منتديات بال مون  

العودة   منتديات بال مون > منتدى الفن والأدب > منتدى روايات عبير وأحلام > الروايات العربية

الروايات العربية قسم مختص بعرض أشهر الروايات العربية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-04-2016, 08:41 AM   رقم المشاركة : 1
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


عروس النيل




عروس النيل
للكاتبة غيداء الجنوب
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تجميع : فيتامين سي
شبكة روايتي الثقافية
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
إهداء

إلى كل من حمل في قلبه حب ..
ووقف معه أمام لهيب الشمس وأحتمل
عذاب نارها من أجل أن يعيش هذا الحب ..
إلى كل القلوب المتناثرة على قارعة
الطريق .. تنتظر يداً تنشلها من وطئ
الأقدام .. إلى كل من ذاق مرارة الانتظار ..
وعاش أملاً ظن أنه سيتحقق يوماً ما ..
إليكم قصة روحٍ تشبثت بالأمل حين
داهمتها الخيبة .. ونالت من الحب
مرادها .. ليعلم كل قلب أنه ما دام
الأمل دامت الحياة .. وما دامت الحياة
وجدنا الأمل ..

غيداء الجنوب

يعجز الإنسان في كثيرٍ من الأحيان عن وصف ما يراه بعينيه ..
إذا لم يكن له وقعه في داخله ..
ولا يقوى فعل شيء تجاهه سوى طرح السؤال ..؟؟

كان يوماً طويلاً.. وثقيلاً.. لم تشعر فيه بالوقت رغم ضجرها ومللها من الجلوس على ذلك الكرسي المتأرجح.. وهي تراقب حطب المدفئة وهو يحترق شيئاً فشيء.. وكأنه يشعل في جوفها نار لا تنطفئ أبداً..
إنها لا تذكر كم مضى عليها من الوقت وهي تبكي .. لا تذكر تلك الصور التي كانت تشاهدها في مخيلتها آنذاك .. كل ما تذكره وتشعر به هو أنها غاضبة .. وفي نفسها شيء قد تحطم وتكسر..
لقد انطفأت النار في المدفئة ولكنها أدركت أن ضوء الشمس قد انتشر في أرجاء البيت ولم تعد بحاجة إلى تلك النار التي لا تزيدها سوى اشتعالاً واحتراقاً ..
وقفت " ليلى علوان " لتتجه نحو النافذة .. ثم نظرت إلى السماء وهي تحتضن الشمس بعد طول غياب وكأنها تطلب منها الدفء بعد عناء ليلٍ طويل مع البرد والمطر ..
ياله من صباح .. كل شيءٍ فيه جميل .. الهواء .. الشمس .. والطيور .. حتى ذلك الثلج الذي
غطى جزءاً كبيراً من الأشجار .. كل شيءٍ حول " ليلى " كان جميلاً ولكنها تشعر بجماله ولم تتذوق فيه روعته ، أغلقت " ليلى " النافذة ثم الستار وأيقنت أن ذلك الجمال الرباني ليس له مكان في داخلها .. ولا يحق لها التمتع به حتى ولو مجرد النظر إليه..
كانت تسير في البيت تائهة كمن فقد الطريق إلى مناله .. ويدا تقع على كل شيء تمر عليه .. وتوقفت للحظة عندما وقعت يدها على صورة معلقة على الحائط .. كانت صورة لزوجها وهي تقف بجانبه في ليلة عرسيهما .. كانت الدهشة تحاصرها وهي تنظر إليها بكل تمعن حينها أحست بأحداث كثيرة تصب في ذاكرتها وصور مبهمة تتلاطم أمام عينيها .. أمسكت برأسها كأنها تخاف عليه من الانفجار .. حتى كادت أن تصرخ لتنقذ نفسها من ذلك الشعور المخيف .. وأغمضت عيناها عن تلك الصور البغيضة وقد حدث ما تريد .. حين جاءها صوت رنين الهاتف ونظرت إليه بتعجب ثم سألت نفسها " ترى من يكون المتصل " ..؟
اقتربت منه .. وحاولت رفع السماعة للإجابة عليه ولكنها لم تستطيع.. لقد كانت خائفة .. نعم خائفة.. ولكنها لا تدري لماذا ..؟ وممن تخاف ..؟
يا له من إحساس بغيضٍ ومخيف .. كيف تخاف من شيء لا تعرفه ..؟ ولا تدري ما أسبابه ..؟ ربما يأتي يوم تعرف فيه سبباً لمخاوفها .. كانت تحدث نفسها وهي تقول :
- ياه .. ماذا جرى لعقلي ..؟ هل أنا مجنونة ..؟ أم أني فاقدة الوعي ..؟ لا .. غير صحيح .. فلو كنت مجنونة لفقدت معرفتي بالأشياء .. ولو كنت فاقدة الوعي لما كنت الآن أقف على قدماي ولكنني شاردة .. نعم فأنا حتى الآن لم أحدد شيء في ذهني .. كل شيءٍ في داخلي مشوش وليس له ملامح واضحة ، وما قد يكون واضحاً أمامي هو أنني حزينة وبائسة ..
يا إلهي .. إنه جرس الباب ترى من الطارق .. في هذا الصباح الباكر ..؟ شرعت لتفتح الباب وإذا برجلٍ طويل القامة .. يلبس قميصاً بالياً وسروالاً يبدو عليه أنه لا يعرف المكواة .. نظرت إليه بحيرة وقبل أن تسأله من يكون قال وهو ينحني نحو إناء قد وضع في صندوق من الخشب :
- اللبن يا ست ليلى .. أنا آسف فقد تأخرت عليك قليلاً .. ولكنك كنت أنت أول
من أحضر إليه اللبن هذا الصباح ..
لم تنطق بحرفٍ واحد .. واكتفت بالنظر إليه .. ومتابعة حديثه والاستماع إليه .. ثم قدم إليها إناء صغير مليء باللبن وقال لها :
- تفضلي .. ودعي الحساب على العبد لله ..
ثم رفع يده محيياً ولكنها أمسكت بكتفه قبل أن يذهب .. ثم سألته قائلة :
- هل تعرفني ..؟ أقصد هل رأيتني من قبل ..؟
كانت نظراته إليها كلها تعجب وخوف .. فهو لا يعرف حقيقة ما حدث لها .. وكيف أنها لا تذكر أحداً ولا يمكنها التعرف على أحد ..
قال بعد أن رسم على وجهه ابتسامةٍ باهتة :
- وهل هناك من لا يعرف الست ليلى ..؟ نوارة الحارة وست الستات كلهم ..؟
ثم أشارت إليه برأسها لتسمح له بالذهاب .. وأغلقت الباب بهدوء .. ثم ألقت نظرة شاملة على البيت ..
كان بيتاً جميلاً .. وواسعاً .. يتوسطه الدرج .. ويملئه الأثاث الأنيق والتحف الثمينة .. يبدو أن كل شيء في هذا البيت مختاراً بعناية شديدة ..
عادت لتجلس على نفس الكرسي المتأرجح .. وأسندت رأسها المثقل بتلك الصور المبهمة .. ثم رفعت يدها إلى جبينها لتتحسس شيئاً ما عالقاً به ..
اعتلت الدهشة وجهها وقامت مسرعةً لتتجه نحو المرآة المعلقة على الحائط .. لتنظر إلى هذا الشيء فإذا به جرحٌ عميق قد تجمد الدم عليه حتى كون منه طبقةً سميكة .. يبدو أنه جرحٌ قديم .. سألت نفسها قائلة :
- كيف حدث هذا ..؟ ومتى ..؟ يا إلهي إنني لا أذكر حتى ألم هذا الجرح .. ترى من كان سبباً في ذلك .. من ..؟
يعجز الإنسان في كثيرٍ من الأحيان عن وصف ما يراه بعينيه .. إذا لم يكن له وقعه في داخله ولا
يقوى فعل شيءٍ تجاهه سوى طرح السؤال .. والاستفهام .. حوله حتى لو كان يرغب في التعبير
عنه وملامسته بيديه ..
إذن .. جرح عميق يتسبب في فقدانها الذاكرة بعد حادثٍ ألـمَّ بها بسبب سرعتها الجنونية وهي تكاد تفقد رغبتها في العيش والحياة .. بعد رؤيتها خيانة زوجها ..
رأته وهو يخونها مع امرأةٍ أخرى .. وأي امرأة ..؟ إنها صديقتها الحميمة " منى " التي استأمنتها على نفسها وبيتها وأسرارها ..
لم تحتمل ما رأته وراحت تركض بلا وعي .. حتى أنها استقلت سيارتها وسارت بها بسرعة فائقة .. والدموع تكاد تفقدها رؤيتها الطريق ..








رد مع اقتباس
قديم 05-04-2016, 08:42 AM   رقم المشاركة : 2
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


عروس النيل



** ** ** ** ** **
لم تكن ليلى قادرة على تذكر ما مضى من أحداث ..
حتى ملامح زوجها لم تعد تذكرها ..

لم تكن " ليلى " قادرة على تذكر ما مضى من أحداث .. حتى ملامح وجه زوجها لم تعد تذكرها .. كما لم تعد تذكر منه خيانته لها .. ولا حياتها معه ..
هل كانت تحبه ..؟ وهل كان يبادلها الحب في حال وجوده ؟ هل كانت سعيدة ..؟ وهل كان زوجها مخلصاً لها ..؟ كم مضى على زواجهما .. سنة .. سنتين .. خمس سنوات لا تدري ..؟
أسئلة كثيرة تطرح نفسها .. ولا تجد لها مجيب ..
عندما رأته لأول مرة بعد فقدانها للذاكرة أحست بذعرٍ خفي لا تعرف له سبب .. رجعت إلى الوراء قليلاً وهي تحدق في وجهه بعينين تملئهما الخوف والاستنكار .. كان يمد إليها يده وهي تقترب منه شيئاً فشيء .. بخطواتٍ بطيئة وهو يقول :
- لا تخافي يا حبيبتي .. لا تخافي فأنا زوجك .. ألا تذكرينني ..؟ اجلسي هنا وسأحكي لكي كل ما تريدين .. اجلسي ..
طاوعته بعد أن أحست بشيءٍ من الارتيـاح .. وجلست بجواره على الكنب .. ثم قالت له
بصوتٍ كأنه خارجٌ من جوف بئرٍ عميق :
- أعذرني أرجوك .. فأنا لا أذكر شيء أبداً .. أنا لا أعرفك ولا أذكر أنني رأيتك
من قبل ..
قال وهو يضع يده على كتفها :
- لا تقلقي يا عزيزتي .. فقد أخبرني الطبيب أنها فترة قصيرة وتعود المياه إلى مجاريها فقط دعي الأمور تسير كما هي .. المهم أنك بصحةٍ جيدة ولست بحاجة إلى العلاج والحمد لله المسألة مسألة وقت .. وقت فقط ..
ثم أخرج علبة سجائره من جيبه وتناول واحدة منها ليضعها بين شفتيه .. وأشعلها وهي تختلس النظر إليه من بين دخان سيجارته ..
كان يشعر بشيءٍ من القلق وهو يلاحظ مراقبتها له وشرودها منه أحياناً .. ولكنه حاول التماسك ومعالجة الأمور كما يريد هو ويحب ..
أطلق ضحكةً مفاجئة وهو يحدثها عن الأيام الماضية .. عندما كانت تمنعه من التدخين خوفاً على صحته .. وحفاظاً على حياته .. ولكنها لم تعيره أي اهتمام لكلامه .. فأسرع ليغير حديثه ويتناول موضوعاً آخر .. فقال :
- لا عليك .. سنخرج هذا المساء للتنزه .. وسأذهب بك إلى تلك الأماكن التي اعتدنا الذهاب إليها من قبل .. ربما تكون .. ..
وتوقف عن الكلام فجأة عندما رآها تقترب من الصورة المعلقة على الحائط .. والتي تضمهما معاً وهما في أجمل ما يكون ..
اقترب منها بعد أن أطفأ سيجارته في المطفأة .. ثم تقدم ليقترب منها واضعاً يده اليمنى على كتفها من الخلف ويده الأخرى يستند بها على الجدار بالقرب من الصورة ثم قال هامساً :
- ياه .. كانت أياماً جميلة .. ورائعة .. إنها أيام زواجنا وأروع ما فيها يوم عرسنا .. لم
يكن عرساً عادياً .. بل كان أشبه بالمهرجان وكانت ليلةً من ألف ليلة وليلة .. ألكل كان سعيداً
يومها .. يأكل ويمرح في فرحٍ ونشوة .. ألا تذكرين ..؟
اكتفت بهز رأسها وعيناها لا تزالان تحملقان بالصورة ثم تابع حديثه قائلاً :
- إذن .. سأحكي لك كل شيء وبالتفصيل .. اسمعي ..
"كان والدي يعمل جاهداً على تزويجي من الفتاة التي تملأ له البيت أطفالاً كما كان يقول .. خاصةً بعد تعييني معيداً في جامعة القاهرة في قسم العلوم السياسية .. وأصبح لي مكاناً مرموقاً ورفيعاً في المجتمع ..
لم أعارضه يوماً .. ولم أوافقه يوماً .. كنت أسايره في الحديث فقط حتى لا يغضب مني .. لأنه لم يكن يشغل تفكيري سوى عملي .. ودراسة الدكتوراه .. حتى جاء ذلك اليوم الذي لا أنساه أبداً ..
كنت جالساً في مكتبي أتصفح بعض الكتب عندها سمعت طرقات خفيفة على الباب وظننت أنه الساعي " أبو إسماعيل " فسمحت له بالدخول :
- ادخل يا أبو إسماعيل ..
لم أرفع عيناي لأرى القادم .. ولكنني اكتفيت بالتحدث إليه وأمرته أن يضع القهوة التي طلبتها سابقاً ويخرج .. ولكن .. لم أسمع صوته ولم أرى القهوة على مكتبي .. فرفعت عيناي فإذا بفتاةٍ تقف أمامي والخجل يصبغ وجهها .. وهي تحاول أن تمسح قطرات العرق من فوق جبينها .. نظرت إليها بدهشة وكأني أراها لأول مرة .. بالرغم من أنها إحدى الطالبات عندي وقد أراها كل يوم .. طلبت منها الاقتراب والتحدث عما تريد ..
تنحنحت قليلاً .. ثم بدأت تتحدث بصوتٍ غائر وقالت :
- جئت لأشتكي يا أستاذ .. وأريد منك إيجاد حلاً لمشكلتي ..
- وما هي مشكلتك بالتحديد ..؟
- منذ ثلاث أسابيع وأنا ألاحظ أن دفتر محاضراتي ينقص منه بعض الأوراق واليوم لم أجده في حقيبتي .. أنا أشك أنه سرق مني .. ولا أدري ماذا أفعل ..؟
أغلقت الكتاب الذي أمامي وتابعت النظر إليها بشيءٍ من الفضول .. ثم قلت لها حازماً :
- وهل تشكين بأحد من زملائك في القاعة ..؟
- لا .. لأنني لا أختلط بأحدٍ أبداً .. ولا أعرف سوى قاعتي والكرسي الذي أجلس عليه
- آه .. وما تريدينه هو أن أقوم بالبحث عن دفترك بين ما يقارب التسعين طالب وطالبة .. أليس كذلك ..؟؟
أخفضت رأسها بخجل وقالت :
- نعم يا أستاذ ..
وقفت وخرجت من وراء مكتبي لأقترب منها .. عندها أحسست بشيء غريب يدفعني للمس شعرها الناعم والمصفف بشكلٍ يليق بفتاةٍ جامعية ثم سألتها :
- ما اسمك يا آنسة ..؟
- ليلى يا أستاذ ..
نعم اسمها ليلى .. أنها أنت .. الفتاة الناعمة .. الهادئة .. المليئة بالحياة والحيوية .. والمفعمة بالذكاء والنشاط .. كان لقائي بك في ذلك اليوم لفت انتباهٍ بالنسبة لي .. وقد كنت أتعمد رؤيتك في كل حين داخل القاعة وخارجها .. لا أدري ماذا فعلت بكياني ..؟ حتى عيناي لم تعد ترى سواك في القاعة .. وقد لاحظ الكثير ممن حولنا ذلك ..
كان والدي لا يزال يلحُّ علي بالزواج .. ولأول مرة يتحدث والدي في الموضوع نفسه وأنا أبتسم .. وقررت أن أفاتحه بما يجول في خاطري .. ولكني آثرت أن أنتظر جوابك على طلبي الزواج منك .. لكنك لم تحضري اليوم التالي .. فاجتهدت في البحث عن عنوانك من سجل الطالبات وتمكنت من الوصول إليه بسرعة ..
ذهبت إلى العنوان .. وصعدت الدرج وكلما اقتربت من شقتك يزداد قلبي خفقاناً ولهفةً لرؤيتك .. طرقت الباب .. وإذا بوجهك يطل علي من خلف الباب .. رأيت يومها الفرحة تتراقص بين عينيك .. وأيقنت حينها أنك تحملين لي شعوراً يوافق شعوري نحوك .. استقبلني والدك .. ورحبت بي والدتك أحسن ترحيب ..
وقمت أنت بإحضار القهوة ولم تجلسي معنا .. وفضلت الوقوف بعيداً كأنك تنتظرين سمـاع
حديثاً يدعوك إلى الخجل .. فآثرت الابتعاد .. كنت استرق النظر إليك .. وكلما وقعت عيناي على عينيك أخفيت وجهك بأناملك الصغيرة .. تحدثت إلى والدك وكان سعيداً لطلبي الزواج منك أما والدتك فقد أطلقت " زغروطة " لتعبر بها عن فرحها بدلاً عن الكلام ..
لم يمضي سوى شهرٌ واحد حتى أتممت كل شيء استعداداً ليوم الزفاف الموعود .. لقد جعلت الدعوة مفتوحة لكل من أراد الحضور .. غنياً كان أو فقيراً .. كبيراً أو صغيراً قريباً أو بعيداً . جعلت الزينة معلقة في صباح ذلك اليوم من بداية كورنيش النيل حتى منزلنا الكائن هناك .. وكان هناك على كورنيش النيل من يوزع الحلوى و "الشربات " ابتهاجاً لذلك اليوم ..
واعتلت أصوات الغناء والزغاريد وتناثرت الورود حين قدومك وسرت بخطىً رزينة وبهاء وجهك يصل إليه قبل وصولك إلى الكرسي المعدَّ لك بقربي .. كان قلبي كعصفورٍ يرفرف بجناحيه فرحاً .. وشوقاً للمس يداك .. والإحساس بدفء قربك ..
ألكل كان ينظر إليك بإعجاب شديد .. وهم يتمتمون بعبارة واحدة اتفقوا عليها جميعهم وهي " عروس النيل " ..
كانت عبارة " عروس النيل " عبارةٌ شافية وكلماتٌ وافية تناسب ما أشعر به نحوك.. واستمر الرقص والغناء حتى مطلع الفجر .. ثم استقلت سيارتي المشرعة بأجمل الزهور وأنت بجانبي مودعة الحضور للذهاب إلى بيتنا .. عش الزوجية الجميل ..
بيت " عروس النيل " .. أجمل عروس ( وأكمل عبارته الأخيرة وهو يدحرج عيناه في زوايا البيت وأسقفه ثم قال بحسرةٍ واضحة :
- آهٍ ما أجمل ماضينا يا حبيبتي .. ليته يعود بكل ما فيه من ذكريات وصور جميلة..
ثم أخذ يمسح على شعرها المنسدل على كتفها وهو يقول هامساً :
- ليتك تذكرين الماضي مثلي .. وتعودين لي بقلبك وصفاء ذهنك لتملئي هذا البيت سعادةً وهناء .. ليتك تذكرين حبنا وأيامنا الجميلة التي صنعتها يداك الناعمتان ..
وتناول يدها ليقبلها .. وعيناه تراقبان عيناها ليعرف ردة فعلها نحوه ولكن " ليلى " تسحب يدها







رد مع اقتباس
قديم 05-04-2016, 08:42 AM   رقم المشاركة : 3
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


عروس النيل


كانت تحدث نفسها وتناجيها وهي تقول :
- ترى ما مدى حبي له ..؟ وما مدى حبه لي ..؟ يا إلهي ما أصعب هذه اللحظات فالزمن يمضي بي إلى هاويةٍ ساحقة لا أستطيع العيش فيها كما لا أقدر على الهروب منها .. وانقطع حديثها مع نفسها عندما أمسك " أحمد " بيدها وهو يقترب منها حتى أصبحت أنفاسه تخالط أنفاسها ويحرقها لهيب أنفاسه وهو يقول :
- ما بك يا حبيبتي ..؟ أراك ساهمة .. سارحة .. هل مرّ على ذاكرتك شيءٌ ما..؟
- لا .. أنا آسفة يا أحمد .. آسفةٌ جداً .. لا أستطيع أن أذكر شيء .. كل ما أذكره هو أنني استيقظت في هذا البيت الفسيح ووجدت نفسي أجلس بين جدرانه .. حتى اسمي لا أذكره .. فذاك بائع اللبن يناديني بـ " ليلى " ..
وأنت وأولئك الذين قلت عنهم أنهم أهلي ينادوني " ليلى " .. ألكل يدعوني بهذا الاسم حتى أنني صدقت بالفعل أنني " ليلى " .. وأنت تقول بأنك زوجي .. وكل شيء حولي يثبت أننا زوجان هذه الصورة .. وتلك التحفة المنقوش عليها أول حرف من اسمي واسمك ..
يا إلهي .. يكاد الصداع يفتك برأسي .. ويدمرني ..
ثم قالت وهي تمسك بيديه وتشد عليهما بقوة :
- أرجوك ساعدني .. ساعدني أن أكون " ليلى " بالفعل .. ساعدني أن أتخلص من هذا الصداع المميت .. لم أعد احتمل .. لم أعد احتمل .. ثم راحت في بكاءٍ سحيق ودموعٍ غزيرة لا تنتهي .. وضمها إلى صدره بحنان وهو يعلم أنه لا يمكنه فعل شيءٍ غير ذلك ..

** ** ** ** ** **
رغم عتابها المتكرر ..
ورغم إنتظارها المرير إلا أنه لم يجعل لإحساسها ومشاعرها أي حساب ..

لم تكن " ليلى " تبادله الحب في كلامه .. ولا في تصرفاته فهي لا تزال تشعر بالغربة خاصةً منه .. أما هو فقد ازداد حبه لها .. وعاد إلى طهارته وعنفوانه بعد أن فقدها أياماً من عمريهما .. كان الندم قد أخذ منه كل مأخذ .. وكلما تذكر ما فعله بها وكيف أنه أقام علاقةً لا قيمة لها مع صديقتها "منى " .. شعر بنار الندم تشعل ضميره ولهيب الحسرة تصهر فؤاده ..
كان " أحمد " يجلس وحيداً في غرفته .. بعد أن أوصد الباب عليه حتى لا يقطع أحداً خلوته مع نفسه .. كان الظلام يملأ الغرفة وصوت الموسيقى الهادئة تنفض ما على قلبه من غبار .. وذكريات مؤسفة بالنسبة له ..
مرت على ذاكرته صورة تلك الفتاة اللعوب عندما رآها لأول مرة في بيته وهي تتجاذب الحديث مع زوجته الحميمة التي تبث إليها شكواها وهمومها بلا تردد..كان ترددها على البيت يزداد يوماً بعد يوم..وفي كل مرة تزداد نظراتهـا إليه
بخبثٍ ودهاء .. إنه يذكر ذلك اليوم حين سمع صوت جرس الباب يرن .. وذهب ليفتحه ويرى من الطارق .. كان الوقت قبل الغروب بقليل .. في الوقت الذي كانت زوجته تتسوق فيه مع والدتها وأختها ..
كان حضوراً مفاجأً بالنسبة له فهو يدرك أن حضور صديقة زوجته في الوقت الذي تعرف أنها غير موجودة حضوراً مريباً وغير عادي .. وله مآرب خفية يخافها ويتحاشى حدوثها ..
كانت تقف وجسمها يميل قليلاً .. وهي تتوكأ بكوعها في عرض الباب ثم قالت بغنج ودلال :
- هل تسمح لي بالدخول ..؟
- نعم .. ولكن .. أقصد أن ليلى ليست هنا .. ستعود بعد ساعة ..
كان الارتباك ظاهراً عليه وواضحاً في كلامه .. وسمح لها مضطراً بالدخول بعد أن عجز في صدها وإبعادها .. ودلفت إلى داخل البيت بكل جرأة رغم علمها بعدم وجود صديقتها ..
وتبادلا الحوار .. وطال الحديث بينهما .. حتى استطاعت أن تستميل قلبه وعقله مع مرور الوقت وهو ينساب إليها في خضوعٍ وعدم تفكير ..
ومضت الأيام على علاقتهما معاً وهما يلتقيان سراً ويتبادلان حباً وهمياً لا أساس له ولا جذور .. وغرق معها في يمٍ من الوحل والدنس .. حتى حدث بينهما ما كان يخافه ويتهرب منه .. ووضعته بمكرها أمام الأمر الواقع الذي جعله يقع فريسة سهلة بين يديها وتزوج " أحمد " من صديقة زوجته الحميمة حتى لا تفضح أمره أمام حبيبته وزوجته " ليلى " ..
لم يكن " أحمد " يحب " منى " الحب الصادق ولم تكن هي أيضاَ تحبه كما تدعي ولكنها الغيرة ا لعمياء من صديقتها التي تفوقها جمالاً .. ووقاراً وجاذبية..
وفعلت ما فعلته انتقاماً من الحظ الذي يساير صديقتها ويعطيها ما تريد وتحب بينما يقف الحظ بالمرصاد أمامها وأمام رغباتها الجنونية ..
مضت على خيانة الأستاذ لزوجته سنة ونصف السنة والأحلام والكوابيس تتردد عليه كلما نام بقربها .. فهو يعلم أنه خائن أمام نفسه ..
كان الخوف حاجزاً بينهما .. أما " ليلى " فقد كانت حزينة لقلقه وعدم راحته . وهي التي لا تعلم سر ذلك .. فالخيانة لا تورث صاحبها سوى الشقاء والعذاب .. وعدم الراحة خاصةً لإنسان مثل " أحمد " الذي يحب زوجته كل الحب ويملك لها في قلبه المكان الكبير .. أما هي .. فهي ترى زوجها من زاوية واحدة .. الزاوية الناصعة البياض .. المليئة بالثقة .. والحب وتبادل الأشواق .. لم يمر عليها يوماً واحداً أحست فيه بالشك في أقرب الناس إليها ولو للحظة واحدة أبداً .. حتى وهي ترى تلهفه الدائم لحضور صديقتها إلى البيت .. حتى وهو يغيب عنها لساعات طويلة دون اتصال منه .. كانت تخلق له الأعذار في وقت غيابه بلا تردد .. فحبها له وثقتها به لا تدع مجالاً للشك والريبة في قلبها ..
كيف تشك فيه وهو الذي اختارها من بين مئات الفتيات ..؟ كيف تشك فيه وهو يقدم لها حباً لا مثيل له ..؟
لا .. وألف لا .. فالقلب الذي يحب لا يخون .. ولا ينسى من أحب .. إذن هي غيمة سوداء لابد لها أن تنجلي وينقشع سوادها بالأمل .. رغم عتابها المتكرر .. ورغم انتظارها المرير إلا أنه لم يجعل لإحساسها ومشاعرها أي حساب.. أصبح " أحمد " غارقاً بلا أمل في النجاة .. وهو يعلم أي امرأةٍ تكون هي " منى " ومن أي طينة تنتمي إليها تلك الفتاة التي لا تعرف طريقاً للصلاح ..
إنه يريد أن يعود إلى زوجته " ليلى" بسلام .. ويتمنى لو أنه يرتمي في حضنها
الدافئ ويلتمس منها الحنان الصادق ويرتجي من قلبها العفو والسماح والصفح .. ولكن كيف ..؟ كيف ..؟
هل يعترف لها بكل ما فعله .. ويخسر من تمتلك قلبه وفؤاده إلى الأبد ..؟ أم يصمت ويزداد غرقاً في الوحل يوماً بعد يوم ..؟ ويدع لمثل هذه المرأة الطائشة أن تدمر حياته وبيته وترميه بين براثين الندم والحسرة ..
إنه بين نارين .. كلما هدأت واحدة ازدادت الأخرى توهجاً وسعيراً .. نار زوجته الوفية وهو يراها تتعذب من أجله .. وتنتظره كل يوم حتى يغلبها النعاس على الكرسي الرجراج .. وهي لا تمل من انتظارها له حتى يعود إليها وتضمه بين ذراعيها .. وتسمعه أحلى ما لديها من همس وحديث ..
ونار امرأة وقع في شباكها رغماً عنه وبدون سابق إنذار .. ليصبح مقيداً أمامها كمجرم ذليل لا يقوى على الاعتراف ولا الهروب من العقاب .. وأي عقاب.. لكنه لن يبقى صامتاً هكذا أمام تيارٍ جارف لا يعرف الرحمة ..
لابد أن يبحث عن طوق نجاة ليمكنه من الوصول إلى بر الأمان .. وبسلام وشاطئٍ لا يجد فيه سوى حبيبته " ليلى " وقرة عينه حتى يلوذ بالسعادة التي كاد أن يفقدها .. وسيفقدها إلى الأبد ما لم يفعل ما يجب عليه فعله لاسترجاعها والمحافظة عليها
وهو أن يطلقها .. نعم يطلق " منى " ويغتسل من ذنبه وما لحق به من وحل لا يزال " أحمد " غاضباً من نفسه .. من أفعاله التي أوقعت به في الحضيض وكانت سبباً في فقدان زوجته الذاكرة .. ويزداد غضبه غضباً واشتعالاً كلما رأى زوجته تائهة لا تعرف من حياتها سوى الشيء اليسير .. فلو أنها لم تراه مع تلك المرأة لما حدث لها ما حدث ..
ويزداد غضبه غضباً على غضب بعد تأكده أنها هي التي أخبرت " ليلى " عن وجوده في شقتها في تلك الليلة .. حتى تجعل منه فريسةً سهلة لا حراك لها ولا حياة .. وتجعله أمام الأمر الواقع الذي طالما خاف من وقوعه في أي يوم ..

** ** ** ** ** **
كانت تنتظره بقلق وبشيء من الخوف ..
فمنذ أن خرج حزيناً .. ودون أن يحدد وجهته لم يعد ولم يهاتفها كعادته ليطمئها عليه
يكاد الندم يفتك بـ " أحمد " .. وحبه لزوجته يتأجج ناره في صدره ويزيد سعيرها كلما رآها أمامه ..
إنه يحبها بجنون .. نعم يحبها أكثر بكثير من حبه لها يوم أن رآها لأول مرة .. فقد اكتشف أن بداخلها جوهرةً نقية ليس لها مثيل .. ولا يمكن لأي إنسان التخلي عنها واستبدالها بحجرٍ لا قيمة له .. ولا فائدة ..
كان صوتاً عذباً ينساب إلى مسمعه بكلماته الشجية .. كانت أغنية غير عادية بكلماتها التي تقول :
علمني حبك أن أحزن وأنا محتاج منذ عصور ..
لامرأة تجعلني أحزن .. لامرأة أبكي فوق ذراعيها مثل عصفور ..
لامرأة تجمع أجزائي كشظايا البلور المكسور ..
وسرح بذهنه لبرهة وهو يحدث نفسه قائلاً :
- كيف أترك ملاكاً لأركض وراء شيطانه لا يعرف قلبها طريقاً للرحمة ..؟ كيف استبدل زهرة ندية متأصلة الجذور .. بزهرة لا رائحة فيها ولا جذور .. كيف ..كيف ..؟ وعادت كلمات الأغنية الجميلة تعصف بكلماتها لتوقظ في نفسه أحساساً كان دفيناً في يوم من الأيام .. وصوت " الساهر " يدغدغ مسمعيه وهو يقول :
أدخلني حبك سيدتي مدن الأحزان ..
وأنا من قبلك لم أدخل مدن الأحزان ..
لم أعرف أبداً أن الدمع هو الإنسان ..
أن الإنسان بلا حزنٍ ذكرى إنسان ..
كانت هذه الكلمات قادرة على أن تجعله يبكي حتى الموت .. ويذرف من الدمع أنهاراً حتى يصبح أنساناً نقياً .. ويضل يبكي .. وقد كان بكاءه بلا توقف ..
كانت " ليلى " تراقبه وهو يجلس على الشرفة .. يبكي .. ويجهش بالبكاء وهو يرفع ناظره إلى السماء ويدعو بهمس :
- يا رب سامحني .. سامحني يا رب فقد أخطأت ..
واقتربت منه ليراها ويقطع مناجاته لربه .. ثم جلست على ركبتيها أمامه واضعةً يداها على فخذيه وقالت له هامسة :
- لماذا تبكي ..؟ هل بدر مني ما آلمك وأقلق راحتك ..؟








رد مع اقتباس
قديم 05-04-2016, 08:42 AM   رقم المشاركة : 4
:: عضو مميز ::
 
الصورة الرمزية جنيــن






جنيــن غير متواجد حالياً

جنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond reputeجنيــن has a reputation beyond repute


عروس النيل


- لا .. وحياتك يا أعز الناس .. أنا من آلمك وتسبب في عذابك ودموعك .. سامحيني أرجوك .. وألقى برأسه على كتفها باكياً .. وقد غاب في حنانها وهي تضمه إليها .. وتشاركه دموعه وبكاءه ..
ولكنه ما كان ليسمح لنفسه أن يأخذ ما لا يستحق .. فانطلق مندفعاً نحو الباب وخرج بعد أن صفق الباب خلفه ..كانت تنظر إليه بدهشة وتعجب .. فهي لم تراه بهذه الحالة من قبل ..
إنها حزينة من أجله .. تعطف عليه .. وهذا لا يعني أنها تبادله الحب الذي يحمله لها
في صدره .. لا .. فهي لم تزل غريبة عنه أو غريب عنها .. سيان بين الأمرين ..
فالعاطفة نحوه عاطفة مبهمة .. لا قرار لها ولا هوية .. ولكنها بحكم أنها زوجته بشهادة منه ومن أهلها وشهادة تلك الصورة المعلقة على الحائط فسوف تقيم معه علاقة طيبة كعلاقة الصديق مع صديقه ..
كانت تنتظره بقلق .. وشيء من الخوف .. فمنذ أن خرج حزيناً ودون أن يحدد وجهته لم يعد ولم يهاتفها كعادته ليطمئنها عليه ..
أحست وهي تنتظره بشعور غريب يداهم فؤادها وعاطفتها .. كانت دائماً تنفي أي نداء في داخلها يدعوها إلى الاعتراف بأنها بدأت تميل إليه .. وبدأ قلبها يحمل له بعض من الحب الذي طالما حلم به .. وانتظره منها .. كانت كلما أحست بالشوق لرؤيته ولو صامتاً تعلل هذا الشوق بأنه أمر عادي وطبيعي .. فهما يعيشان سوياً في بيت واحد أكثر من ستة أشهر فلما لا تشتاق إليه ..؟
لم لا وهو الذي يعاني من أجلها .. وتراه يتعذب كل يوم لحالها ..؟ إنه قريبٌ منها جداً جداً .. أكثر من قرب والدتها وأختها " صفاء " .. فهي لا تراهما سوى في زيارات قصيرة وهي تسمعهم يتحدثون عن الماضي في محاولة يائسة لاسترجاع ذاكرتها .. وبعد ذلك تذهبان إلى بيتهما وتبقى هذه الفتاة المسكينة التي لا حول لها ولا قوة .. وحيدة .. ولكن برفقة إنسان آخر وحيد .. ليشترك معها في الهم ذاته .. والحزن والوحدة ..
كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل حين عاد " أحمد " إلى البيت ولكنه يبدو غريباً هذه المرة .. فهو لم يحاول التحدث إليها كعادته .. إنه يتجه إلى غرفته دون أن يلتفت إليها ويلقي السلام عليها وهي تقف تنظر إليه بدهشة واستغراب ..
" ماذا حدث ..؟ لم كل هذا التغير ..؟ لم هذا الهروب ..؟ ماذا فعلت حتى يغضب مني كل هذا الغضب ..؟
كانت " ليلى " تحدث نفسها والدموع تغسل وجنتيها .. حاولت الذهاب إليه لتعرف
ما به .. ولكنها كانت مترددة وخائفة .. فقد يكون استقباله لها قاسياً عليها .. وفضلت أن تذهب إلى غـرفتها .. وتغلق على نفسها الباب .. وتخلد إلى النوم .. وتلقي بكل ما يقلـق
راحتها خلف ظهرها .. فهي لا تريد مزيداً من المتاعب والأحزان ..
وفي صباح اليوم التالي ..استيقظت " ليلى " من نومها لتجد " أحمد " واقفاً في الشرفة المطلة على الحديقة الواسعة المليئة بالأشجار الوارفة الظلال .. وصنعت على الفور فنجاني من القهوة وتقدمت نحوه وهي تصطنع الابتسامة على وجهها .. وحين شعر بوجودها التفت إليها فقالت على الفور :
- صباح الخير يا أحمد .. أحضرت لك فنجان القهوة .. أعلم أنك بحاجة إليها .. أليس كذلك ..؟
وجلس " أحمد " على الكرسي المعد أمام الطاولة .. وهو يقول :
- أجل .. شكراً لك ..
كانت " ليلى " تنظر إليه .. وتتابعه بعينيها وهو يرتشف قهوته متلهفة إلى سماع صوته كي يحكي لها ما يجول في خاطره ولكنه كان يلتزم الصمت .. وعيناه لا تمتنع النظر إلى تلك الأشجار والهواء يداعب أغصانها .. وبعد أن انتهى من شرب القهوة أمسكت " ليلى " بيده ثم قالت بصوتٍ غائر :
- أرجوك يا أحمد .. توقف عن التفكير وتحدث معي بما يجول في داخلك .. إني أسمعك وأعدك أن أسمعك حتى النهاية ..
كان ينظر إليها بحزنٍ شديد وطبقة رقيقة من الدموع تغطي عيناه الحزينتان .. اقتربت منه أكثر لتضع يدها على وجهه ثم قالت :
- لم كل هذا الحزن يا أحمد ..؟ لماذا هذه الدموع ..؟
لم يكن ينتظر منها كل هذا الحنان .. وكل هذا الاهتمام .. إنه لا يستحق كل هذا .. لا يستحق
وسقطت من عينيه دمعةٌ عاصية .. جعلته يلقي برأسه على صدرها ويرتمي في حضنها حتى يخفي هذه الدمعة الساقطة على خده ..
كانت تضم رأسه إلى صدرها بحب لم تشعر به من قبل .. ولكنها المشاعر الحقيقية في داخلها تظهر بلا زيف .. لم تمتنع عيناها عن الدموع والبكاء .. ولكن هذه المرة ليس لتشاركه دموعه .. وأحزانه فقط وإنما كانت دموعاً أثر أحساساً في داخلها لا تعرف سره .. ولا تدرك معناه ..
إنها اللحظة الساخنة بينهما .. اللحظة التي تحطم كل حواجز الخوف والغربة .. خاصة تلك الحواجز التي كانت تمنع " ليلى " من النظر إلى عيني " أحمد " لتبقى بعيداً عنه .. كانت لحظةً مليئة بالشجون والاندفاع العاطفي الذي كان له الأثر الكبير في نفسيهما .. وخاصةًَ في نفس الدكتور " أحمد " الذي شعر بكثيرٍ من الارتياح والذي سيتيح له إصلاح كل ما أفسده في لحظة ضعف وطيش وحماقة ..
ولكنه يبتعد عنها مندفعاً إلى الوراء ثم قال لها وهو مخفض الرأس :
- أنا آسف يا ليلى .. لا أدري كيف ألقيت برأسي على صدرك .. آسف .. آسف وخرج مسرعاً ليستقل سيارته .. وينطلق بها بسرعة فائقة تاركاً خلفه غباراً حجب الرؤية عن عينيها وهي تتابعه من خلال الشرفة حتى لم تعد ترى سيارته الحمراء المسرعة ..
لم يبقى سوى غبار حولها غطى كل شيء حتى على تفكيرها .. وغطش عن عيناها الوصول إلى النور والحقيقة الغائبة عنها ..
لم تعد تفكر " ليلى " في شيء غير هذا الرجل الذي بدأ غريباً عنها .. وها هو حبه بدأ يزحف إلى صدرها .. وبدأت شباكه تنقض على قلبها حيث لا مفر منها أبداً ..
كانت يداها لا تزالان مضمومتان إلى صدرها وكأنها تحلم بضمه مجدداً ..
أو أنها تخاف أن تستيقظ من تلك اللحظة المفاجئة .. الحالمة .. التي أيقظت في داخلها أحاسيس كانت تربت عليها زمناً طويلاً .. بيد الوهم والخيال ..

** ** ** ** ** ** **
كم كنت أشعر بالحزن والأسى وأنا أراك تجلس وحيداً
تبكي وتناجي أسمي .. وأنت تنظر إلى السماء وتدعو من الله الشفاء العاجل لي ..
إن الشتاء قاس هذه المرة .. ولا تملك " ليلى " سوى دموعها الساخنة لتدفئ بها قلبها الموجوع .. وفؤادها المتكسر .. وصوت الرعد يهز في داخلها خوف دفين .. تلتف بوشاحها الشتوي الذي كان قد أهادها إياه " أحمد " في شتاء العام الماضي ..
إنها كلما شعرت بالخوف نظرت إلى خطوطه المستطيلة وأغمضت عيناها عن أشباح كانت تراها بين تلك الخطوط .. لتزيد من خوفها الذي لا ينتهي ..
مضى الليل طويلاً .. أطول من أي ليلٍ مضى .. وساعاته تمشي ببطء السلحفاة .. ماذا تنتظر " ليل " ..؟ ولماذا تحرص على النظر إلى الساعة بين الفينة والفينة ..؟
هل تنتظر انتهاء الليل وقدوم الشمس ..؟ أم تنتظر توقف الأمطار ..؟
ربما تنتظر الصباح لتجتهد في صنع ألذ قهوة يحبها قلب " أحمد " ..؟
ولكن .. أين أحمد ..؟ أحمد ليس هنا ..؟
إنه مسافر .. نعم مسافر وسفره قد يطول .. إذن .. هي تنتظر مضي الوقت لتقترب عودة
" أحمد " من سفره الذي ترك في نفسها الأثر الكبير .. يا للمسكينة .. بعد كل هذا الذي حدث لها والذي كان " أحمد " سبباً فيه تبقى " ليلى " شمعةً تذوب من أجله وتحترق كي تضيء له ليله
أحست " ليلى " بالملل .. والتعب وهي تدور في رجاء بينها الفسيح .. والوقت لا يزال بطيء وممل .. حتى الدموع لم يعد لها أثر في عينيها .. لقد جفت .. واضمحلت .. جلست على الكرسي الرجراج .. لتستعيد بعض ذكرياتها القليلة جداً عن هذا البيت .. وعن صاحبه الغائب ويرتعد جسمها وهي ترى تلك الصور في مخيلتها .. والبرد يزيدها ارتعاشاً ..
قامت " ليلى " متثاقلة من فوق الكرسي لتبحث عن شيء ما ينسيها رتابة الوقت وطول الليل .. اقتربت من خزانة ذات أدراج وضعت تحت النافذة المطلة على مدخل البيت .. وفتحت الدرج الأول لتجد فيه دفتر ازرق اللون .. وبجانبه قلم كان قد أعطاها أياه " احمد " منذ فترة طويلة .. وطلب منها أن تكتب كل مذكراتها اليومية ..
ومدت يداها المرتعشتان لتتناول الدفتر والقلم من الدرج .. وقالت محدثة نفسها وهي تضم الدفتر إلى صدرها :
- يجب أن أكتب .. يجب أن يعرف أحمد كل ما في نفسي .. حتى يعلم أنني أتعذب بدونه وأنا أعيش وحيدة في هذا البيت الواسع البراح ..
واتجهت نحو مكتب " أحمد " وجلست على كرسيه لأول مرة .. وقررت أن تكتب له ومن أجله بعض الكلمات .. كتبت تقول :
" ليتني أستطيع أن أناديك حبيبي .. ليتني أناديك باسمك دون خوف ودون أن يتلعثم به لساني .. ماذا فعلت بقلبي ..؟ ضللت غريبة عنك زمناً حتى ظننت أنني لن أحلم بالقرب منك وبعد أن ملكت قلبي وأسرت فؤادي .. بعد أن غرست حبك المجنون في جوفي تذهب بعيداً عني وتسافر .. وتتركني وحيدة همي وحزني ..
لماذا تهرب مني ..؟ لماذا تخاف قلبي ..؟ في الوقت الذي تحترق فيه من أجلي .. وأنا أعلم أن لي في قلبك الحب الوفير .. أتعجب لتصرفك الغريب .. فأنا حين أبتعد عنك أجدك تتوسل إلي .. وتناجيني لأقترب .. وحين أقترب منك أجدك تبكي والدموع لا تفارق عينيك وتفر مني دون
وداع .. لم أجد من أتحدث معه بما يجول في نفسي .. وعن ما أكنه لك في صدري سوى هذه الورقة .. وسأوهم قلبي أنه سيأتي يوم وتقرأ فيه كل ما كتبته لك ..كي تعلم حبيبي أنني بالرغم ما أعانيه من نسيان .. وعدم تذكر أيامي وسعادتي بقربك .. إلا أنني سعيدة بأيامي القليلة معك والتي أذكرها جيداً .. حيث لمست فيها حنانك .. وعطفك .. وخوفك الدائم عليّ.. لقد حاولت المستحيل من أجلي كي أستعيد ذاكرتي .. ولكنني أنا من فشل وأردى بأملك في ذلك قتيلاً بين يديك ..
أخبرتني الكثير عن ماضينا .. يبدو أنه ماضيٍ جميل كان يضمنا .. ويحتوينا .. أخبرتني عن " عروس النيل " وسعادتك بقربها .. وأن " ليلى " هي عروس النيل التي أضاءت بوجهها شوارع القاهرة الواسعة .. أخبرتني عن أيامنا الجميلة التي قضيناها سوياً هنا في القاهرة وفي بلاد أوروبا وصلني وصفك لها بأجمل ما يكون رغم أنني لا أذكر منها شيء ..
كم كنت أشعر بالحزن والأسى وأنا أراك تجلس وحيداً .. تبكي .. وتناجي أسمي وأنت تنظر إلى السماء وتدعو من الله الشفاء العاجل لي .. أكبرت فيك هذا الحب النادر لـ " ليلى" وأكبرت فيك هذا الوفاء الصادق لزوجتك الذي يعذبك تأخرها في الشفاء ..
كنت دائماً أتساءل .. هل كنتُ أبادلك الحب ذاته .. أو هل كانت " ليلى " تبادلك الحب ذاته ..؟ هل كانت تعطيك مثل ما تعطيها من صدق وإخلاص .. لابد أن يكون كذلك .. و إلا فإن رجلاً مثل " أحمد " لا تستحقه امرأة مثل " ليلى " ..
حبيبي .. أعذرني .. سأكثر من كلمة " حبيبي " أنا لا أستطيع أن أبدأ كلماتي بدونها فهي مزروعة بين شفتي .. وكلماتي تخرج من بين شفتي .. لا أدري إن كنت تريد سماعها أم لا..
حبيبي .. إن سفرك المفاجأ جعلني أقترب منك أكثر .. وجعلني أبكي على حالي بدونك أكثر .. فلم لا تعود ..؟ لم لا تستسلم للأمر الواقع ونعيش ماضينا المنسي في حاضرنا المرتجى ..؟
ليتك تعود .. إني أحتاجك .. أحتاج ليديك كي تعبر بي طريق الضياع نحو النور وعلى مرفأ الأمان .. أحتاج إليك " أحمد " .. وأعلم أنك لن تعود قبل مضي شهرٍ كامل .. وكأنه سنة وليس شهر .. أكرر لك إني أتعذب بدونك .. أتعذب .. أتعذب .."
توقفت " ليلى " عن الكتابة بعد أن غلبها النعاس .. ووضعت رأسها علـى الدفتر
وسقط القلم من بين أصابعها لتغرق في نوم عميق .. وبعد مضي ساعتين .. استيقظت "ليلى" متعبة .. ومرهقة .. وأحست بإعياءٍ شديد في جسمها يكاد يفتك بعظامها .. وكانت المفاجأة حين التفتت لتجد " أحمد " يقف بقربها ..







رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة









الساعة الآن 03:55 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
منتديات بال مون - منتديات رومانس مون