن يثبت وجوده، فرق الغمامات، عادت السماء إلى لونها الأسطوري.
منح آذار حبه وشمسه في الأيام الأربعة الأخيرة، بينما فرات عاجزة عن منحه الحب، كيف لـه أن يكتشف تقلبات الطقس على محياها؟ أن يغوص في ماضيها، إذا كان غير قادر على معرفة لون بشرة وجهها الحقيقية، أو لون شعرها، أو معرفة عمرها، أو نمرة قدمها؟ تُفضل أن تطلب نمرة أقل ولو ظل كعبها خارج الحذاء، أما العمر فإنه يتوقف في العشرين.
تحرقه نيرانها، يهرب في محاولة لدخول فردوس الروح، فردوس جسدها الماثل في مخيلته، تنتشي نظراته بأطيافها التي يستعيدها لحظة بعد أخرى، سأل نفسه عن مصدر الأفكار التي جاءت في غير مكانها، إنه ينتظرها، ستحضر بعد دقائق، عليه أن يهيئ ذاته لاستقبالها، أن يبتسم، لقد جاءت في موعدها، ترتدي ربيع الغوطة والساحل، دخلا أقرب كافتيريا، شعرا بالدفء، خلعت معطفها ووضعته إلى جانبها على كرسي فارغ، انتشر عطرها، شعر بنشوة، أول مرة يتغلغل عطرها إلى روحه، إلى أنفاسه، أنفاسه تهفو إليها، بدا عليه المرح، تمتم:
عندما تكونين مضرّجة بالياسمين
وفي أحلى أزيائك أتذكر قدرة الله
أؤمن أنه كان في أبهى حالاته لحظة ولادتك
أحس بالنعومة لدى وضعه يده بيدها، بتضاريس جسدها المتناهية في الأنوثة، أطال بقاء كفه في كفها، حدق بها، وعندما لم يجد الكلمات المناسبة للتغزل، سألها عن عطرها، أجابت باعتزاز:
- إنه الياسمين، هل أعجبك؟
- الله، إنه رائع! لقد سحرني.
- ألا تعرف أن السيدة تعرف من عطرها!
- أهو العطر أم الصدر وصهيل النهدين، أم الشعر المصفف بطريقة فنية مغرية؟! الأفضل أن أرفع يديّ وأسلم!
ابتسمت فبدت أكثر جاذبية، وبدا الكون ملعباً للعشاق. قالت:
- كلامك يستبيحني ويهبني قمة النشوة، أحس بكياني وأنوثتي على وقع الغزل، دعني أنسى نفسي، ودع الآلام تسافر إلى مجرة أخرى، لا شيء أمامنا سوى الحياة، التي علينا أن نُبدعها لتظل جميلة.
- أنت إبداع الخالق، دعيني أتفحص مسامات وجهك، أرسم الابتسامة على ثغرك، فما بينك وبين النار والماء لغات مشتركة، فليت كل طين العالم وماءه فرات.
مالت برأسها وتمايل جسدها رهافة وغنجاً، أرسلت حزم ضوء من عينيها، أدرك أن روحها وجسدها يعيشان نشوة اللقاء، في روحها يكمن المرح، يأخذ مداه، عليه أن يواصل استنفارها وتحريض جسدها، تحريضها على الكلام والتعبير عن حالتها، والانفلات من الواقع، من العقل إلى الحلم والخيال:
شعر أن السماء ارتفعت أكثر، وأن الأرض اتسعت، وأن الشمس صارت أكثر نوراً، وأن التي تجلس قبالته تملكت خياله، أفقدته اتزانه. حدق إليها، عيناه لا تفارقان جسدها، يراها في مكونات الطبيعة، في كل جميل، تأملها، رآها هائمة في عالم آخر، مد يده إلى جيبه وأخرج هدية، عبارة عن سلسال فضي يحمل الحرف الأول من اسمها، ترددت في قبولها، قال: "اعتبريني تلميذاً يتودد إلى آنسته لتعطيه علامة زائدة، اعتبريني طفلاً يحلم بعطف معلمته الجميلة، يحلم بابتسامة، بمناسبة عيد المعلم أقدم هديتي البسيطة."
تناولتها، فتحت محفظتها ودستها داخلها، نظرت نظرة حنان فيها الكثير من الأنس والمسرة، الكثير من الطفولة التي افتقدتها، فيها عواطف وثورة وتمرد، قررت المغادرة، من غير اللائق أن يتركها تعود وحيدة، عليه أن يوصلها إلى باب البناية ثم يعود إلى بيته وأهله، من باب الفضول دعاها لزيارته، ليعرفها على أمه وإخوته، أجابت بالرفض، قالت:
- أنسيت أين تسكن؟ بأي صفة أدخل بيتك؟ وماذا ستقول لأمك وجيرانك؟ كيف تدافع عني أمام مجتمع لا يرحم؟ صحيح نحن أصدقاء، الغوطة لا تعترف بالصداقة بين الجنسين، ترفض أن يختلي ذكر بأنثى تحت أي حجة أو ذريعة، غداً نلتقي، ستكون هلا معي!
- هل ستعطيك رأيها؟
- لست بحاجة إلى رأي أحد فيك، إنما هي تمر بأزمة وعلينا أن نقف إلى جانبها. ستحدثك عن ذلك. وداعاً!
-13-



 
 
رد مع اقتباس
 
 
   
  #7  
قديم 05-04-2016, 11:05 AM
الصورة الرمزية جنيــن
:: عضو مميز ::
______________
View جنيــن's Photo Album  جنيــن غير متواجد حالياً
 
غرباء منتصف الطريق



الزمن انعكس على حياتك، صرت لا تشعرين بمروره إلا وقت غروب الشمس أو شروقها، تدركين أنه الليل، لا أحد يستطيع أن يهبك نعمة الاهتمام بالزمن، الذي صار كالمكان شاهداً على استلابك، هل يمكن أن يصيرا قاسيين إلى هذه الدرجة؟ تحرك شعور الغربة والألم، الماء في جوفك مرّ، فمك جاف ولسانك قطعة حجر، لعنت الساعة التي احتلت فيها بلدتك، لتغدي نازحة إلى مدينة غريبة عنك، أنت هلا بنت أبي حسن جودة المعروف في الجولان بشجاعته وطول قامته، يحصل معك ما حصل ولم تقم القيامة بعد! جئت إلى دمشق وكلك أمل ألا تخذلك، جئت متحررة، أورثك والدك الاعتماد على النفس، بعد سنة من عملك في التدريس، قررت أن تدرسي ثانية، أن تتقدمي مع الطلاب الأحرار لنيل شهادة الدراسة الثانوية، لتسجلي في كلية الآداب، منذ ثلاث سنوات وأنت تنجحين كل عام، أمضيت السنتين الأولى والثانية في المدينة الجامعية، لم تتخلي عن المبيت فيها إلا بعد طلب أخيك وإلحاحه أن تعيشي معه في بيت واحد في دمشق، ومع ذلك ظلت غرفة باسمك في السكن الجامعي.
شعرت أنك كبرت بعد عملك، وأن جسدك انتفض وثار، كل ما فيك بركان، برزت تقاطيع أنوثتك وتفاصيلها، وبات قوامك مغر، قوام ضامر أهيف وجيد مرمر، عينان عسليتان براقتان، ووجه دائري، أما الشعر الخرنوبي فغزير، ينحدر على منكبيك ويصل إلى أواسط ظهرك، جسد حنطي نحيل، وذهن متقد، لم تعدي طفلة تبحثين عن لعب أو فتيات صغيرات تلعبين معهن، بل شابة تنوء بحمل أعباء الزمن الذي خصك بمزيد من المآسي، يقبض على كل جميل في حياتك، حتى أحلامك البسيطة تتكسر وتتحول إلى كوابيس.
الأنين المكتوم في صدرك يحولك إلى عصبية، يقتلك، حدثت فرات بقصتك، أنت أمام حامد خجولة، كيف تحدثينه ومن أين تبدئين؟ هناك أشياء لا يستطيع اللسان نطقها، يفهمها السامع، تقترح فرات الذهاب إلى الربوة وتناول العشاء، تختار طاولة بعيدة، لم تكوني عادية الجمال كما وصفتك لحامد، الحق أن جمالك صارخ ومثير، كل ما فيك دقيق باستثناء عينيك اللتين تفيضان حزناً، تصطنعين الابتسامة، تخلدين إلى ذاتك، تشردين، تقرصك فرات يحمر وجهك، تعودين ثانية إلى جو المائدة، تبدين مذعورة، خائفة، صدرك يرتعش، تدخنين وقلبك ينبض فزعاً، تدخلت فرات وخلصتك من حرج البداية، قالت: "صديقتي هلا مرت بتجربة فظيعة!"
نظرت إليكِ ودعتك للحديث، تراخيت على الطاولة، تحدقين بهما، تبحثين عن كلمات مناسبة لقصتك الفريدة، لا تريدين أن تخدشي أسماعهم، أن تذكري التفاصيل التي مرت بك، تشيرين من بعيد، وبما أن فرات على علم بكل شيء، فإنها تعلم كل إشارة وكل كلمة، وكل غصة أو شهقة، وكل عبرة من عبراتك التي تمسحينها قبل أن تنزل إلى خديك، تفضلين أن تظلي متماسكة، أن تعطي رؤوس أقلام والباقي يكونه الذهن، لا تستطيعين شرح أو الحديث عما مر بك، ربما يغمى عليك، كانت لحظات الصمت أو النحيب كافية، سيطرت عليك غلالة من الغضب أفقدتك رشدك وتوقفت عن السرد، الحزن يحتضن وجهك، تهاطلت دموعك، حاولت التغلب على فيضان بردى، على أحزانكِ، شهقت وأخرجت منديلاً ونشفت دموعك، قلت:
- أنا آسفة يبدو أنني انتهيت!
- الحياة يا عزيزتي لا تتوقف، علينا أن نفكر فيما يجب علينا عمله، الماضي المؤلم يتطلب شحذ هممنا لتجاوزه وبناء المستقبل.
«بدأت حكايتي مع قاسم الصلصال يوم أبدى اهتماماً زائداً بيّ، أوصلني قريباً من بيتي، يوم دعتنا المديرة إنعام لحضور حفلة عيد ميلادها، تأخرنا، طلبت إليه أن يوصل بعض المدعوات، أبقاني آخرهن، افترستني نظراته، غازلني وبدأ يمتدح جمالي، كان لطيفاً ليلتها، دعاني إلى المطعم في اليوم الثاني وحاول أن يستدرجني إلى غرفته، رفضت، حاولت فهم شخصيته المضطربة، يدعي أنه يحب الآخرين، ويشتم كل الذين في طريقه، الأيام ظلمته، دعوته إلى النظر إلى الحياة بالتفاؤل، إلى الثقة بالآخرين، أن يسامح الذين أساؤوا إليه ويبدأ من جديد، أن لا يقابل الشر بالشر، أن يفعل ما هو جميل، سمع كل همسة وأثنى على كلامي ووعدني أن يبدأ حياته من جديد، اعتقدت أنني انتصرت على الشر داخله، كنت كيمامة تهدل خارج السرب، حاولت التسلل إلى داخله لمعرفة كل صغيرة وكبيرة، سألته عن قريته أجاب:
- أنا من الشمال من قرية لا وجود لها على الخارطة تسمى «مزرعة الصفصاف». وأنتِ؟
- أنا من الجولان.
نظر إلى عينيّ وابتسم، ابتسمت وسألته عن عمله، أخبرني أنه يوصل السيدة إنعام زوجة معلمه إلى المدرسة صباحاً ويعود بها ظهراً، يشرف على تجارته، علمت أنه يهرب الدخان والأدوات الكهربائية... طالبته أن يبحث عن عمل شريف، قال:
- إذا كان هذا هو شرط القبول بي سأفعل!
- يا سيد قاسم ما زلنا في بداية علاقة، أشعر أن من واجبي أن أخلصك من كل ما هو سلبي في حياتك.
- وهل لديّ ما هو سلبي؟
- ما معنى أن تمد يدك إلى فخذي وتحاول أن تقبلني في السيارة! وتسمعني كلمات لا تليق بمربية! تبرر ذلك بأنك تتغزل! إن من يتغزل يرفع مستوى التخاطب، الغزل يفرض أن تتحدث بكلمات رقيقة وناعمة».
توقعتِ أنك قادرة على تغييره، مع أنك قررت عدم الاقتران به، لم تنهي علاقتك الهشة، تصورت أنه مظلوم، وأن الدنيا تقف ضده، والده لم يعطه حصته من الأرض، ولم يبق لـه بيتاً، جاء إلى دمشق مشرداً، كون ذاته، مظهره يشي بالوقار، لم تعلمي أن الحياة وضعتك في هذا الموقف، وأن هناك أشياء كثيرة عن حياته وعن سبب مغادرته للقرية، لو صدقك الحديث لبصقت عليه، تعرفين أنه كاذب، ومع ذلك قررت إصلاحه، لا تريدين أن تقطعي الخيط الذي يربطك به رغم الإهانات التي اقترفها بحقك، بررت ما فعله بحسن نية، تبتسمين عندما يمتدحك، اعتبرته عابر سبيل في حياتك، لم تحسبي أنه قادر أن يخدرك برشة من عبوة سماها ملطف جو، دفعك إلى غرفته وأرتج الباب، ها أنت ذي تندمين على أفكارك، يضعك في موقف خاسر، صارحك بما يريده، لن تسلمي نفسك، ولن تمكنيه من جسدك، أمام عنادك فح ما بداخله، قال: "نهاية كل حب الزواج."
تناولتِ محفظتك وهممت بالخروج، الباب مقفل، ضربته بيدك ولم ينفتح، هددته بالصراخ، اقترب منك، أبعدت يده وعضضتها، شعرت أن هذه ساعتك، لن تدعيه يفترسك، فهذا أبعد من نجوم السماء، رماك على السرير، كورت جسدك وضممت فخذيك، وضعت يدك اليمنى فوقهما، بينما اليسرى ممسكة بالمحفظة، أنشبت أظافرك في رقبته، وعضضت كتفه الأيمن، لم تتركيه إلا بعد أن صرخ وهرب، شدك ثانية ومزق ثيابك، تدحرجت على الأرض وتمسكت بطرف رجل السرير، عاد يجرجرك فجر السرير بكامله، تجرح جسدك وسال العرق غزيراً.
تجاهدين أن تظلي صامدة، خارت قواك، تتوسلين إليه، لماذا لم تتوسل امرأة أبيه وتدعه يشفي كبته الجنسي؟ أمه فزعت من مرضه المفاجئ، بسملت وتعوذت من الشيطان، بخرت البيت ونذرت أن تكف عن الحرام، بعد أن تعافى نسيت النذر، تخلص من كل ما يذكره بطفولته وصباه، إنه بحضرة فتاة ما زالت تمانع، نفد صبره، بانت أنيابه وانتشرت رائحة عرقه وهو يعاركها، تشنجت وبح صوتها، صدرها يعلو ويهبط مترافقاً مع حالة هذيان، في صباح اليوم التالي جاء بكأسين من الشاي، عاد إلى المطبخ، غيرت وضعيتهما وتظاهرت بالنوم، بعد قليل دعاها لتناول كأسها، شربته وهي تراقبه كيف ينوس ويتحول إلى جسد خاو مخدر، بصقت عليه وهي تعيد في ذهنها ما حصل لحظة بلحظة.

-15-


آه منك يا صلصال طوال عمرك تطارد الرخيصات، ما الذي دهاك لتضع المعلمة هلا في رأسك؟ قررت أن تصيدها، هذه أول مرة ترى نفسك أمام واحدة جادة، لا تخضع ولا تستطيع بدقائق ولا بأيام أن تفعل ما تريد، محاولتك التلويح بالنقود لم تجدِ، وجدت نفسك وجهاً لوجه أمام فتاة تمتلك ثقافة وتناقشك، فإذا بك رجل صموت أحدب قزم القامة حاني الرأس، تنظر بعينيك دون أن تجرؤ على النقاش. على كل الحبال قفزت، لم تبق إلا السياسة، الخوض فيها ورطة تهزم الكبار، فكيف بمدّرسة تظن أنها انتصرت طوال فترة صمتك، ناسية أن المنتصر يرفع إصبعيه، الإصبعان المرفوعان قدماها، لتحرمها أن تتحدث بأمور لا تفهمها: «تظن أن السياسة موجة تركبها وتجدف، ستفهم أنها ليست علكاً» هذا رأي مديرة مدرستها التي رفعت فيها عشرات التقارير السياسية.
استهوتك، تتعذب لأن فخك لم يصدها، عمرك كله شقاء، ما أجمل أن تراها كبقية النسوة تفتح ذراعيها وتضمك! تستنشق عطرها، عطراً هادئاً لم تتعوده، عطراً لا يثير الغرائز، بل يفتح الفكر ويبعث الانشراح، بعكس عطرهن الواخز، الذي لكثرة ما يرششن منه على أجسادهن يعطي مفعولاً عكسياً، من أين لك أيها الصلصال بهذا الشعور الراقي؟ كيف تسمح لامرأة أن تستأثر بفكرك، وأنت تعلم أن أجملهن تركع لليرات؟ هل صرت مثل معلمك تفهم بتصنيف النساء؟ معلمك معذور يعيش معهن عارياً، أما أنت فقد كنت تراهن عملة واحدة، بعضهن وجه العملة وأخريات قفاها، الآن أنت أمام امتحان من نوع آخر، يجعلك تسايرها ولا تفترسها مباشرة، امتحان يخرجك عن دربك الذي اخترته، تنسى الراقصات والعاهرات، وتركض خلف معلمة راتبها لا يكفيك سهرة لليلة واحدة، شلت فكرك وقيدتك، وكأن المدينة لم تنجب غيرها! كلما اقتربت منها زاد عنادها، أتتركها فاكهة دون قطف؟ تتمهل على غير عادتك، اقتربت منها فابتعدت، تحاول إيهامها أنك الرجل المناسب، صاحب أخلاق، تصرخ في وجهك: "كيف أصدق أنك تتحلى بالأخلاق وتقدر المرأة وأنت تحتجزني في غرفتك؟!"
تحاول إيهامها بمروءتك، تحاول أن تضرب ضربتك، لكن مثل هلا لا تنفع معها المقدمات التي حاولت القيام بها، واجهتك قوة شخصيتها، تراجعتَ واعتذرت، لم تعتذر سابقاً من أنثى، أنت الآن في موقف صعب، تشعر أن لطفك سيقربك منها، كنت تعتقد أن فتح ساقي المرأة أسهل من عمل إبريق شاي، ها أنت ذا تُراجع ماضيك، تجد الاستثناء يحاصرك، متأكد أن لا استثناء، ستصل إلى هدفك، لن تجاريها في الكلام، بل العكس عندما نطقت اكتشفتْ عريك، اكتشفت أنك بلا ثقافة، كان يمكن أن تظل صامتاً، تهز رأسك علامة القبول أو الرفض، تحاول أن تجاهد لتحقيق النصر، نصرك يبتعد، وبئرك فارغة جافة، تحدثتْ عن مصطلحات لم تسمع بها، ولا تريد أن تسمعها، وقفت كالأبله، واحدة مثلها تسكتك تجعلك أصم وأبكم، لكنك لن تغفر لها (فذلكتها)، رميت كل شيء خلف ظهرك ومضيت، لم تعد تفكر إن كنت ابن ريف أم ابن مدينة، هل لك أسرة أم لا؟ إن مجرد ذكر ذلك يجعلك عصبياً وفاقداً لهدوئك.
تقود السيارة، تقف وتفتح لها الباب، ترفض أن تجلس إلى جانبك، تنظر في المرآة، لا تشبع من طلتها، تحاصرها نظراتك، عند أول إشارة مرور تفتح الباب وتنزل مثل عصفور يفر من القفص إلى أقرب بستان، تتغير الإشارة تتابع السير، تبحث عنها طويلاً فلا تجدها، وإذا تصادف ووجدتها تتمنع وترفض الصعود، تفكر في أمور على غاية من الأهمية، أنت صيّاد ماهر، لا هي ولا مئة امرأة قادرات على الإفلات من يدك، لكل شيء أوانه، وعندما جاء الأوان وأغلقت الباب تمنعتْ وضربتك.
لقد نفذ سهم الشيطان، عاشت في غيبوبة وعشتَ في متعة ما بعدها لذة، تتسلى بجسدها المخدر، عيناها تشتمانك، تبصق عليك، تفيق على صوت أغان رخيصة، تهل دموعها، أحست بما حدث كالحلم، لم تتأكد أنها الحقيقة إلا في اليوم الثاني، تتساءل عن سهولة عقد قرانك عليها، سارعت للحصول على استيداع بقية العام الدراسي، اعتكفت في غرفتها في السكن الجامعي ثم في بيت أخيها، تجتر آلامها، لم تعد قادرة على الخروج أو الذهاب إلى أي مكان يمكن أن تراك فيه، لن تدعها تعيش في أمان، ما زال العقد غير موثق في المحكمة، بقي النص الذي كتبه الشيخ على السجل الأصلي، تأكدت أنها ما زالت في خانة أهلها، عليها أن تتصرف بسرعة، وألا تكون زوجة لمجرم ولو على الورق، يساومها على شرفها، على الطلاق، شيء واحد عليها أن تصل إليه النسخة الثانية من العقد، قبل أن يطلبها من المأذون ويثبته في المحكمة الشرعية، هذا الأمر يصعب التحقق منه، اليوم ستخرج وتتصرف ولو وجدته ينتظرها عند الباب.
بعد أيام من غيابها سأل معلمته إنعام، التي لا تعرف عنها شيئاً، وأن ما وصلها من مديرية التربية الموافقة على منحها إجازة بلا راتب حتى نهاية العام، ما العمل؟ كل منهما يبحث عن خلاصه بطريقته، لن تعدم الوسيلة للحصول على سجل العقود، هو دائم البحث عنها ليضمها إلى قلبه وإلى بيته زوجة على سنة الله ورسوله، لا يمكنها وحيدة أن تحقق ما تريد، بعد تفكير أقرت أن البداية يقررها حامد وفرات.
أحضر حامد المأذون نفسه بحجة عقد قران، رفضت الخطيبة المزعومة التي تحصنت في غرفة ثانية توكيل شخص عنها أو إعطاء رأيها الصريح، تبرع المأذون نفسه بإنهاء المشكلة، سيأخذ رأيها، ترك دفتره على الطاولة ودخل غرفتها، بعد نقاش دام دقائق طلبت أن تُعطى فرصة للتفكير، بعد أن تأكدت أن حامداً توصل إلى نسخة العقد الأصلية ومزقها، خرج الشيخ مقطب الجبين يحمل دفتر العقود، وهو يتمتم ويشتم الساعة التي أتى بها إلى هذا البيت، إذ عاد بلا إكرامية وزيادة على ذلك سيستأجر سيارة تعيده إلى بيته.
انتهت مؤقتاً حلقة هامة من حلقات كابوس هلا، استنشقت كمية من الهواء، الآن تستطيع أن تفكر، أن تعيد لذاتها الاعتبار، لقد تمزق صك العبودية الذي فرض عليها، هل ثمة كلمة أغلى من الحرية؟! شيء ما منعها من إتمام فرحتها، مغتصبها لن يتخلى عن مشواره الطويل والصعب ولو دفع حياته ثمناً.
توزعوا المهمات أصعبها ما أوكل إلى حامد، عليه أن يقترب من الصلصال بأية طريقة، يصادقه ويدخل قلبه ليعرف كل شيء عنه، مهمة صعبة وصفها بقوله: "إن تنفيذ عملية في إحدى المستوطنات الصهيونية أسهل عليّ من صداقته."
يعلم أن الوصول إلى قلبه يمر عبر الدروب الدنيئة، عليه اجتيازها، أن يتردد إلى أماكن اللهو، يدخل في تفاصيل حياة جديدة، لن يدير وجهه بعد اليوم وهو يرى صور الراقصات والعاهرات في الملاهي، بل سيحدق فيهن ويعاشر بعضهن، حانة الوردة البيضاء في وسط المدينة، وصلها وقرأ أسماء الفنانين وأوقات الافتتاح.
جمع بعض المعلومات الأولية عن الصلصال، شاب ذو نزعة عدوانية، مولع بالقمار وبالنساء، يتردد على أماكن اللهو، ويقضي معظم لياليه في ملهى الوردة البيضاء، يسكر ولا يصحو إلا صباحاً، ينقل معلمته إلى مدرستها في السابعة، عند التاسعة ينقل معلمه إلى مكتبه، يظل في الدائرة ساعتين أو ثلاثاً، يذهب إلى الميدان لإعادة السيدة إنعام إلى بيتها، ثم يعود إلى معلمه حسب طلبه ليعيده إلى بيته، تبقى السيارة معه، يذهب مرتين أو أكثر في الأسبوع إلى شتورا مالئاً صندوق السيارة بمواد مهربة يقدر ثمنها بآلاف الليرات، يبيعها في السوق السوداء، ويربح مئات الليرات، في اليوم الثاني لا تبقى ليرة في جيبه، يدفع ما معه في جلسة أو جلستين في الملهى، وقلما تخلو ليلة من حفلة مع راقصة أو فتاة مخدوعة أو ممن يمتهن البغاء في بيوتهن أو في بيته.
تجاوز الثلاثين ولم يفكر بالزواج، إلا عندما اهتم بهلا التي أكلت عقله، كاد يطير فيها، قرر من أول صعود لها في السيارة أن تكون قسمته، أحبها كما يحب الحشيش والمشروبات الروحية والملاهي الليلية، صدم عندما صارحته بشعورها اتجاهه، أقسم أن يذلها وبر بقسمه، ما توقعه لم يحدث، لم تأته ذليلة ترجوه أن يستر عليها، هربت من بين يديه، أخذت هويته وأوراقاً هامة موجودة عنده، رجل مثله سهل عليه أن ينفذ تهديداته، ماذا يخشى وعلى أي شيء يخاف؟ حرقت قلبه عندما أبلغته أن طريقها غير طريقه، عشرات النسوة عاشر وما من واحدة استهوته، هو نفسه لا يعلم لماذا تعلق بها؟ ولِمَ أصرّ على فضحها؟ لا يهمه من المرأة إلا لحظات النشوة، يغير ملابسه، يرتدي أفخر ثيابه وهو يحدق بالمرآة أنيقاً مبتسماً ومنتصراً.
الجسد فاكهة، ولكل فاكهة طعم ولون ورائحة، عليك أن تتذوق الجميع لتقرر أي الأجساد أشهى، الثمرة الطيبة كالمرأة الحارة الناضجة، حضنها دافئ وصيدها ثمين، لا تفر ما دامت اليد سخية، هلا لم تكن من أي من تلك النساء، صنفها وحيد وثمرتها ذات مذاق رائع، تمسّكت بها وأجبرتها على ما لا تريده، لكن أين هي؟
في لحظات الصفاء والهدوء تعود إلى ذاتك، هل يعقل أن تحب؟ هل هناك من تستحق الحب؟ أنت ذاتك تنكر أي نوع من أنواع الحب، لا تعرف ما الحالة التي تلبستك، ربما لأنها لم تطاوعك، قلبك يدق، تبتسم وتحاكي ذاتك، تتصورها أمامك، تعدها بأحلى الأيام، تناديها، تعالي، يردد الصدى صوتك، تجد نفسك وحيداً بلا هوية وبلا نقود، ربما هي ستنتقم لشرفها وللكثيرات، تراجع ماضيك، لا شيء تندم عليه، تعرف أن أعمالك تؤلم الآخرين، إلا أنها تظهر عظمتك، هل صحا ضميرك أم إنه الندم لفرار واحدة من قفصك؟
عرف حامد الكثير عنك، عرف أن الوصول إليك يمر عبر نفق مظلم لابد من اجتيازه، النقود التي وفرها خلال سنوات، سيصرفها في أيام، كان حزيناً ليس من أجل ذلك، بل لأنه سيعاشر نوعيات تافهة، يتودد لها ويمتدحها، وربما تدفعه الحمية إلى التعاون معها، صار من رواد الملهى، بعض الراقصات أحببن مجالسته، الفضول دفعهن لاكتشاف أي رجل هو حامد، شراب الراقصة المشهورة استهواها شكله، راقبته من بعيد، تمنت أن يطلبها، مستعدة أن تدفع عنه الحساب إذا أشار إليها بإصبعه، منعها كبرياؤها التحرش به، انتظرت وقررت أن لحظة ما ستأتي، حان الوقت ليتحرش بك حامد، اقترب منك واستأذن بالجلوس إلى مائدتك، لم يتلق إجابة، قرر أن السكوت علامة رضى، رآك متعكر المزاج، بكل ود ولطف دعاك أن تسهر ليلتك على حسابه، سألك عن المناسبة، أجبته لكونك متضايقاً، سر من جوابك وقال:
- مقبولة منك يا...
- أنا حامد الراشد.
- الداعي قاسم الصلصال.
عرف من خلال الحديث أنك مدرس، نظر إلى وجهك وابتسم، سألك عن معلمة تدعى هلا أو هلالة، أفاض بالحديث عنها، كيف أحبها وكتب عقده عليها، الملعونة هربت وسرقت العقد، أشار بيده إلى راقصة تترنح دعاها شراب وأضاف:
- ربما لتلك العاهرة يد بذلك!
- يمكنك أن تدعوها إلى بيت الطاعة.
- كيف ونسخة العقد الأصلية لا وجود لها ولا أحد يعرف بيت المأذون إلا أنا وشراب.
- إنها أحجية!
- بل الحقيقة التي سأحدثك بكل تفاصيلها.
تبادلا أطراف الحديث، لم تفكر بطلب راقصة، وجود حامد أنساك همومك، دعوته إلى بيتك، أصررت على اصطحابه، لتقص عليه بقية الحكاية، في البيت سهرتما حتى الصباح، ارتاح إليك، قصصت شيئاً من ماضيك وحياتك وعملك الحالي، وعدك بسهرة مع الفنانة شراب.
عشرات الأسئلة تحاصر هلا، كيف ستتقدم لامتحانات الجامعة؟ كيف ستخرج من البيت؟ طمأنها حامد إلى ضمان سلامتها وزيادة في الاحتياطات رافقها إلى الجامعة حتى آخر يوم من الامتحانات، عادت ثانية إلى كتبها، إلى المطالعة، إلى سجنها الإرادي، شيء واحد تفكر به هو نجاحها هذا العام إلى السنة الرابعة، قدرت أن الدراسة هي السبيل الوحيد لقتل الوقت والفراغ، عشر ساعات وربما أكثر تلتهم فيها الصفحات، تهيئ نفسها للأيام القادمة، لمستقبل مجهول.
-16-


تتنصَّتُ وتسمعُ كل حركة يقوم بها والدك: خاصة وقت اختلائه بزوجته الجديدة، تدخل مخدعهما خلسة على رؤوس أصابعك، وتنسحب في الوقت الذي تراه مناسباً.
سناء زوجة أبيك فتية، لا تكف عن السهر والرقص ما دام الليل لم ينتصف بعد، سكنت بيروت فصارت بيروتية، تهتم بأناقتها وحديثها وعطرها وحبها للمجاملة والحديث، تعودت على النزهات وزيارة البحر والسباحة، فيها الكثير من اسمها، وعرة المسالك، لبيبة، لم يصلها أبو قاسم الصلصال إلا بعد أن سلم روحه ووضعها بين يديها، ورفع يديه إيذاناً بتنفيذ شروطها، دفع كل ما يملك مهراً، كتبت عليه مؤخراً بالعملة الصعبة، اشترطت أن تكون العصمة بيدها، أن يعيشا في بيروت، وشروطاً أخرى لم يناقشها، أخبرته أنها لن تغادر لبنان إلا للزيارة، بحر بيروت ملجؤها ومن جبالها تستنشق النسائم، بعد أن اتفقا على كل شيء، ذكرته بعد الزواج بأنها لن تسكن في قريته المنسية، والتي لم تعثر على أثر لها على خارطة سورية، هي التي أخلت بشروطها، لم تصمد بعد تعرضها لأكثر من حادثة، جاءته طالبة أن يرحلا إلى الضيعة، بعد أن كرهت مناظر الموت، بعد موت والدها وأحد إخوتها، الأصح أنها هربت، الرصاص لا يفرق بين الناس، ينطلق إلى حيث يسدد القناصة وأولاد الحرام والمتحاربون، ولولا الظروف الاستثنائية التي مرت ببيروت لما عرفت الصلصال، ولكانت الآن تتمشى على الكورنيش أو في شارع الحمراء.
ما زال يذكر كيف عمل عتالاً في ميناء بيروت، يتوقف الميناء عن العمل لساعات أو لأيام أو أسابيع بسبب الحرب، يبحث عن عمل آخر، يمر يومياً من أمام بيتها في طريقه للعمل، بدأت تراقبه، اصطحبها غير مرة إلى المصايف الجبلية وإلى البحر، أحبَّها وعندما تلفظ بما يدل على إعجابه وحبه، لم يجد منها الصَّد كما توقع، بل ابتسمت، لم يخبرها أنه متزوج سابقاً، وهي لم تسله، اشترطت أن يعيشا في بيت أهلها، ظلا فيه إلى أن أصابته قذيفة فقررت الرحيل.
لِمَ لم تسل عن أمك المريضة؟ أتعاقب نفسك أم تعاقبها؟ لم تشعر بالفجيعة عندما أخبروك بموتها، كنت قد دفنتها بين أضلاعك منذ زمن، لم تجد عناء في مواصلة الحياة عند والدك، أما أختك عائشة التي تكبرك بثلاث سنوات فقد تزوجت وفضلت الحياة بعيداً عن بيت أهلها، زكمت رائحة أمها أنفها، غدت تخجل لدى أي ذكر لها، تقدم ابن خالتها لخطوبتها فلم ترفضه، وجدت الحياة في بيتها الزوجية سبيلاً لخلاصها من واقعها.
في تلك الليلة الجهنمية لم يغمض لك جفن، وصفت بدقة سهرتهما، أبوك يلهج باسمها ويصفها أنها رائعة، بدأت تخطط لتحظى بها، أتقتل والدك؟ قد لا ترضى بقاتل زوجها أن يأخذ مكانه، صحيح أنك أكثر فتوة وجاذبية، لكنك لا تملك مالاً، والذي لا نقود معه ترفسه المرأة!
بعد مجيء سناء إلى مزرعة الصفصاف غيرت طريقة حياتها ولباسها وتعاملها لتتلاءم مع حياة الفلاحين البسطاء، خلعت ثيابها القصيرة ولبست ثوب القرية، بدت مثل باقي النساء، تأخذ الطعام لزوجها الذي يعمل في أرضه، من يراها يعتقد أنها قروية أباً عن جد، قررتَ يا صلصال الدخول إلى قلبها، استرضاءها، تساعدها في أعمال البيت، تنفذ طلباتها، صرت طوعها، تمازحك فيذهب عقلك بعيداً، تتأمل قوامها الرشيق، تمتدحها فتسرّ، تحدثك عن بيروت، عن لبنان وجمال طبيعتها وأهلها، توافقها وتزيد على مدحها مديحاً، تحدق بها فتضحك، توصي زوجها بك خيراً، تشهد على أنك مؤدب ونشيط لا تخالفها في شيء، لا تريد إلا رضاها، ظلت وراء أبي قاسم حتى أعلن أنه سيعطيك قسماً من أرضه ويبني لك بيتاً ويزوجك، ذكريات أمك تأتيك، الماضي يطاردك، تبكي بمرارة وتقول: "لماذا أمي ليست كباقي الأمهات؟"
على مضض تطلب لها الرحمة، تأسف لماضيها وماضيك، غير قادر على التخلص من ذاكرتك المشوشة، لم تستطع أن تقتطعه وترميه كما ترمي أي ثوب بال، لقد عمل عمله، صحيح أنك تتصرف مع زوجة أبيك تصرفاً لائقاً، ظنت أنها استطاعت ترويضك، لكن وراء الأكمة ما وراءها، حول عينيك هالتان رماديتان كونهما الأرق، تمضي ليلك تراقب حركاتها وإيماءات جسدها، لم تعد مراقبتك خافية، أحست وأنت تحاول احتضانها، كادت تتعثر، ابتعدت ولم تتأكد إن كان ذلك عفوياً أم متعمداً، بدأت بالتوجس والخوف غير قادرة على البوح، خاصة هي التي دعتك إلى رفع كيس البرغل، وبالمصادفة احتكت بك و احتككت بجسدها، محاولاتها الحذرة أججت نيرانك، حاولت غير مرة أن تحتك بجسدها وتقبض عليه، أن تتحرش بها وفي نيتك أنها ستسكت، كل ما فيها يجعلك ثائراً، فاقداً اتزانك، شبقاً، تتمنى سفر والدك، في مرات تمنيت موته، تريد أن تكون عشيقها، تخدمها، نظراتك الجنسية الفاحشة تعريك، صارت ترتاب، ترتدي ثياباً محتشمة ولا تظهر شيئاً من جسدها.
مرت أكثر من فرصة لتهجم عليها، ارتابت من تصرفاتك وأقوالك، تكتشف ما ترمي إليه، تبطل مخططاتك بصمت، لم تعاتبك ولم تحدث أحداً، عليها أن تتأكد من شكوكها، الشكوك لا تكفي ولو وصلت إلى درجة قريبة من اليقين، أتنسف أقوالها التي امتدحت فيها تصرفاتك، صار قلب أبيك أبيض اتجاهك، ستظل تلاحق شكوكها حتى تتأكد من صدق ظنونها، تجاهلتْ ما سمعته وتسمعه، اعتبرت ما تقوله مديحاً تستحقه، لكن عندما اقتربت والتصقت بجسدها وشددتها إليك، وأظهرت إشفاقك عليها كونها جميلة تدفن حياتها مع رجل يكبرها بالسن، أجابتك:
- هذا الرجل أبوك!



 
 
رد مع اقتباس
 
 
   
  #8  
قديم 05-04-2016, 11:05 AM
الصورة الرمزية جنيــن
:: عضو مميز ::
______________
View جنيــن's Photo Album  جنيــن غير متواجد حالياً
 
غرباء منتصف الطريق



- إن تماديت أكثر سأخبره.
أدركت الآن أن نواياك غير شريفة، وأنك تبني الفخاخ لاصطيادها، عليها أن تكون حكيمة، ستطلب إلى زوجها أن يبني لك بيتاً مستقلاً بأقصى سرعة، ستحدثه في الوقت الذي تراه مناسباً، لن يمر شهر إلا وقد انفصلت عنهما، هل ستمهلها؟ تبدو أكثر شبقاً وتعطشاً يوماً بعد يوم، قررت أن تحسم أمرك، الأعراب ينتظرون الموت ليحققوا ما يريدون، لن تنتظر، الأعمار بيد الله، قد يعيش والدك طويلاً، إذا اختارتك ستعودان إلى لبنان أو تذهبان إلى دمشق وتعيشان بأمان هناك.
فخذاها تسطعان في مخيلتك، جسدها اللدن الذي تتخيل حركته داخل ثوبها القروي يغريك، تمر أمامك شامخة من المطبخ إلى الغرفة، تنظف وتشطف، تنقصك الشجاعة أو الوقاحة، تقربت منها حتى بت مستعداً أن تغسل قدميها لو دعتك إلى فعل ذلك، ابتسامتها فيها جاذبية ومكر وأنوثة وجنس، تذكرت الليلة الماضية وصهيل جسدها طوال العتمة، تنظر إليها كيف ذوت ودست جسدها في الفراش، وغطت في النوم وقت الضحى، أقسمت إنها لك وإن والدك لا يستحقها، شاهدت عريها الرائع خلسة، من الصعب التخلص من هاجس الجنس، تأججت النيران، تصورتها بين يديك، تمانع كالمهرة غير المروضة، رشيقة وأنت تحملها بين ذراعيك، نهداها متحفزان وجسدها كتلة لهب، كل شيء يدعوك للمجازفة، ماذا ستخسر إذا رفضت، ستترك البيت، لا شيء يؤسف عليه، وهي لن تخبر أحداً حفاظاً على شرفها، ماذا يقول الناس؟ لو لم تغريه لما فعلها!
تلف في الغرفة، استيقظتْ على حركاتك، لمّت اللحاف واستعدت للدفاع عن ذاتها، استعدت لمعركة، تفادياً لذلك قررت أن تذهب إلى الجيران وتتركك تغلي، لم تمكنها من المغادرة، اطمأننت أن لا أحد قريب من البيت، اقتربت منها أكثر، ابتعدت وهددتك بالصياح، سألتك:
- ما بك يا قاسم، خاف الله أنا مثل أمك!
- أنا أحبك يا سناء.
قربت يدك المرتجفة من وسطها، أعادت يدك إلى مكانها مرات، إلا أنك تجرأت وجذبتها، ضممتها وقبلتها، رميتها أرضاً، حاولت نزع ملابسها، لم تمكنك، هبشت بأظافرها وجهك ورقبتك، العرق يتصبب منها وهي تقاوم، ابتعدت واستطاعت أن تفلت من يدك، نظرت إلى البعيد وقالت: "اهرب جاء والدك."
جمعت حاجياتك ونقودك القليلة وخرجت، تساءلت بينك وبين ذاتك عن جنونك، عما فعلته، القرية باتت محرمة عليك، وصلت إلى الشارع العام، انتظرت قدوم أول سيارة لتنقلك بعيداً عن أبيك وعن بيتك، وقد لا تستطيع العودة ثانية إلى قريتك طوال عمرك.
-17-


الغوطة أنثى تحاصرك، يسري حبها في صدرك، تعقد صداقات مع عالمها الطفولي، شعرت أنها المكان الآمن لروحك، مددت الجسور بينك وبينها، تزور خالك، تشتهي التوت والرمان والعنب، تمشي في الدروب الترابية الضيقة، تفرح للثمار الدانية، تغريك نباتاتها وزهورها، تشع في صدرك فرحاً وشموساً تتطاول، ورود روحك تبث أريجها، الروائح الذكية تلفك، يعبق عطرها في صدرك، كل شجرة معلقة بنجمة، وكل نجمة تضيء مدناً، وكما المدن عديدة، فالنجوم أكثر، تخطئ إن حاولت عد أشجار الغوطة لمعرفة نجوم الكون.
استهوتك الغوطة وتغزلت بأشجارها المرحة! أشجار ذات حركات راعشة متوافقة مع شبابها، أما الأشجار الهرمة فتلفها سيماء الخجل، يبدو عليها الوقار، جذوعها الضخمة غير قادرة على الرقص بجسدها، عوضت عن ذلك بماضيها، شجرة الجوز التي تربط الأرض بالأفق، لم تعد قادرة على الليونة ولف خصرها، لو حافظت على ليونتها لأدت أروع رقصة، ومع ذلك ترفع صدرها للريح والمطر تاركة يديها تتقافز، فاسحة المجال لغضبها لتحطيم الأغصان اليابسة، نشرت دوحها فنالت ثقة ما حولها من أشجار وطير، فغدت أميرة توزع الريح والشمس إلى الأشجار الأقل ارتفاعاً منها، كمن يوزع البسمات والحلوى على الأطفال. قررت بعد مشاورات مع أمك وإخوتك، أن تلجؤوا إلى صدر خالكم الرحب، الذي كان على علاقة جيدة مع صاحب الأرض القريبة من بيته، ذهبتما إليه وطلبتما أن يسلمكما الأرض خالية من الأشجار والنباتات.
الكلاب تنبح معلنة اكتشافها لمتغيرات ضمن منطقة حراستها، ثمة من ينام في بيت غير مكتمل البناء. تشعر أنك محاصر. تهم بالخروج والدوران حول البيت. تقترب الكلاب وتبتعد، تزيد من نباحها، تضطر إلى العودة إلى مكانك والتظاهر بالنوم، هذا أنت يا حامد تستغل العطلة الصيفية، مصمم على إنهاء البيت مع انتهائها، تحرس مواد البناء ليلاً، وتعمل في النهار لتوفر أجر عاملين، في أيام سكنك الأولى قرعوا بابك لترافقهم إلى صلاة الصبح، أخبرتهم أنك تصلي في البيت، مرت فترة ولم تدخل الجامع ولو على سبيل المجاملة، تأكدوا أنك لا تصلي، فلم يعودوا إلى قرع بابك، نظروا إليك بعين الريبة والملامة، عاتبوا أبا إبراهيم الذي باعك، الحارة ليست بحاجة إلى أناس لا يصلون ولا يعرفون الله.
أهل الحارة يصلون صلاة الصبح والعشاء وكل الصلوات، صباحاً يتباطؤون في الخروج من بيوتهم، يرون أن الوقت ما زال مبكراً، العتمة تملأ الأفق والنهار لم يطلع بعد، يغطون بالنوم وعندما يستيقظون، يستغفرون ربهم ويتضرعون إليه ليمحو ذنوبهم، بعضهم يتجاهل النداءات المتكررة من مكبرات الصوت، يرون في دفء أجساد نسائهم، ما ينسيهم كل النداءات والذهاب إلى الجامع، أبو إبراهيم صاحب الصوت الجميل يغني في الحقل، الله وهبه حنجرة ناعمة وصوتاً دافئاً، عند الصلاة يهم إلى المسجد، يصعد إلى المئذنة، يؤدي بعمله فرضين أحدهما إكراماً لله والآخر إكراماً لدنياه، يؤذن بصوت حنون وعيناه لا تغفلان عن الحارة، امرأته لم تر دمشق إلا مرات، كل مرة تذهب فيها إلى العاصمة، تعود ورأسها يؤلمها، أما الزيارات الخاصة فإلى أهلها الذين يسكنون قريباً منها، أحذية العرس ما زالت على حالها، خاصة القبقاب المزين الذي جازف واشتراه بليرتين، تحتفظ به في صندوق عرسها المصدف، معظم الجهاز ما زال على حاله في الخزانة المصدفة، تخجل من الآخرين، لا تحادثهم، أما هو فعلى نقيضها، يُحدث نساء الحارة، يستمتع بكلامهن ولهجاتهن الناعمة، رأته مرة يمازحهن، لم تحتمل، هربت إلى البيت وظلت لا تحادثه أسبوعاً، لا تسمح لـه أن يقترب منها، تهدده بالصياح ومناداة أولادها، عرف أنه في ورطة، لا يخلصه إلا صوته الجميل، انتهز فرصة غياب الأولاد في مدارسهم، وغنى أغاني وديع الصافي وبعض المواويل، أطربها وتمايلت غنجاً وطرباً، رقَّ قلبها، نادته بحنان وأسمعته ما لم يحلم بسماعه، تساءل مندهشاً: «من أين لها بالتعابير الحلوة؟»
أبو إبراهيم لطيف المعشر، يزورك ليسمع الجديد وليحدثك بما يسمعه من الآخرين، حدثك عن امرأة حامل جنينها يتكلم وهو في بطنها، ذهب الناس للتأكد مما سمعوه، سألته:
- وأنت ألم تذهب؟
- سأذهب وأحدثك بما أسمع، هل ستصدقني؟
- أصدقك، لكنني أفسرها بطريقتي.
- أنت تنفي قدرة الله على عمل المعجزات!
- يا أبا إبراهيم عصر المعجزات انتهى، اذهب وتأكد من مصدر الصوت وأخبرني.
- يا أستاذ حامد لن تصدق ولو كانت حقيقة! ماذا تقول في التيس الحلوب الذي كتبت عنه الصحافة؟
- هذا أمر سخيف!
- ما دمت غير مصدق، لن أحدثك عن البقرة التي ولدت حملاً.
- أنت فلاح، هل تصادف ولو مرة أن ولدت بقرة حملاً أو العكس؟!
استلمتُ الأرض من أبي إبراهيم في الموعد المحدد بلا أشجار ولا ماء، الساقية التي تمر من هناك طمرتها، بدأت تحفر الأساسات، تخطط مكان الغرف والمنافع، جعلت تجاه البيت إلى الجنوب، وأحضرت الإسمنت والحجارة والبلوك، تعمل من الصباح حتى المساء، صرت مسؤولاً عن عمال يصبون الأساسات ويبنون الجدران، لم يمض حزيران إلا واكتمل البناء على الهيكل، ولم يبق سوى صب السقف، في يوم الصب ودون إنذار مسبق جاؤوك مدججين بالمعاول والمهدات، سألوك عن رخصة البناء، ذكروك بمنع البناء في الأرض الزراعية، قبل أن ينتشر العمال ويفعلوا فعلتهم، مددت يدك، عرفت كم عليك أن تدفع وإلا فالبناء سيسوى بالأرض، المسؤول ابن حلال، أعطاهم أوامره بالعودة، أداروا ظهورهم، فتابع العمال الصب فرحين.
الغوطة تصرخ في وجهك ووجوههم، تبكي حظها العاثر، تندب حاضرها، تغتصب مرتين! تعود لأمجادها، لذكرياتها، للوجوه الشامخة التي احتمت بأشجارها، للزنود التي قاتلت الفرنسيين، للأشجار التي شهدت الاستقلال، والأشجار التي شهدت الحكم الوطني، لكن أين هذه الأشجار الضخمة؟ الجواب معروف لقد قطعت، الغابة تتراجع، يوماً بعد يوم تنسى ماضيها، تنسى الطيور الرائعة التي تحولها إلى سمفونية، تسافر العصافير، يحل طائر البوم، ينعق في أعلى الأشجار اليابسة وأنت راض، تُدرس طلابك ضرورة المحافظة على الشجرة، تحتفل في آخر خميس من كانون الأول، تذهب وتلاميذك لتزرعوا شتلات، هذه الشتلات ستنتظر أجيالاً، تكبر خلالها وتنتظر أن يأتي واحد مثلك يدرس الأخلاق والمحافظة على الشجرة، بينما بالفأس الذي زرعت فيه سيقتطع عشرات الأشجار!
أنت مسرور، صار لك بيت وسط الغابة، لم يعد يهمك حاضرها ومستقبلها، تنظر إلى أكوام الخشب والإسمنت التي تعلو يوماً بعد يوم، كنت تظن أن الآخرين لن يفعلوا مثل ما فعلت، ستكون الوحيد الذي يتنعم بمنظر الغوطة وخيراتها، الوحيد الذي سيبني بيتاً تلفه الأشجار من كل جانب، تغرد الطيور في جنباته وتنيره الأشعة، تصورت أن بيتك هو الجنة، (فيلا) بكل ما تعنيه هذه الكلمة.
توافد آخرون مثلك، قطعوا الأشجار، عيناك تذرفان الدموع، كتل الإسمنت تحيط بك، لم يتركوا لك سوى ممر ضيق مترين أو ثلاثة، صار عليك أن تمد الأسيقة والماء إلى بيتك، وأن تحضر ساعة كهرباء، كل الطلبات بحاجة إلى موافقة البلدية، وهي لا توافق إلا بشروط حفظتها وتقيدت بها، اليوم تدعي أنك أحد الذين يناصرون الشجرة، أحد المدافعين عن الغوطة، كثيرون صدقوك، لكنك لم تصدق نفسك.
جيرانك كالثوب المرقع، من كل محافظة رقعة، من أقصى شمال القطر إلى أقصى جنوبه، جاؤوا إلى دمشق، المدينة غالية السكن، تورطوا في المجيء وهم غير قادرين على التخلص من سحر الشام والعودة إلى محافظاتهم، أغرتهم وهم لم يستقروا بعد، فكيف إذا عرفوا دمشق على حقيقتها؟ جاؤوا إلى المناطق الزراعية، مثلك قطعوا الأشجار، أنت وهم جزء من حارة لا تمديدات نظامية ولا طرق معبدة، صار عليكم أن تطالبوا بتمديدات نظامية، ورصف للطرق وتزفيتها، أوفدتك الحارة مندوباً عنها، قابلت رئيس البلدية الذي حصل على مبلغ من المحافظة لتحسين الخدمات في مناطق السكن العشوائي، بدأ يفاوضك، يحاول إقناعك بتزفيت الطرق من الحصة التي صارت بين يديه، علمت أن لـه مصلحة، يريد إيصال الزفت إلى أرض يهمه أمرها، صاح بوجهك قائلاً:
- لنبدأ بالتزفيت!
- والتمديدات الصحية؟
بفطنته ذكرك أن ما تفعله البلديات تزفت أولاً، وإذا احتاج الشارع إلى تمديدات يُحفر، لا شيء مقدس في العمل، وهكذا تظل الورشات في عمل دائم، وهي مساهمة متواضعة من البلديات في القضاء على البطالة، تواطأت معه ووافقت خوفك أن لا يطال الحارة شيء، بعد أيام مد العمال طبقة رقيقة من الزفت غيرت مدخل الحارة وطرقها، وهكذا بدت معروفة آمتها الطنابر والباعة الجوالين الذين وجدوا أنفسهم وسط حارة شعبية، حنوا إلى أيام زمان، وبدؤوا ينادون على الخضراوات والفواكه، وفي ظنهم أن الماضي قد عاد شاباً:
لا تدور على الحلوة ليكا
شلة حرير يا فوصولياء
نهود الصبايا يا رمان
ابن الزنا يا طرخون يزرعوك في دوما تطلع بحلبون
الله الجبار يا خيار
ماكول الستات يا فريز
خدود الصبايا يا تفاح
أصابيع البوبو الخيار
الله الدايم الله الدايم
-18-


التقيا في الميكروباص الذي ينقلهما من ملعب العباسيين إلى باب المصلى، حيث يفترقان كل إلى عمله، يحمل بيده مغلفاً تناولته، وأفسحت لـه مجالاً فجلس، شدها المغلف، نظرت إليه وسألته عن محتوياته، أجاب:
- إنه موضوع عن غسان كنفاني!
برزت علائم الدهشة على وجهها، وكأنها تسمع هذا الاسم للمرة الأولى، أمر غريب إذا صدقت ظنونه، حدق بوجهها، زمت شفتها وقالت: ما بك؟
سألها: ألم تسمعي بهذا الاسم؟
- أي اسم؟
- غسان كنفاني!
- في الواقع لم أقرأه جيداً، حتى روايته التي درسناها، أكاد لا أتذكرها.
غادرت الشموس داخله ومات الحلم، ابتسم ابتسامة صفراوية، صار من المألوف أن تلمس غربة الثقافة، بات أمراً عادياً أنّ الذين يحضرون الأنشطة الثقافية يعدون على الأصابع، وحاضري الأغنية الهابطة يعدون بالآلاف والملايين، وحاضري مباراة رياضية لمرة واحدة يتجاوزون من يحضرون الأمسيات الثقافية في محافظة هامة على مدار أعوام، أعاد قراءة الفاتحة للمرة العشرين.
الغوطة عظماؤها جامعو أموال، الغوطة هزت ثقافتها وشخصيتها وجعلتها أمية، ليس في الثقافة، بل في كل شيء، هل يعقل أن تقبل شريك حياتها عن طريق الصورة أو الشيخ و الاستخارة، والأشياء التي تصف أي خلاف في الأسرة أو اختيار الشريك بالقسمة والنصيب؟ ألم تتواطأ مع ذاتها حين لم ترفض الشاب جميل الوجه صاحب السبحة، جذبها شكله، وظنت أنه من الداخل صورة تكمل الشكل الخارجي، لكن ما تبين لها أن الحياة مدرسة أخرى ليست ابتدائية ولا إعدادية، مدرسة من نوع مختلف، قضت شهوراً تصارع ذاتها، شهوراً قضتها في العذاب، وفي الشكوى والتوجع، النار تجري في عروقها، تضخ دموعاً من بخار، دموعاً تحرق الجفنين والوجنتين، تعانق جيدها، تستعر النيران في صدرها، تحس بتراقصها على ضوء المصباح، تدعها تنحدر لتغسل جسدها وترمم بقايا أحلامها، تندب حظها، تلوم نفسها، لماذا لم تقل لا؟ طبيعة الغوطة فرضت عليها الصمت، فرضت عليها أن تكون خرساء، تشعل الخراب في عروقها وفي روحها، النساء حولها لا يتحدثن إلا عن اللباس والأكل و«الخرجية»، وإذا تحدثن عن الثقافة فيقصدن الجنس، أيعذرها لأنها لا تعرف غسان كنفاني؟ فوضى الغوطة وتضادها مع الثقافة الحقيقية جعلها تنسى أنها درست سنة كاملة في الجامعة مقابل جامع الفردوس في ساحة التحرير.
بدا عليها القلق، شجرة تعرت من أوراقها، روحها محاصرة بالرياح والصقيع، بالصحراء التي تجتاحها، تلملم أوراق الخريف المتناثرة، ناسية أن الشجرة التي لا تصمد لا تنفع لشيء، الرياح هزتها، وعندما لم تجد عودها صلباً كسرته، شعرت بالإهانة فعلقت بتعبير دارج: "حاج بقى!"
عند هذا الحد وعند استخدامها تعبيرها الشامي يكون الكيل قد طفح، ولن تسمح بالمزيد من التعليق، العصبية التي تلفظت بها لا تعطيه أية فرصة للتمادي، ترى في تعليقاته وابتسامته تعرية لشخصيتها، سكت على مضض، كان بوده أن يحدثها عن استشهاد هذا الكاتب، ويدعوها لحضور ندوة بمناسبة الذكرى الحادية والخمسين لميلاده في شهر تموز القادم، نزلا من السيارة ودعته، ومشت أمامه مسرعة، نظر إلى تفاصيل جسدها وإلى قدها الممشوق، تأكد أنها تمتلك خلفية ثقافية وفنية! الأنوثة تطفح من وجهها وعينيها وقوامها المغناج، محاطة بندى الصباح الهش، الذي أخذ بالتبخر، إيذاناً بانهزام تلك الطبقة المغلفة لضوء الصباح.
صمت بارد وثرثرة، يجري خياله في عالم رحب من الجمال والفن، لكن يبدو أن جدلية الحياة تفرض عدم اجتماع الجمال والأدب في أنثى، لن يشطح خياله أكثر ويردد اتهامات سمعها واستنكرها. مساء لم تأت على الموعد، في العادة تحضر قبل الموعد بدقائق، وإذا تأخرت لا تتأخر أكثر من خمس دقائق، انتظر ثلث ساعة، عاد تلفه الأحزان، أتكون اتخذت موقفاً يعيد التوازن لشخصيتها؟ بناؤها الشامخ المغطى بالمساحيق يرتدي ثوب الحضارة، كمدينة مقفلة لا أحد يعلم ما يجري داخل أسوارها، مدينة عصية لكنها تسلم مفاتيحها للأقوياء، عظيمة من الخارج، خاوية من الداخل، هل فرات قرطبة جديدة تخاصم أهلها ففتحوا طرقاً عريضة تفصل بين الأخوة الألداء؟ هذه الطرق تسلل الأعداء منها.
يحاول أن يجيب عن أسئلة، يصعب الإجابة عليها بدقة، هل خدع بالمظهر؟ يدافع عن نفسه، يدافع عن فرات التي هي ضحية واقعها، صحيح أنه لم يحاول أن يسبر ثقافتها، ويناقشها في الثالوث المحرم السياسة والجنس والدين، أراد أن يقتحم داخلها، ويعرف أي النساء تكون، جاء نبشها من خلال مسألة غير مخططة، لقد جُرح كبرياؤها، شعرت بالهزيمة واتخذت موقفاً انفعالياً، ابتعدت قليلاً عن حامد وتجاهلته، إلا أن الحب يتقافز في صدرها فلة فواحة، لم تستطع على الجفاء أكثر من أسبوع، جاءت إليه وحطت على كفه كطائر ينشد الأمان، كنبتة عطشى، الابتسامة تغطي مساحة وجهها، عيناها تتغامزان طرباً، جسدها يتراقص، جاءت وجبينها ندي مشع كما السماء التي اغتسلت بالمطر في يوم ربيعي، كابر وحاول تجاهلها، لم يقدر، ابتسم وهو يسمع تغريد العصافير:
عندما التقيا هدل الحمام وتعانق المدّ والجزر، عادت روحها وعادت أحلامه، وعاد الكون إلى اتساعه.


 
 
رد مع اقتباس
 
 
   
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة








الساعة الآن 02:03 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
منتديات بال مون - منتديات رومانس مون
  PalMoon.net